ليلى وما لحقتش أودعها أو أعاتبها، لكن ربنا رجعلي جزء منها في صورة بنتنا، خرجت من البيت وأنا ماسك إيدها، مش عارف المستقبل مخبي إيه، بس لأول مرة من يوم الحادثة حسيت إن قلبي مش فاضي، حسيت إن الغفران مش بس لليلى، لكن لنفسي كمان، وإن الحكاية اللي افتكرتها انتهت من عشرين سنة لسه كان ليها فصل أخير مستنيني في سوبر ماركت بين تفاح أخضر وسلسلة فضة بفص صغير بيلمع تحت نور سقف بارد.
رجعت من الإسكندرية وأنا مش نفس الشخص اللي سافر، كنت راجع ومعايا بنتي، كلمة بنتي نفسها كانت تقيلة على لساني في الأول كأني بتعلمها من جديد، بس كل ما كنت أبص لها وهي قاعدة جنبي في القطر وأشوف نفس التفاتة ليلى لما تبص من الشباك، كنت بحس إن القدر بيرتب حاجة أكبر من قدرتي على الفهم، الطريق كان طويل بين الإسكندرية والقاهرة، لكن المسافة الحقيقية كانت العشرين سنة اللي ضاعوا بينا، سألتها عن اسمها فقالت هنا، اسم بسيط لكن وقعه عليا كان كبير، ليلى عمرها ما قالتلي إنها بتحب الاسم ده، يمكن كانت شايفاه في خيالها لطفلة جاية في يوم من الأيام، قعدنا نحكي طول الطريق، حكتلي عن طفولتها، عن مدرسة كانت بتروحها في حي هادي، عن أمها اللي كانت دايماً تخبي حزنها ورا ابتسامة، عن ليالي كانت تصحى فيها تلاقيها قاعدة تبص في صورة قديمة وتعيط من غير صوت، قالتلي
إنها كانت فاكرة إن أبوها مات، وإن أمها كانت دايماً تقول أبوكي راجل طيب، بس أنا اللي بعدت، الكلمة دي فضلت ترن في وداني، أنا اللي بعدت، مش الظروف ولا حادثة، هي اللي اختارت تمشي، بس وأنا سامع تفاصيل أكتر عن حالتها النفسية بعد الحمل، وعن خوفها المرضي من إنها تبقى مسؤولة عن روح تانية، بدأت أشوف الصورة كاملة، يمكن أنا كمان كنت مشغول بالشغل وبمحاولتي أبني بيت مثالي، وما خدتش بالي من القلق اللي كان بيكبر جواها يوم بعد يوم، لما وصلنا القاهرة أخدتها على بيتي، البيت اللي فضلت عايش فيه لوحدي عشرين سنة، أول ما دخلت وقفت قدام صورة كبيرة لليلى على الحيطة، هنا قربت منها وبصت للصورة طويلاً، لمست الإطار بإيد مرتعشة وقالت بهمس وحشتني، اللحظة دي كانت مؤلمة وجميلة في نفس الوقت، لأول مرة أحس إن حزني مش لوحدي، في حد تاني شايله معايا، قعدنا بالساعات نفتّح ألبومات الصور، كنت بحكيلها عن أول مرة شفت أمها في المدرسة، وعن فرحنا الصغير، وعن الرحلة اللي اشترينا فيها السلسلة من خان الخليلي، كانت بتسمع بعينين مليانين دهشة، كأنها بتتعرف على أمها من جديد من خلالي، وفي نص الكلام سألتني سؤال وجعني عمرك كرهتها؟، سكت شوية وفكرت، قلت لها إن في لحظات كتير كنت تايه وغضبان ومكسور، بس عمري ما قدرت أكرهها، الحب اللي عاش جوه قلبي لها كان
أكبر من الغضب، ويمكن ده اللي مخليني عشت كل السنين دي مستني ولو خبر صغير عنها، هنا بدأت تزورني كل أسبوع، وفي خلال شهور قليلة بقت حياتي تتغير، البيت اللي كان ساكت طول الوقت بقى فيه ضحك وحركة، بقى في حد بيطلب مني أعمل شاي وبيقولي رأيي في لبسها قبل ما تخرج، بقى في حياة بتدب في الأوضة اللي كانت مقفولة، أوضة ليلى اللي عمري ما قدرت ألمس حاجتها، في يوم قلت لهنا إننا لازم نزور قبر أمها سوا، سافرنا للمحافظة اللي اتدفنت فيها، وقفت قدام شاهد القبر وقلبي بيدق بهدوء المرة دي مش بعنف، قريت الفاتحة، وقلت بصوت مسموع إني سامحتها، سامحتها على اختفائها، على سنين الوجع، على إني ما لحقتش أعيش مع بنتي طفولتها، حسيت براحة غريبة بتنزل على صدري كأني بشيل حجر تقيل بقاله عشرين سنة، هنا مسكت إيدي وقالت أنا موجودة، الكلمة دي كانت كفاية تعوض جزء كبير من اللي فات، بعد الزيارة دي بدأنا نفكر في المستقبل مش الماضي، نقلت هنا شغلها للقاهرة، وبدأت تكمل دراستها جنب بيتي، كنا بنتعلم بعض من الأول، أنا أتعلم أبقى أب بعد ما فاتتني كل المراحل، وهي تتعلم تثق في وجود أب فجأة ظهر في حياتها، كان في لحظات صعبة، لحظات كانت تسأل فيها نفسها ليه أمها عملت كده، وليه ما رجعتش حتى في آخر أيامها، وكنت ساعات بسأل نفسي نفس السؤال، لكننا كنا دايماً
نرجع لنقطة واحدة، إن الماضي مش هيتغير، وإن اللي قدامنا هو اللي يستاهل نعيشه، في يوم وهي بتنضف درج قديم في أوضة ليلى لقت مفكرة صغيرة ما كنتش شفتها قبل كده، كانت ليلى كاتبة فيها خواطر عن الحمل، عن خوفها، عن إحساسها إنها تايهة ومحتاجة مساعدة ومش عارفة تطلبها، قريت الصفحات دي وهنا جنبي، وكل سطر كان بيأكد إن اختفائها كان هروب إنسانة ضعيفة مش خيانة ولا كره، كانت بتحاول تحمي نفسها بطريقتها الغلط، ويمكن كانت فاكرة إنها بتحميني أنا كمان، بعد سنة من رجوع هنا في حياتي احتفلنا بعيد ميلادها مع بعض، جابت تورتة بالتفاح عشان عارفة إنه كان الفاكهة المفضلة لأمها، وضحكنا وإحنا بنفتكر قد إيه التفاصيل الصغيرة بتفضل عايشة حتى بعد ما الناس تمشي، في اللحظة دي فهمت إن القصة ما كانتش عن اختفاء زوجة بس، كانت عن ضياع واستعادة، عن حب اتكسر ورجع يتشكل في صورة جديدة، يمكن ليلى ما رجعتش، ويمكن عمري ما عرفت ليه ما حاولتش تتواصل معايا حتى برسالة، لكن وجود هنا في حياتي خلاني أصدق إن ربنا بيعوض بطريقته، وإن السلسلة الفضية بفصها الأخضر ما كانتش مجرد قطعة حلي، كانت خيط رفيع رابط بين ماضي اندفن وحاضر بيتبني، وكل ما أشوفها في رقبة بنتي ألمح في لمعانها وعد صامت إن اللي اتفكك من سنين ممكن يتجمع تاني، مش بنفس الشكل، لكن بشكل
يكفينا
نكمل.