كان بيزور قبر بنته كل سنة في صمت من غير ما حد يعرف إن اليوم ده بالنسبة له كان أثقل من أي يوم في السنة أثقل حتى من اليوم اللي دفنها فيه لأن الدفن بيبقى فيه ناس حواليك تعاز وأصوات ودموع مشتركة لكن الزيارة السنوية كانت مواجهة فردية بينه وبين الفراغ. الصبح ده كان فيه حاجة غريبة حاجة ما قدرش يسميها يمكن كانت الرعشة اللي جريت في ضهره أول ما عدى من البوابات الحديد لمقبرة إيفرجرين يمكن كانت الرياح الباردة اللي عدت بين الشواهد كأنها بتهمس بأسماء أصحابها. أدريان ويتمان عدل معطفه الصوف ومشي في طريقه المعتاد اللي حفظه عن ظهر قلب سبع صفوف مستقيمة بعدهم شجرة بلوط عجوز بعدها شاهد رخامي أبيض محفور عليه اسم بنته الوحيدة أوليفيا ويتمان. بقاله خمس سنين ماشي على نفس النظام يوصل الساعة تسعة الصبح بالدقيقة يقف في صمت يولع شمعة يحط باقة زهور بيضا ويمشي من غير ولا كلمة لا بيعيط ولا بيتكلم عنها ولو حد جاب سيرتها بيغير الموضوع ببرود المديرين اللي اتعودوا يخفوا ضعفهم ورا جداول أعمالهم. الحزن عند أدريان بقى عادة منظمة حزن بلا صوت بلا فوضى بلا اعتراف كأنه لو سيطر عليه بالأرقام
والمواعيد يقدر يمنعه من إنه ينهشه. الصمت كان طريقته الوحيدة عشان يفضل عايش عشان يقدر يكمل شغله ويرد على الإيميلات ويقابل الناس من غير ما يحس إن فيه حفرة مفتوحة في صدره. بس الصبح ده رجليه وقفت قبل ما يوصل للقبر بخطوات وقف فجأة كأنه خبط في حائط غير مرئي لأن فيه طفل صغير كان نايم فوق الرخامة البيضاء متكوم على نفسه كأن القبر ده هو المكان الوحيد الآمن في الكون لابس بطانية خفيفة ومقطعة وجزمه قديمة وصغيرة جدا على رجليه والرياح كانت بتلطش في جسمه الضعيف وهو مكنش بيتحرك. صدر أدريان انقبض بقوة قلبه اللي كان متجمد بقاله سنين دق دقة مفزعة وجري عليه وهو مش فاهم إيه اللي بيحصل خوفه كان خليط بين غضب وقلق وشيء أعمق من الاتنين ولما قرب سمع الولد وهو نايم بينطق بصوت مهزوز آسف يا ماما.. أنا بردان أوي بس مش هسيبك. الكلمة الأخيرة كسرت فيه حاجة قديمة كلمة ماما خارجة من طفل نايم على قبر بنته. مد إيده عشان يصحي الولد لكن عينه وقعت على الحاجة اللي الطفل كان حاضنها بقوة بين إيديه وهو نايم دبدوب صغير قديم فروه باهت وودانه مخيطة بخيط أزرق دبدوب أدريان يعرفه كويس أوي ده كان
الدبدوب المفضل ل أوليفيا اللي كانت بتسميه بيني واللي كان مفروض إنه اندفن معاها في القبر يوم ما قالوا له إن ده آخر طلب ليها. إيده ارتعشت وهو بيبص على الدبدوب عقله حاول يلاقي تفسير منطقي سرقة نبش قبر مزحة قاسية لكن قبل ما يكمل الفكرة الولد فتح عينيه ببطء عيون واسعة بلون عسلي دافي نفس اللون اللي كان بيخليه ينسى تعبه أول ما أوليفيا كانت تضحك له وهي صغيرة. نفس النظرة نفس اللمعة اللي فيها خوف وشجاعة في نفس الوقت. الولد قام وهو مخضوض بدأ يلم حاجته بسرعة كأنه متعود يجري قبل ما حد يزعق له وقال بصوت واطي أنا آسف يا عمو.. أنا بس كنت محتاج أحس بدفاها.. هي قالت لي إنها هتفضل هنا دايما تحميني. صوت أدريان طلع مخنوق لأول مرة من سنين إنت مين والدبدوب ده معاك منين الولد نزل عينه في الأرض وقال بعد تردد طويل أنا اسمي سام.. أنا ابني أوليفيا.. هي مكنتش بنتك بس دي كانت أمي بالتبني في الملجأ قبل ما تتعب وتسبني.. كانت بتيجي كل أسبوع تقعد معايا بالساعات تقرالي وتحكيلي وتقول لي إن ليا مكان في الدنيا حتى لو مش عارفه فين.. يوم ما كانت تعبانة أوي جابتلي الدبدوب ده وقالت لي ده
كان بتاعي زمان بس دلوقتي بقى بتاعك ولو ضاقت بيك الدنيا روح استخبى في حضني.. وأنا ملقيتش حضن ليها غير هنا. الدنيا لفت حوالين أدريان هو كان فاكر إنه يعرف بنته فاكر إنه كان قريب منها لكنه ما كانش يعرف إنها كانت بتروح ملجأ ما كانش يعرف إنها كانت شايلة هم طفل تاني ما كانش يعرف إنها كانت بتدي من قلبها لحد تاني في الوقت اللي هو كان مشغول فيه باجتماعاته وصفقاته. افتكر أيامها الأخيرة تعبها الغامض اللي كان فاكره ضغط شغل ابتسامتها الهادية وهي بتقول له أنا كويسة يا بابا إصرارها إنها تخرج لوحدها أحيانا يمكن كانت رايحة له للولد اللي واقف قدامه دلوقتي. سأل بصوت أهدى إنت بتنام هنا بقالك قد إيه سام هز كتفه وقال من شوية.. من لما الست اللي كانت بتشغلني في المطعم طردتني.. أنا كنت بمسح الأرضيات وآكل بواقي الأكل.. بس لما المطعم قفل قالتلي أمشي.. وأنا ملقيتش مكان أروحله غير هنا. كلمة بتشغلني ضربت أدريان في صدره طفل في سن ده يتشغل ويتطرد وينام في مقبرة وبنته كانت شايفاه ابنها شايفاه حياة تستاهل تتحضن. في اللحظة دي الصندوق اللي قفل فيه مشاعره انفجر مش بانهيار هستيري لكن