فيه أيام بتبدأ عادية جدًا، بس بتكون كفاية إنها تقلب حياة البني آدم شقلباظ، "آنيا" ست في التلاتينيات عايشة في بيت صغير على أطراف مدينة "لكنو" مع جوزها وابنها لسه فاكرة الصبح ده كأنه حصل مبارح جوزها "راكيش" كان ماسك إيد ابنهم "آراف" اللي عنده 6 سنين وهما خارجين من الباب قال لها "هوديه المدرسة، وأعدي شوية على موقع الإنشاءات، وهرجع على الضهر" صوته كان هادي، مفيش أي حاجة غريبة "آراف" الطفل الذكي اللي ضحكته مابتفارقش وشه كان لابس شنطته الزرقاء القديمة وعمال يلوح بإيده لمامته وهو بيودعها الباب اتقفل صوت موتوسيكل "راكيش" القديم بدأ يبعد بالتدريج في الحارة "آنيا" رجعت المطبخ تحضر الفطار وهي بتفكر في شغلها اللي مستنيها في المكتب مجرد صباح عادي جدًا لكن الكارثة بدأت لما الضهر جه و"راكيش" مرجعش وعلى العصر مدرسة الفصل كلمتها "يا مدام، آراف مجاش المدرسة النهاردة هو غايب؟" "آنيا" اتسمرت مكانها جسمها كله تلج كلمت جوزها مبيتردش جريت في الشارع
زي المجنونة من البيت للمدرسة سألت كل الناس محدش شافهم وعلى المغرب الناس لقوا الموتوسيكل القديم مركون على جنب الطريق والمفاتيح لسه فيه بس مفيش أي أثر للأب ولا للابن البوليس دور والأهل قلبوا الدنيا بس "راكيش" و"آراف" كأن الأرض انشقت وبلعتهم الإشاعات بدأت تنهش في قلب "آنيا" تلاقيه هرب بالولد ممكن يكون هرب عشان الديون اللي عليه "آنيا" مكنتش مصدقة "راكيش" كان راجل غلبان وطيب شغال عامل بنا عشان يستر بيته وكان بيعشق ابنه أكتر من أي حاجة في الدنيا لكن الوقت مر والإشاعات ماتت وملف القضية اتقفل ومفضلش غير ست وحيدة عايشة في فراغ قاتل عشر سنين وقت طويل كفاية إنه يقتل أي أمل "آنيا" اتعلمت تعيش مع الوجع كل ما تسمع طفل بينده "ماما" كانت بتتخض وتلف وشها بس مكنتش بتلاقي حد وفي يوم مطر في مدينة "لكنو" "آنيا" رجعت من السوق لقت "ظرف أصفر" محطوط على الترابيزة الخشب اللي جنب الباب مكنش مكتوب عليه اسم الراسل بس الخط كان معروف خط "راكيش" إيدها اترعشت
وهي بتفتح الظرف لقت جواه كام ورقة قديمة ريحتهم "كمكمة" وبخط إيد جوزها "آنيا لو بتقري الكلام ده يبقى الأوان فات خلاص أنا آسف إني خدت ابننا اليوم ده من غير ما أقولك أنا مهربتش ولا خنتك أنا عملت كدة عشان..." الدمع نزل من عيونها وهي بتقرأ الكلمات اللي كانت كافية تقطع قلبها وتهزه من جوه الورق لقت التفاصيل كلها مكتوبة بخط رفيع ومرتب "آراف كان مريض جدًا وقتها وكان فيه دكتور متخصص مش متوفر غير في مدينة بعيدة، وكنت خايف لو أخدناه سوا حد يلاحظنا الحكومة أو الشرطة ممكن تمنع العلاج وكنت خايف أضيعكِ من حياتك وقلبي مش قادر على فكرة فقدك" قلب "آنيا" اتفتفت مية حتة بس مفيش خيار غير إنها تكمل القراءة الورق الثاني كان فيه خريطة صغيرة ومواعيد وحقن و أدوية مكتوبة بدقة "كنت بس محتاج أدي ابننا فرصة يعيش، كنت محتاج أخلي العشر سنين دول تكفيه إنه يتعالج وبعدين نرجع لبعض" كل كلمة كانت بتجلد قلبها لكنها بنفس الوقت فتحت باب صغير للأمل القديم اللي مات
"راكيش" كتب كمان: "آراف اتشاف تمام دلوقتي وعنده 16 سنة، أنا عايزك تعرفي إنه كويس ومبسوط وبصحة كويسة وبستنى اليوم اللي نرجع نتلاقى فيه أنا عارف إني جرحتك وحرمتك من ابنك وعشر سنين عمرنا ضاعت لكن كل ده كان عشان حياتهم ومصلحتهم" "آنيا" قعدت على الكرسي والدموع سايبة وشها وإيدها على الظرف كانت حاسة بكل ثانية ضاعت ودهست قلبها لكن مع أول نفس جديد بعد عشر سنين حسيت بشوية سلام رغم الألم كانت عارفة إن حياتها هتتغير ومش هتكون زي الأول ومش هتقدر تنسى السنين اللي ضاعت لكنها كمان حسيت بأمل غريب جواها على قد ما القلب اتكسر على قد ما جواها شعور إن الحب الحقيقي للطفل ممكن يخلي أي أب يعمل المستحيل حتى لو معناه التضحية بأيامه كلها و"آنيا" عرفت إن الصبر والفرح والدموع كلهم جزء من القصة اللي عمرها عشر سنين بس نهايتها أخيرًا بدأت تظهر.
بعد ما "آنيا" قعدت شوية على الكرسي والظرف في إيدها، قلبها كان لسه بيتحرك بين الألم والدهشة، لكنها حسّت لأول مرة