أنا وليلى كنا حكاية بدأت من على دكة خشب في فناء المدرسة الإعدادي، كنت ببص عليها وهي بتضحك مع صحابها وأقول لنفسي إن البنت دي هتكون مراتي في يوم من الأيام، كبرنا سوا، دخلنا نفس الكلية، عدّينا بسنين مذاكرة وضحك وخناق بسيط على الغيرة وسوء الفهم، واتجوزنا بعد التخرج على طول، شقة صغيرة مفروشة على قد الحال لكن مليانة دفء، ١١ سنة عدّوا كأنهم يوم، كنا بنتخانق على حاجات تافهة ونرجع نتصالح قبل ما ننام، كانت بتحب التفاح بشكل غريب، تقعد تختار كل واحدة بإيدها كأنها بتختار لؤلؤ، وفي عيد جوازنا الخامس أخدتها رحلة قصيرة للقاهرة القديمة ولفّينا في واشتريت لها سلسلة فضة بفص أخضر صغير في النص، ضحكت وقالتلي إن لونها شبه عينيها لما بتعيط، ومن يومها ما كانتش بتخلعها أبداً، لحد اليوم اللي حياتي اتقسمت فيه نصين، جالي تليفون من القسم وقالوا إن في حادثة كبيرة على طريق وإن اسم مراتي في الرخصة اللي لقوها في عربية متحطمة، وصلت هناك وأنا حاسس إن قلبي بيقع مني، لقيت العربية مدمرة فعلاً بس مفيش جثة، مفيش دم، مفيش أي حد، وعلى الكرسي اللي جنب السواق ورقة مكتوب فيها بخطها أتمنى تسامحني في يوم من الأيام، فضلت ماسك الورقة دي مش فاهم أسامحها على إيه، الضباط قالوا إن العربية كانت فاضية لما وصلوا، دورت عليها في كل حتة، المستشفيات، المشرحة، سألت أي
حد ممكن يكون شافها، علّقت صورها في الشوارع، سافرت محافظات تانية عشان إشاعة إن واحدة شبهها اتشوفت هناك، الشهور بقت سنين، والسنين بقت عشرين سنة، أهلي وأهلها قالولي أعتبرها ماتت وابدأ حياتي، بس أنا ما قدرتش، كنت برجع البيت كل ليلة وأقعد أبص لصورتها وأفتكر ضحكتها وصوتها وهي بتناديني، عمري ما فكرت أتجوز تاني، كان جوايا إحساس إنها عايشة في مكان ما حتى لو ما عنديش دليل، الأسبوع اللي فات سافرت أزور أخويا وأغير جو يمكن أهرب من الذكريات، دخلت سوبر ماركت قريب من بيته أجيب شوية حاجات، وأنا باختار فاكهة لمحت بنت حوالي ١٨ سنة واقفة قدامي بتركز أوي وهي بتنقي تفاح، نفس الطريقة، نفس اللمسة الخفيفة قبل ما تحط التفاحة في الكيس، ابتسمت من غير ما أحس وافتكرت ليلى، وفجأة عيني وقعت على السلسلة اللي في رقبتها، سلسلة فضة بفص أخضر صغير في النص، نفس الخدش اللي جنب الفص، نفس كل تفصيلة، جسمي كله اترعش، حسيت إني واقف قدام شبح من الماضي، قربت منها وسألتها بهدوء عن السلسلة، لمستها بحنان وقالت إنها بتاعة أمها الله يرحمها، حسيت الأرض بتميد بيا، سألتها اسم ماما إيه، قالت ليلى، الدنيا سكتت في وداني، سألتها عن اسم باباها فقالت إنها ما تعرفوش وإن مامتها عمرها ما اتكلمت عنه، قالت إن أمها ماتت من سنة بعد صراع مع المرض وإنهم كانوا عايشين في محافظة
بعيدة عن هنا طول عمرها، قعدت على أقرب كرسي لأني حسيت إني هقع، سألتها بهدوء لو ممكن أحكي لها حاجة غريبة شوية، ووريتها صورة قديمة في موبايلي ليا وليلى في أول جوازنا، البنت بصت للصورة ووشها شحب وقالت إن دي فعلاً مامتها وهي صغيرة في الصورة اللي عندهم في البيت شبهها جداً، سألتها عن تاريخ ميلادها، حسبتها في دماغي وقلبي بيدق، طلعت مولودة بعد اختفاء ليلى بحوالي تسعة شهور، دماغي بدأت تركب أجزاء الصورة، الورقة اللي قالت فيها أتمنى تسامحني، اختفاؤها الغامض، عدم وجود جثة، فهمت فجأة إن ليلى ما ماتتش، ليلى هربت، يمكن كانت حامل وخافت، يمكن حسّت إنها مش قادرة تكمل حياتها معايا لسبب عمرها ما قدرت تقوله، يمكن كانت شايفة نفسها بتغرق في حاجة وأنا مش واخد بالي، سألت البنت لو تسمح لي أقعد معاها شوية وأسمع حكايتها، حكتلي إن أمها كانت دايماً حزينة شوية بس حنينة أوي، وإنها عمرها ما اتجوزت بعد ما خلفتها، وإنها كانت بتقول لها إن أبوها راجل طيب جداً بس الظروف فرّقتهم، وإنها غلطت في حقه ومش عارفة تواجهه، دموعي نزلت من غير ما أحس، سألتها لو عندها أي ورق قديم أو صور تانية، قالت إن في صندوق خشب عندهم فيه رسائل وصور، اتفقنا أزورها تاني يوم في بيتهم اللي كانوا ساكنين فيه قبل ما تبيع الشقة بعد وفاة أمها، لما دخلت البيت حسيت بريحة ليلى في المكان،
ريحة عطرها القديم اللي كنت بجيبه لها، فتحت البنت الصندوق وطلعت صور لليلى وهي حامل، وصور ليها وهي طفلة، وفي قاع الصندوق لقيت ظرف باسمي بخط ليلى، إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه، كتبت فيه إنها اكتشفت بعد سنين جوازنا إنها حامل وإنها كانت عايزة تفاجئني، لكن في نفس الفترة كانت بتعاني من خوف شديد واكتئاب ما قدرتش تحكيلي عنه، وإنها حسّت إنها مش قادرة تبقى أم كويسة وإنها كانت محتاجة تبدأ من جديد بعيد عن أي ضغط أو توقعات، اعترفت إنها كانت أنانية وإنها عملت حادثة مدبرة عشان تختفي وتحميني من البحث عنها، وإنها كانت بتتمنى في يوم أعيش حياتي وأنساها، وإنها طول عمرها كانت عايزة ترجع بس الخجل والخوف كانوا أكبر منها، قالت إنها علمت بنتها إني راجل طيب حتى لو ما ذكرتش اسمي، وإنها بتتمنى أسامحها، قعدت أبكي وأنا بقرأ، كل الغضب اللي كنت ممكن أحسه اختفى وبقي مكانه حزن عميق على سنين ضاعت بينا، بصيت للبنت اللي قاعدة قدامي وشفت فيها ملامح ليلى، نفس الضحكة ونفس طريقة رفع الحاجب لما تحتار، قلت لها الحقيقة كاملة بهدوء، إنها بنتي، وإن أمها كانت مراتي، وإن عمري ما بطلت أحبها رغم اللي حصل، البنت سكتت شوية وبعدين دموعها نزلت وقالت إنها كانت دايماً حاسة إن في جزء ناقص في حياتها، وهي بترتعش، حسيت إن العشرين سنة دول ما ضاعوش بالكامل، صحيح خسرت