الخمس سنين ميبانوش كتير في حساب الورق، بس في حساب الروح كانوا عمر كامل بيتسحب من عروقي يوم ورا يوم، كنت بعدّ الأيام زي ما المسجون بيعدّ الشخبطات على الحيطة، 1825 يوم وأنا بمسح نفسي بإيدي، بشيل اسمي من على أي حلم، بطفي أي رغبة جوايا عشان أفضل مناسبة لدور الزوجة المثالية، المطيعة، اللي مبتقولش لأ، اللي شايفة إن التضحية شرف، وإن الوجع دليل حب، من ساعة ما حصلت حادثة لوكاس على الطريق الزراعي وسواق سكران خبّط عربيته وخلا الحديد يعجن رجليه ويقسم حياتنا نصين، نص قبل الكرسي المتحرك ونص بعده، هو عاش برجليه الميتة وأنا عشت بروح بتتشل واحدة واحدة، حولت بيتنا لمستشفى صغيرة، اتعلمت أغير قسطرة وأقيس ضغط وأتعامل مع قرح الفراش، كنت بصحى قبل الفجر أعمله شوربة مخصوصة وأطحن الحبوب وأظبط مواعيد العلاج الطبيعي وأبتسم وأنا منهارة، كنت فاكرة إن ده اختبار من ربنا للحب، وإن الصبر هيكافئني في الآخر بكلمة تقدير، بلمسة امتنان، بأي حاجة تحسسني إني مش بس ممرضة مقيمة، لكن في يوم الثلاثاء ده، وأنا شايلة كيس عيش حلو دافي وجايباه مخصوص عشان أفرحه في قسم التأهيل، سمعت ضحكته، الضحكة اللي كانت
زمان بتدفي قلبي بقت سكينة بتشرّحني، كان قاعد في التراس مع صاحبه وبيقول بصوت واضح مليان استمتاع إن مراته عمالة مجانية، إنه مبيدفعش مليم وعنده خدمة فندقية متكاملة ببلاش، بتأكله وتنظفه وتتخانق مع شركات التأمين وتحميه، وإن لما يموت ابنه وأخته هياخدوا كل حاجة عشان دول دمه، أما أنا فمجرد واحدة موجودة وخلاص، كلمة ببلاش رنت في ودني كأنها حكم إعدام، حسيت إني واقفة برا نفسي بتتفرج على الست اللي كنتها وهي بتتكسر من غير صوت، معيطتش، يمكن لأن الدموع كانت أقل بكتير من حجم الإهانة، مشيت في هدوء ورجعت البيت قبله، قعدت في الصالة بصيت حواليّ على كل حاجة اشتريتها بعرقي وصبري، على السرير اللي مكنتش بنام عليه غير ساعات قليلة، على المطبخ اللي ريحته مطهرات أكتر من أكل، وسألت نفسي سؤال واحد بسيط: هو لو أنا عمالة مجانية، ليه أكمّل الشغل؟ لما رجع البيت وسألني بحدة كنتي فين وجبتي العيش، قلت له نسيت، الكلمة نزلت باردة زي التلج، من اللحظة دي قررت إن الست المطيعة تموت فعلاً، بس مش موت درامي، لا، موت هادي ومنظم، ابتديت أخد قرارات صغيرة محدش يلاحظها في الأول، بطلت أعمل أي حاجة زيادة عن
الضروري الطبي اللي يخليه عايش وبس، مفيش تدليل، مفيش لمسة حنان، مفيش جري على طلباته قبل ما يخلص كلامه، سيبته يستنى، يخبط بعصبيته في الحيطان، يخبط بلسانه في الهواء، وكنت كل مرة أبص له بنفس النظرة الباردة اللي شافني بيها وأنا مستخبية ورا العمود، بعد أسبوعين قدمت طلب استشارة قانونية من غير ما يعرف، عرفت إن القانون في صفي، إن الخمس سنين دول مش بس تضحية، دول كمان مشاركة في ملكية وتعب، بدأت أدوّر على شغل أونلاين، رجعت أستخدم شهادتي اللي كانت مركونة في درج، اشتغلت ترجمة في الأول ساعات قليلة بالليل وهو نايم، كنت بحس إني بسرق عمري منه حتة حتة، وكل جنيه يدخل حسابي باسمي كان بيبنيني من جديد، ابنه لما طلب مصروف زيادة قولت له يكلم أبوه، ولما اشتكى لوكاس إن البيت مش زي الأول قولت له إن الخدمة الفندقية غيرت نظامها، ابتدى يتعصب ويهدد ويقول إني اتغيرت، وكنت بهز راسي وأقول أيوه، اتغيرت، بعد شهرين حددت معاد تاني مع المحامي وبدأت إجراءات الطلاق، ولما جاله الإخطار الرسمي كان باصص لي كأني خنته، سألني إزاي أسيبه وهو بالحالة دي، ابتسمت لأول مرة من قلبي وقلت له بنفس نبرته اللي سمعتها
في التراس إني مش ملزمة أشتغل ببلاش طول عمري، وإن العمالة المجانية قررت تستقيل، حاول يعتذر، حاول يقول إنه كان بيهزر، وإنه كان مضغوط، بس كنت خلاص شايفة الحقيقة واضحة، أنا كنت بالنسبة له وظيفة مش شريكة، ولما جه اليوم اللي مشيت فيه فعلاً، سبت له جدول المواعيد الطبية وأرقام الممرضين المدفوعين، وسيبت البيت وهو قاعد على كرسيه يبص لي بصدمة، يمكن لأول مرة يحس بالعجز بجد، مش عجز رجليه لكن عجزه إنه خسر الإنسانة اللي كانت شايلة عنه الدنيا، خرجت من الباب وأنا مش حاسة إني بهرب، بالعكس كنت داخلة على حياتي لأول مرة، اشتغلت أكتر، سافرت في بعثة تدريب قصيرة كنت بحلم بيها، اشتريت برفان جديد عشان أفكر نفسي بريحة غير المطهرات، وفي كل مرة حد يسألني إزاي قدرت آخد القرار ده، كنت أقولهم إن أصعب لحظة مش لحظة المواجهة ولا لحظة الطلاق، أصعب لحظة كانت وأنا واقفة ورا العمود بكيس العيش، اللحظة اللي فهمت فيها إني لو موقفتش نفسي، محدش هيوقف له، وإن الوحش اللي ظهر مكاني مكانش شر، كان كرامة اتأخرت في الظهور خمس سنين كاملة، ومن ساعتها وأنا بوعد نفسي إن عمري ما أكون ببلاش لحد تاني تاني أبداً.