بعد خمس سنين من التضحية

لمحة نيوز

عدّى على خروجي من البيت أول أسبوع وكأني خارجة من غيبوبة طويلة، كنت كل يوم بصحى مفزوعة فاكرة إني نسيت أظبط معاده أو أغير له وضعية جسمه أو أدي له دوا الساعة ستة، وبعدين أفتكر إني خلاص مش مسؤولة، الإحساس كان غريب، مزيج بين راحة بتخوف وذنب قديم بيحاول يرجّعني ورا، كنت بقعد على طرف السرير في الشقة الصغيرة اللي أجّرتها وأبص على إيديّ، الإيدين اللي كانوا دايمًا مشقّقين من المطهرات بقوا أهدى، الجلد بدأ يطيب، ولأول مرة من سنين حطيت كريم عشان نفسي مش عشان أقدر أكمل خدمة حد تاني، الشغل الأونلاين كبر واحدة واحدة، عميلة جابت عميلة، وابتديت آخد مشاريع أكبر، كنت بقعد بالساعات قدام اللابتوب ومبسوطة، تعبانة آه، بس تعبي لنفسي، كل سطر بترجمه كان بيحسّسني إني برجع أتعرف على ماريان اللي ضاعت وسط الأجهزة الطبية وريحة الكحول، وفي يوم جالي اتصال من رقم غريب، كان هو، صوته المرة دي مكنش فيه حدة ولا استعلاء، كان فيه ارتباك، قال لي إن

الممرضة الجديدة مش فاهمة عليه زيي وإنه محتاجني أعدّي أشرح لها شوية حاجات، سكت لحظة يمكن مستني ألين، بس أنا كنت هادية جدًا وقلت له إن أي استشارة لها أجر بالساعة، وسعر الساعة بعتّه له في رسالة، سكت هو المرة دي، يمكن لأول مرة يفهم إن كل حاجة ليها تمن، مقالش حاجة وقفّل، وبعدها بأيام سمعت من حد مشترك إن ابنه بدأ يضايق من المصاريف الجديدة وإن البيت مبقاش سهل زي الأول، حسيت بحاجة جوايا بينتصر، مش شماتة، لكن عدل، العدل اللي اتأخر خمس سنين، الإجراءات القانونية كانت ماشية، وكل جلسة كنت بدخلها رافعة راسي، لما المحامي بتاعه حاول يلعب على وتر إنه محتاجني وإن ده واجب إنساني، قلت للقاضي بهدوء إن الإنسانية مش معناها إلغاء نفسي، وإن الرعاية ممكن تتوفّر بفلوس، لكن الكرامة لما تتكسر مبتترقّعش بسهولة، الكلمة دي فضلت ترن في القاعة، وبعد شهور طويلة صدر الحكم بتقسيم عادل للممتلكات، نصيبي مكنش بس فلوس، كان اعتراف رسمي إن تعبي ليه قيمة،
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الخمس سنين متباعتش ببلاش زي ما كان فاكر، اشتريت مكتب صغير وحطيته قدام الشباك، كل ما الشمس تدخل عليه أفتكر إني زمان كنت بقفل الشيش عشان هو ميضايقش من النور، دلوقتي النور ليّ أنا، سافرت أول رحلة لوحدي لمدينة بحرية كنت بحلم أشوفها، وقفت قدام البحر وسألت نفسي سؤال بسيط: لو رجع بيا الزمن كنت هعمل إيه؟ يمكن كنت هحب برضه، يمكن كنت هقف جنبه وقت الحادثة، بس أول ما أسمع كلمة تقلّل مني كنت همشي، لأني اتعلمت إن الحب مش إذلال، وإن التضحية لازم يكون لها حد، في الرحلة دي كتبت أول مقال باسمي عن تجربة مقدمي الرعاية اللي بيضيعوا نفسهم وهم فاكرين إن ده الصح، المقال انتشر وجالي رسائل من ستات ورجالة بيقولوا إنهم شافوا نفسهم في حكايتي، ساعتها حسيت إن الوجع اللي عيشته بقى له معنى، بعد سنة تقريبًا شفته صدفة في مركز تجاري، كان مع ممرضة شابة بتدفع الكرسي بتاعه، عينه جت في عيني للحظة، حاول يبتسم ابتسامة خفيفة،
يمكن ندم، يمكن حنين، يمكن مجرد إحراج، وأنا ابتسمت ابتسامة هادية من غير كراهية، لأن الحقيقة إني معدتش شايلة له غضب، اللي مات يومها ورا العمود كان الخوف مش الحب، وأنا النهارده أقوى من إني أكره، كملت طريقي وهو فضل مكانه، ولما رجعت البيت اللي بقى بيتي أنا، فتحت الشباك وسيبت الهوا يدخل، وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي، مشفتش وحش زي ما كنت متخيلة، شفت ست اتعلمت درس قاسي بس خرجت منه واقفة على رجليها، ست عرفت إن قيمتها مش في قد إيه بتخدم غيرها لكن في قد إيه بتحترم نفسها، ومن يومها وأنا كل ما أسمع حد يقول كلمة ببلاش أبتسم وأفتكر إن أغلى حاجة في الدنيا هي إنك تبقى مش ببلاش، إنك تختار نفسك من غير ما تعتذر، وإن الست اللي كانت بتخاف تتكلم بقت دلوقتي صوتها عالي وواضح، ولو حد سألني تاني الوحش عمل إيه، هقول له الوحش أنقذ حياتي، لأنه علّمني إن الرحمة لازم تبدأ من نفسي قبل أي حد، وإن اللي يستخسر فيا كلمة تقدير ميستاهلش مني عمر كامل.

تم نسخ الرابط