ليلة كشف المستور

لمحة نيوز

دخلت بيت بنتي فجأة.. ولقيت اللي يخلي الدم يغلي في العروق! أنا اسمي سعاد، ست بسيطة عشت عمري كله أشتغل وأتعب عشان أربي بنتي الوحيدة نورا بعد ما أبوها مات وسابها عندها سبع سنين، كنت لها الأم والأب والصاحب، كنت بخاف عليها من الهوا، ولما كبرت واتقدملها عصام كنت بدعي ربنا يكتبلها الخير، كان باين عليه ابن ناس ولبس شيك وكلامه معسول، وأمه الحاجة نوال ست شكلها متدين وبتتكلم عن الأصول والواجب، وافقت وأنا قلبي مطمن نص طمأنينة ونص قلق، بس قلت دي سنة الحياة والبنت لازم تبني بيتها، من يوم فرحها وأنا بحاول ما أتدخلش، أسيبها تعيش حياتها وتتعلم بطريقتها، كانت كل ما أكلمها تقول لي أنا كويسة يا ماما متقلقيش، بس صوتها كان فيه حاجة بتتهرب، ضحكتها قصيرة ومش طالعة من قلبها، وكنت أقول يمكن مسئولية وجواز جديد، لحد اليوم ده، اليوم اللي صحيت فيه مفزوعة من غير سبب واضح، قلبي بيدق جامد كأن حد بينادي عليا، مسكت تليفوني أكلمها وبعدين غيرت رأيي، قلت أروح لها فجأة أشوفها وأحضنها، وصلت العمارة وطلعت بالمفتاح الاحتياطي اللي كانت مدياهولي من سنين وقالت لي خليّه معاكي يا ماما عشان أطمن، أول ما فتحت الباب لفحني برد غريب، الشقة ساقعة كأن الشتا داخلها ومفيش تدفئة، صوت مية جاي من المطبخ، مشيت على أطراف صوابعي ووقفت عند الباب، لقيت بنتي واقفة قدام الحوض بتغسل جبل مواعين، لابسة بلوفر خفيف وكتافها مضمومة على نفسها، إيديها حمراء من المية

