مواجهة في الطوارئ

لمحة نيوز

عدّت شهور بعد اللي حصل، بس الزمن ماكانش بيعدّي زي الأول، كان بيعدّي تقيل، ببطء متعمّد، كأنه قاصد يخليني أستوعب كل تفصيلة في الوجع من غير ما يرحمني، رجعت لشغلي في الطوارئ بنفس الهدوم ونفس الكارنيه، لكن مفيش حاجة كانت زي ما هي، بقيت لما أسمع كلمة “تسمم” قلبي يدق أسرع، ولما ييجي بلاغ عن شقة مقفولة أو تسريب غاز أحس إني برجع لنفس الممر، نفس النور الفلورسنت، نفس اللحظة اللي شفت فيها إيدين راشيل وتومي متغطين بأكياس الأدلة، بقيت بلاحظ حاجات ماكنتش باخد بالي منها قبل كده، نظرات الأزواج لبعض وهم مستنيين نتيجة، توتر الإخوات وهما واقفين جنب بعض، الخوف اللي بيظهر في تفاصيل صغيرة، وكنت كل مرة بسأل نفسي: إمتى العلاقة بين اتنين تتحول لقنبلة مكتومة بالشكل ده؟

القضية خدت مسارها الطبيعي، تومي اتحبس احتياطي واتحدد له جلسة، وأمي كانت بتيجي لي كل أسبوع تقريبًا، تقعد قدامي في الصالون وتبص لي بنفس النظرة اللي كانت بتبصها لي وأنا طفل لما أكسر حاجة غالية في البيت، نظرة عتاب ممزوجة برجاء، كانت بتقول لي “هو غلط، بس ده أخوك”، وأنا ماكنتش عارف أرد، هو فعلًا أخويا، نفس الدم، نفس الذكريات، نفس أوضة النوم اللي كنا بنتخانق فيها على السرير العلوي، بس في نفس الوقت هو الشخص اللي قفل شباك وشغل سخان وقعد يستنى النفس يخلص، وأنا كنت واقف في النص بين صورتين: صورة الطفل اللي كان بيستخبى ورايا في المدرسة، وصورة الراجل اللي اعترف إنه قال “لو مش هتبقي ليا مش هتبقي لحد”.

راشيل حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة، في الأول برسائل قصيرة كلها اعتذار، بعدين مكالمات، كنت بسيب التليفون يرن لحد ما يسكت، مش كرهًا وبس، لكن خوفًا من إني ألين، من إني

أسمع صوتها وأفتكر الأيام اللي كنا بنطبخ فيها سوا، الضحكة اللي كانت بتملا البيت، الخناقات الصغيرة اللي كانت بتنتهي بكوباية قهوة على الكنبة، كنت عارف إن اللي بينا اتكسر، والخيانة حتى لو انتهت، أثرها بيعيش، لكن برضه جزء جوايا كان عايز يفهم، عايز يعرف إزاي الموضوع بدأ، إمتى النظرة بين أخويا ومراتي بقت مختلفة، إمتى أنا بقيت آخر واحد ياخد باله.

في يوم من الأيام، بعد مناوبة مرهقة، لقيت نفسي واقف قدام شقة تومي، الشريط الأصفر بتاع التحريز كان اتشال خلاص، والباب متصلح، دخلت بعد ما خدت إذن من المحامي باعتباري من العيلة، المكان كان فاضي، بس ريحة خفيفة لسه عالقة، يمكن في دماغي أكتر ما هي في الهوا، بصيت على السخان، على الشباك، على الكنبة اللي قالت إنها وقعت عليها وهي بتحاول تقاوم الدوخة، حاولت أتخيل اللحظة، هل كان فعلاً ناوي يموتها؟ ولا كان بيهدد وخرج الموضوع عن السيطرة؟ هل في ثانية تردد قبل ما يقفل آخر شباك؟ ولا كان الغضب مسيطر عليه لدرجة إنه ماشفش النهاية؟ الأسئلة دي فضلت تلف في دماغي من غير إجابة شافية، لأن حتى اعترافه كان مليان تناقض، مرة يقول إنه كان عايز يخوفها، ومرة يعترف إنه كان شايف الموت أهون من إنه يشوفها معايا.

الجلسة الأولى كانت قاسية، شفته واقف قدام القاضي، ضعيف، شاحب، ملامحه فقدت التحدي اللي كان دايمًا ظاهر في عينيه، لما عينه جت في عيني للحظة، شفت حاجة ماكنتش متوقعها، مش ندم بس، لكن انكسار حقيقي، كأنه استوعب أخيرًا إن اللي عمله مش مجرد لحظة غيرة، لكن جريمة كان ممكن تنهي حياتين وتدفن عيلة كاملة، الشهود اتكلموا، التقارير اتقرت، فني الأدلة الجنائية أكد إن التهوية كانت متقفلة بإحكام، وإن مفيش

أي علامة على تسريب عشوائي، كل حاجة كانت بتقول إن اللي حصل متعمد، وفي الآخر صدر الحكم بالسجن لسنين طويلة، وأمي انهارت في القاعة، وأنا مسكتها، لأول مرة أحس إني أنا الكبير بجد، مش بس في السن، لكن في الوجع.

