مواجهة في الطوارئ

لمحة نيوز

كنت شغال وردية ليل في مستشفى صغير على أطراف المدينة، نفس المستشفى اللي اتعلمت فيه أول غرزة وأول إنعاش قلبي، ونفس المكان اللي كنت دايمًا بحس فيه إن الدنيا مهما خبطت فيّ فأنا هنا مسيطر، هنا أنا الدكتور ديفيد جرانت، مش الزوج القلق ولا الأخ الكبير المسؤول عن شاب مستهتر اسمه تومي، الليل كان هادي، هدوء الطوارئ المخادع اللي بييجي قبل العاصفة، أصوات الأبواب الأوتوماتيك بتفتح وتقفل، صفير أجهزة المونيتور، تزييق عجل السرائر على الأرضية اللامعة، كل حاجة محفوظة في عضمي من كتر السهر، وفجأة سمعت الاسم اللي عمري ما تخيلت أسمعه جوه القسم بصيغة تقرير إسعاف: "راشيل جرانت" الاسم خرج واضح من بق المسعف، مش "أنثى في الأربعينات" ولا "حالة فاقدة وعي"، لا، الاسم كامل، زي حكم بيتقري في محكمة، إيدي سقعت والملف وقع مني، رفعت عيني لقيت ولد مراهق قدامي بيشتكي من وقعة سكوتر، حالة بسيطة، عشر دقايق وهيخرج، لكن الأبواب اتفتحت بحدة واتنين مسعفين دخلوا بيجروا بيزقوا سريرين جنب بعض، وواحد فيهم بيزعق "احتمال تسمم بأول أكسيد الكربون! حالتين غايبين عن الوعي!" وشوفتها، راشيل، مراتي، بشرتها شاحبة وشفايفها مزرقة وقناع الأكسجين على وشها بيطلع بخار ضعيف كأنه بيحارب، وعلى السرير التاني كان تومي أخويا، راسه مايلة وعينيه نص مفتوحة وصدره بيطلع وينزل بصعوبة،

