ليلة كشف المستور
عدّى على رجوع نورا معايا شهور، بس الحكاية ما خلصتش عند باب شقتي يوم ما خرجت شنطتها الصغيرة ورافعه راسها لأول مرة، الحقيقة إن الوجع بيبقى له ذيل طويل، وبيحاول يلف حوالين الضحية حتى بعد ما تسيبه، عصام ما استحملش إن نورا تمشي وتطلب الطلاق، مش عشان بيحبها، لكن عشان كرامته قدام الناس اتكسرت، بقى يلف في المنطقة يقول إنها ناشز وإنها قليلة الأصل وإننا محرضينها، والحاجة نوال كانت كل ما تشوف حد تقول البنت دي خربت بيتها بإيدها، لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن نورا كانت كل ليلة تصحى من النوم مخضوضة، تحلم إنها واقفة قدام الحوض والمية ساقعة وإيده قابضة على معصمها، كانت تقعد تبص في السقف وتقول لي هو أنا فعلاً كنت مستاهلة ده كله يا ماما؟ وأقعد أحضنها وأقول لها محدش يستاهل الذل، لا ست ولا راجل، كرامة البني آدم مش رفاهية.
في يوم جالنا جواب من المحكمة بميعاد جلسة، نورا إيديها تلجت، قالت لي أنا خايفة يا ماما أشوفه، قلت لها الخوف طبيعي بس مش لازم يحكمك، يوم الجلسة لبست لبس بسيط ووقفت جنبي، كانت باين عليها أهدى، يمكن لأن أول مرة تحس إن فيه قانون وناس
بعد الجلسة خرج عصام يحاول يقرب منها، قال لها أنا كنت بتعصب بس بحبك، قالت له الحب مش وجع ولا سيطرة، الحب أمان، وأنت عمرك ما كنت أمان، الكلمة دي كانت زي صفعة على وشه قدام نفسه قبل الناس، حاولت أمه تدخل وتقول لها اصبري على جوزك، ردت عليها بهدوء يحسد عليه الصبر بيبقى على الضيق مش على الإهانة، أنا مش كيس رمل يتضرب ويتقال لي استحملي.
مرت الأيام، والحكم جه أخيرًا بالطلاق مع حقوقها كاملة، لما سمعت الكلمة الرسمية حسيت كأن باب تقيل بيتقفل وراها للأبد، نورا بكت، بس دموعها كانت مختلفة، دموع راحة مش خوف، رجعنا البيت وجبت لها تورتة صغيرة وكتبت عليها بداية جديدة، ضحكت وقالت
بس المفاجأة الحقيقية كانت بعدها بأسابيع، عصام اتعرض لمشكلة كبيرة في شغله، اتفصل بسبب شكوى من موظفة عندهم اتهمته إنه بيتعامل بتعالي وضغط نفسي شديد، ساعتها فهمت إن اللي بيهين في بيته غالبًا بيهين بره كمان، واللي فاكر نفسه قوي من غير حق بيقع لما يلاقي حد أقوى منه بالقانون، ناس كتير بقت تيجي لنورا تحكي لها حكايات شبهها، واحدة جارتنا قالت لها أنا كنت فاكرة إني لو اشتكيت محدش هيصدقني، بس لما شفتك واقفة قدامه في المحكمة شجعتيني، نورا بقت تسمع وتطبطب، يمكن عشان اللي اتكسر جواها خلاها تفهم وجع غيرها.
وفي ليلة هادية كنا قاعدين في البلكونة، نورا قالت لي أنا زمان كنت فاكرة إن الجواز ستر وأي حاجة تانية عيب تتقال، دلوقتي عرفت إن الستر الحقيقي إن الواحد يحمي نفسه من اللي يكسره، سألتها ندمانة؟ سكتت شوية وقالت ندمانة إني سكت بدري، بس مش ندمانة إني مشيت، الكلمة دي كانت شهادة ميلاد جديدة ليها.
بعد سنة تقريبًا، جالها عرض شغل في شركة أكبر، كانت مترددة تقابل مديرين أو تدخل بيئة جديدة،
وفي يوم وإحنا ماشين في الشارع، قابلنا عصام صدفة، كان شكله متغير، مش نفس الثقة ولا نفس النظرة العالية، بص لها وبعدين واطى عينه، ما قدرش يقول كلمة، نورا عدّت جنبه بهدوء، لا شمتانة ولا مكسورة، بس قوية، وبعد ما بعدنا قالت لي شايفة يا ماما؟ أكتر حاجة كانت بترعبني بقيت ولا حاجة، ساعتها عرفت إن أقوى انتقام مش إنك تكسر اللي كسرك، لكن إنك تعيش كويس من غيره.
الناس بطلت تهمس، وبقت تقول سعاد بنتها جدعة وعرفت تربي، وأنا كل ما أفتكر اليوم اللي دخلت فيه شقتها من غير ما أكلمها أحمد ربنا على النغزة اللي سمعت لها، لأن اللحظة دي ما أنقذتش بنتي بس، دي غيرت مصيرها، خلتها تكتشف إنها تستاهل معاملة أحسن، وحب أهدى، وحياة ما فيهاش خوف، والحكاية اللي بدأت ببيت ساقع ومية ساقعة على إيدين مرتعشتين، انتهت ببيت دافي وضحكة طالعة من القلب،