بعد الحكم بأسبوعين، وافقت أقابل راشيل في كافيه بعيد عن أي ذكريات، كانت أنحف، أهدى، يمكن أكتر صدقًا، اتكلمت كتير، حكتلي إزاي الوحدة بينا كانت بتكبر من غير ما ناخد بالنا، إزاي شغلي الليلي خلّى البيت فاضي ساعات طويلة، إزاي تومي كان موجود يسمع، يهزر، يقرب، قالت إن الموضوع بدأ بكلام بسيط وبعدين بقى حاجة أكبر، وإنها كل ما كانت تحاول تبعد، كان هو يشدها تاني، لحد ما قررت تنهيه في اليوم ده، سألتها سؤال واحد كان بيحرقني: “لو ماكنش عمل اللي عمله، كنتي هتقولي لي؟” سكتت ثواني طويلة، وبصت في فنجان القهوة وقالت “كنت خايفة أخسرك”، ابتسمت ابتسامة مكسورة وقلت لها “وهو في خسارة أكبر من اللي حصل؟”

الطلاق تم بهدوء رسمي، ورق يتوقع، وخاتم يتحط في درج، وبيت يتقسم نصين، مشيت وهي واخدة حاجتها، وأنا فضلت في المكان اللي بقى أوسع وأبرد، الليالي بقت أطول، بس الغريب إني ماوقعتش، يمكن لأن الصدمة الكبيرة بتخلي الواحد يا إما ينهار يا إما يعيد تشكيل نفسه من الأول، بدأت أروح لجلسات علاج نفسي، حاجة عمري ما تخيلت أعملها، اتكلمت عن الغضب، عن الإحساس بالخيانة المزدوجة، عن الذنب اللي كان بييجي فجأة ويقول لي يمكن لو كنت موجود أكتر، يمكن لو لاحظت بدري، يمكن لو ماكنت سبت فراغ بينهم، المعالج كان دايمًا يرجعني لنقطة مهمة: “الاختيارات كانت اختيارهم، مش اختيارك”.

ومع الوقت، بدأت أشوف شغلي بشكل مختلف، بقيت لما يدخل مريض في حالة عنف أسري

أو محاولة انتحار ما أتعاملش معاه كرقم في تقرير، لكن كقصة كاملة، بقيت أتكلم أكتر، أسمع أكتر، أحاول ألقط الإشارات الصغيرة قبل ما تكبر، يمكن ماقدرش أنقذ كل حد، بس على الأقل أبقى واعي إن تحت أي هدوء ممكن يكون في نار مستخبية.

آخر مرة زرت تومي في السجن كانت بعد سنة تقريبًا، قعد قدامي ورا لوح زجاج، صوته كان أهدى، قال لي إنه بيقرأ كتير، وإنه بيحضر جلسات تأهيل، وإنه فاهم إنه دمر حاجات عمرها ما هترجع زي الأول، سألني إذا كنت مسامحه، السؤال فضل معلق بينا ثواني طويلة، وقلت له الحقيقة من غير تجميل: “لسه بدري على كلمة مسامحة، بس أنا مش عايز أفضل عايش وأنا شايل كره”، شفت في عينه دمعة حاول يداريها، ويمكن دي كانت أول لحظة أحس إن رغم كل حاجة، هو لسه أخويا، إن الدم ما بيتلغيش، حتى لو الثقة اتكسرت.

رجعت بيتي اللي بقى هادي زيادة عن اللزوم، وقعدت في البلكونة أبص على الشارع، لأول مرة من شهور حسيت إني بتنفس طبيعي، مش لأن اللي حصل اتنسى، لكن لأنني قبلته، فهمت إن حياتي مش هترجع زي الأول، بس ده مش معناه إنها خلصت، يمكن اتعلمت بالطريقة الأصعب إن الحب لو مااتحماش بالصدق بيتحول لعبء، وإن الغيرة لو مااتكلمناش عنها بتبقى سُم، وإن أقرب الناس ليك محتاجين وضوح أكتر من ما محتاجين وجود جسدي بس، النهارده وأنا واقف في الطوارئ، لما الأبواب تفتح فجأة ويدخل سريرين جنب بعض، قلبي لسه بيقبض، بس إيدي ما بترتعشش زي زمان، بقيت أقف ثابت، أشتغل، أنقذ اللي أقدر عليه، وأسيب اللي خرج عن إرادتي لعدالة ربنا والوقت، ويمكن ده أكبر درس خرجت بيه من ليلة سمعت فيها اسم مراتي بيتقري كتقرير إسعاف، واتعلمت إن بعض الليالي ما بتعديش، لكنها بتشكّلنا لحد ما

نبقى ناس تانيين خالص.

تم نسخ الرابط