جسمي اتحرك لوحده، قمت أجري عليهم، ناديت اسمها وأنا مخنوق، لكن إيد شدتني، لفيت لقيت ماركوس، صاحبي وزميلي، وشه جامد بشكل عمره ما كان كده، قال لي بهدوء قاسي "إنت مش هتعالجهم"، زعقت فيه، قلت له دي مراتي وده أخويا وأنا الدكتور المسؤول الليلة دي، ضغط على دراعي أكتر وقال "مش دلوقتي يا ديفيد"، سألته وأنا برتعش، ليه؟ ليه الشرطة جاية؟ ليه في أمن على باب العمليات؟ ساعتها بس خدت بالي من أكياس ورقية بنية متلبسة على إيدين راشيل وتومي ومتربطة بشريط أحمر، علامة واضحة لأي حد اشتغل في الطوارئ إن دول مش بس مرضى، دول أدلة، همست له ليه إيديهم متكيسة، بص لي بنظرة شفقة وقال "أنا آسف يا ديفيد، بس الشرطة في الطريق"، الكلمة نزلت عليا تقيلة، شرطة؟ تسمم بأول أكسيد الكربون يستدعي شرطة لما يكون في شبهة، عقلي بدأ يجري أسرع من قلبي، آخر مرة شفتهم كانت قبل ما أطلع الشغل، راشيل قالت إنها رايحة عند تومي عشان تساعده في موضوع الشقة الجديدة، كان عنده مشكلة في السخان القديم، افتكرت إنهم دايمًا كانوا قريبين، يمكن أقرب من اللازم، بس كنت بضحك الفكرة من دماغي، تومي كان أخويا الصغير، وراشيل كانت مراتي من عشر سنين، دخل ضابطين بعد نص ساعة، قدموا نفسهم بهدوء، قالوا إن الجيران بلغوا عن ريحة غاز طالعة من شقة تومي، وإنهم لقوا الاتنين جوه الشقة فاقدين
الوعي، وإن في مؤشرات إن مصدر أول أكسيد الكربون مش مجرد تسريب عشوائي، بصيت لماركوس بذهول، قال لي إن فني الصيانة اللي كشف أوليًّا على المكان قال إن فتحة التهوية كانت مقفولة بإحكام من جوه، وإن السخان كان شغال في أوضة مقفولة، الضابط سألني أسئلة روتينية في الأول، كنت فين، إمتى آخر مرة شفتهم، كان في مشاكل بينهم، جاوبت وأنا حاسس إني بتكلم عن ناس معرفهمش، بعد ساعات طويلة من الانتظار والقلق خرج ماركوس وقال إن راشيل استقرت على جهاز التنفس وإن تومي حالته أخطر شوية لكن لسه في فرصة، حسيت برجلي بترجعلي تاني، لكن الفرصة دي كانت محملة بأسئلة هتغير حياتي، لما فاقت راشيل بعد يومين، كنت واقف بعيد مش عارف أدخل ولا لأ، الشرطة سبقتني، وبعد ساعة نادوا عليا، دخلت لقيتها ضعيفة لكن عينيها واعية، بصت لي نظرة مليانة خوف وذنب، مسكت إيدي وقالت بصوت مبحوح إن الموضوع ماكانش حادث، وإنها راحت لتومي عشان تواجهه، واجهه بإيه؟ اعترفت إن بينهم علاقة بدأت من شهور، وإنها كانت ناوية تنهيها، قالت إن تومي انهار وحاول يقنعها ما تمشيش، وإنهم اتخانقوا، وإنه قال جملة لسه بترن في وداني: "لو مش هتبقي ليا مش هتبقي لحد"، قالت إنها افتكرت إنه بيهزر لحد ما حسّت بالصداع والدوخة، وإنه قفل الشبابيك وشغل السخان، كانت بتحاول تفتح الباب لكنه كان قافل المفتاح ورماه
بعيد، كانت آخر حاجة فاكراها إنه قاعد جنبها بيعيط وبيقول إنه مش قادر يعيش من غيرها، التحقيقات أثبتت إن السخان كان سليم لكن التهوية متقفلة عمدًا، وإن الباب كان مقفول من الداخل، تومي فاق بعد أسبوع وهو تحت حراسة، لما واجهوه اعترف إنه كان عايز يخوفها بس الأمور خرجت عن السيطرة، النيابة وجهت له تهمة شروع في قتل، وأنا كنت واقف بتفرج على أخويا وهو بيتاخد مكبل، ومش عارف أحزن عليه ولا أكرهه، زواجي انتهى بهدوء أبرد من ليل الطوارئ، راشيل مشيت من البيت بعد ما خرجت من المستشفى، قالت إنها مش مستنية غفران ولا فرصة تانية، قالت إنها غلطت مرتين، مرة لما خانتني ومرة لما استهانت بحد ممكن يقتل عشان ما يخسرش، وأنا رجعت لشغلي، نفس الأبواب ونفس الأجهزة، لكن كل ما أسمع اسم حد في سماعة الإسعاف قلبي بيقبض، لأن الليلة دي علمتني إن أقرب الناس ليك ممكن يدخلوا حياتك على سرير طوارئ، بأكياس أدلة على إيديهم، ويقلبوا كل حاجة كنت فاكرها ثابتة رأسًا على عقب، بقيت بعالج المرضى وأنا فاهم إن أخطر سم مش دايمًا أول أكسيد الكربون، أحيانًا بيبقى خيانة مكتومة وغيرة عمياء، بتتسرب بهدوء لحد ما تخنق الكل، وأنا عايش بعد اللي حصل، مش لأن قلبي سليم، لكن لأن الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي لسه بعرف أتنفس من خلالها من غير ما أحس إن الأكسجين بيتسرق مني تاني.

تم نسخ الرابط