الباردة، وشها شاحب وعنيها غرقانة، وعلى السفرة قدامها عصام وأمه قاعدين قدام أكل سخن وبيضحكوا، الحاجة نوال زقت الطبق وقالت له يا ابني قول لها تجيب الحلو، عصام قام شال الطبق وزعق بصوت عالي يخض الحجر سيبي اللي في إيدك ده وهاتي أكل تاني خلصي، بنتي اتنفضت وقالت حاضر حالا، الكلمة خرجت منها مكسورة، في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت، ده مش بيت ده سجن، الحاجة نوال بصت لي وابتسمت ابتسامة صفرا وقالت يا أهلا يا سعاد من غير ما تكلمي يعني، أنا مردتش، عيني كانت على معصم نورا، لما مدت إيدها تقفل المية شفت علامة رفيعة دايرة حوالين معصمها، زي أثر مسكة جامدة أو سلك متشد، قلبي وقع في رجلي، قربت منها وقلت لها إيه ده يا نورا، قالت بسرعة ولا حاجة خبطت في الباب، بصت لي بنظرة استغاثة سريعة واستخبت، هنا فهمت إن الموضوع أكبر من طبق أكل وصوت عالي، قلت بهدوء مصطنع عصام لو سمحت تعال عايزاك كلمتين، رد باستخفاف خير يا طنط، قولت له خير إيه اللي يخلي بنتي تلبس خفيف في البرد وتغسل وإنتوا قاعدين تاكلوا، ضحك وقال دي ست بيت وبتتعلم، الحاجة نوال دخلت في الكلام وقالت البنت لازم تتربى على إيد جوزها، الكلمة دي كانت زي النار، قربت من نورا ورفعت كمها غصب عنها، لقيت أكتر من علامة، مش خبطة واحدة، علامات متفرقة قديمة وحديثة، مسكت إيدها وبصيت في عينيها وقولت لها بصراحة بيضربك، سكتت ثانيتين وبعدين دموعها نزلت من غير صوت، هنا الدم غلي في
عروقي بجد، مسكت تليفوني واتصلت مكالمة واحدة بس، قلت له تعالى حالا، في أقل من ربع ساعة كان واقف قدام باب الشقة، الراجل اللي الناس كلها بتترعب منه في المنطقة، أخويا الكبير حمدي، راجل صوته لو عليّ في شارع كله يسكت، دخل الصالة من غير ما يستأذن، بص لعصام وقال له إنت اللي بتمد إيدك على بنت أختي، عصام حاول يتكلم بس صوته خانُه، الحاجة نوال قالت إحنا بنربيها بس، حمدي قرب خطوة وقال التربية مش بالضرب ولا بالإهانة، أنا واقفة جنب نورا حاسة لأول مرة إنها مش لوحدها، حمدي قال بصوت هادي مخيف من النهارده مفيش حد يزعق لها ولا يلمسها، ولو حصل أنا مش هاجي أكلم، أنا هتصرف بطريقتي، وبعدين بص لنورا وقال لها عايزة ترجعي معانا دلوقتي، نورا بصت لعصام، كان مستنيها تخاف وتقول لأ، لكن المرة دي رفعت راسها وقالت أيوه عايزة أرجع، مسكت هدومها في شنطة صغيرة وأنا واقفة سند لها، الحاجة نوال كانت بتزعق وتقوله هتخرب بيتك يا بنتي، عصام كان ساكت ومصفر، لما خرجنا من الشقة حسيت كأن حمل جبل اتشال من على صدري، رجعت نورا معايا البيت، أول ليلة نامت فيها على سريرها القديم كانت بترتعش من أي صوت، كل شوية تصحى مفزوعة، قعدت جنبها مسكة إيدها لحد ما نامت، تاني يوم روحنا لدكتور كشف عليها وقال إن فيه كدمات قديمة وحديثة، ساعتها عرفت إن الموضوع مش مرة غضب، ده كان مسلسل إهانة، أخويا قال لازم تاخدي حقك بالقانون، نورا كانت خايفة من كلام الناس، قلت لها الناس
مش هتعيش مكانك ولا تحس بوجعك، المهم إنتي تعيشي بكرامة، قدمنا شكوى، وعصام لما لقى إن الموضوع جد وإن وراها عيلة مش هتسيب حقها، حاول يعتذر ويصالح، بعت ناس كبيرة، قال كان بيغلط وهي عصبتني، بس أنا كنت شايفة بنتي وهي بتصحى مفزوعة، كنت شايفة العلامات على إيدها، قلت له الكلمة اللي بتوجع أكتر من الضرب، والإهانة بتموت القلب، نورا خدت قرارها وطلبت الطلاق، مش بسهولة، حاولوا يضغطوا عليها ويرجعوها بأي طريقة، بس المرة دي كانت واقفة على أرض صلبة، وراها أمها وخالها وحقها، بعد شهور خلص كل شيء رسمي، نورا رجعت تبتسم واحدة واحدة، راحت كورس كانت بتحبه زمان، بدأت تشتغل شغلانة صغيرة من البيت، كل ما أشوفها واقفة في المطبخ عندي بتضحك وتغني أقول الحمد لله إني سمعت نغزة قلبي اليوم ده، لو كنت قلت مش وقته أو استني لبكرة كان ممكن الوجع يكبر أكتر، اتعلمت إن الأم عمرها ما تتجاهل إحساسها، وإن البنت حتى لو كبرت ولبست فستان فرحها تفضل محتاجة حضن يحميها، وعصام وأمه بقوا حكاية قديمة، عبرة لكل حد فاكر إن الجواز سيطرة، نورا دلوقتي أقوى، مش لأنها اتكسرت، لكن لأنها عرفت تقوم، وأنا كل ما أبص لها أحمد ربنا على المكالمة الواحدة اللي خلت أكتر راجل كانوا بيترعبوا منه يقف في صالتهم، مش عشان يضرب أو يهين، لكن عشان يقول كلمة حق ويرجع لبنتي كرامتها، ودي كانت بداية النهاية لوجع كبير، وبداية حياة جديدة اتبنت على احترام مش خوف، وعلى حب حقيقي مش ذل.

تم نسخ الرابط