زواج بالاجبار

لمحة نيوز

إيد "منصور" مكنتش بترعش عشان هو ضعيف.. كانت بترعش لأن القلم في إيده كان تقيل زي الحجر، ومكتب المحامي كان فخم قوي، خشب أبنوس ونجف كريستال، من نوع المكاتب اللي بتتاخد فيها القرارات الكبيرة في هدوء، والناس الشقيانة اللي زي منصور بيدخلوا بس عشان يوقعوا ويتنازلوا عن حقوقهم، منصور مكانه مش هنا.. مكانه في ورشة لحام في عزبة النخل، حيث ابنه الصغير بيعافر عشان ياخد نفسه، وصوت جهاز الأكسجين بقى هو الموسيقى اللي عايشين عليها ليل نهار، العقد كان واضح وصادم: يتجوز "نهال السيوفي"، ياخد باله منها، متسألش في اللي مالكش فيه، قالوا له إنها ملموسة، محبوسة في صمتها، ومربوطة بكرسي متحرك من ساعة الحادثة، وقالوا إن عيلتها مستميتة عشان يلاقوا لها حد أمين، بس اللي مقالوهوش هو ليه عيلة السيوفي بكل ملايينها تختار لحّام أرمل غرقان في ديونه، راجل إيده محروقة من نار الشغل وقلبه تعبان وابنه مريض لدرجة إن الدكاترة بدأوا يمهدوا له إن مفيش أمل، منصور بص لمكان الإمضاء والشك بياكل في صدره، بس أول ما غمض عينه شاف حسن، شاف عين ابنه اللي بتلمع من الحمى، إيده الصغيرة الضعيفة، ونفسه اللي بيطلع بنهجة تقطع القلب، افتكر كلمة الدكتور في القصر العيني: مفيش وقت يا منصور.. العملية لازم تتعمل فوراً، فيه اختيارات في الدنيا مابتبقاش اختيارات أصلاً، بتبقى جبر خاطر للي بنحبهم، منصور مضى والحروف طلعت معوجة وناشفة زي أيامه بالظبط، ومكنش يعرف إن الإمضاء دي هتجره لعالم الفلوس فيه مش بتشتري الراحة، دي بتشتري السكوت وبتدفن الحقيقة لدرجة إنها ممكن تعيش سنين لحد ما يجي حب من نوع تاني وينبش عنها، قصر السيوفي كان طالع للسما في القاهرة الجديدة زي الحصن،

حيطان حجر وبوابات حديد تقيلة وكل حاجة متصممة عشان تمنع التراب والدوشة والناس الغلابة، منصور كان قاعد في ميكروباص قديم قدام البوابة والموتور لسه شغال بيبص للعالم ده بخوف كأنه هيطرده أول ما يلمحه، حسن لزق وشه الصغير في الشباك ورغم جهاز الأكسجين اللي جنبه كان نفسه طالع بصوت مجهود كبير بس عينيه لسه فيها اللمعة اللي منصور بيحارب كل يوم عشان يحميها، سأل إحنا هنعيش هنا يا بابا؟ قاله أيوه يا حبيبي لفترة صغيرة بس، دخلوا القصر والجناين متنسقة والنافورات رخام، واحدة ست لابسة بدلة رسمية اسمها إلهام استقبلتهم ببرود وقالت إن الطفل له أوضة وأجهزة جاهزة، منصور رفض يسيب ابنه وقال يبقى مفيش اتفاق، صوته كان صلب خلى إلهام توافق، مشيوا في ممرات طويلة وصور أجداد بتبص لهم بجمود، وصلوا للصوبة في آخر الجنينة، إلهام حذرته إنها مبتتكلمش من ساعة الحادثة وإن مفيش سبب طبي للسكوت، دخل منصور وشاف نهال، قاعدة على كرسي متحرك وسط الزرع كأنها تمثال جميل، شعرها أسود ناعم ووشها هادي وقعدتها فيها شموخ، لما عينيها جت في عينه حس إن الحكاية أكبر من كرسي وأكبر من سكوت، الأيام الأولى عدت تقيلة، نهال مبتتكلمش فعلًا، لكن كانت بترقب كل حاجة، كانت عينيها تروح لحسن وهو بيكح فجأة بنظرة خوف صادق، وفي ليلة حسن تعِب جامد وجهاز الأكسجين عطل، القصر كله اتلخبط والخدم تايهين، منصور كان بيصرخ يطلب دكتور، وفجأة نهال اتحركت بسرعة غريبة، دفعت كرسيها لحد مخزن جانبي وفتحت درج طلعت منه جهاز احتياطي، بإيد ثابتة ركبت الأنبوبة وعدلت النفس لحسن، إلهام كانت واقفة مذهولة ومنصور بص لنهال لأول مرة مش كعروسة مفروضة عليه لكن كحد فاهم وواعي، بعد الليلة دي بدأ يلاحظ
تفاصيل محدش قالها، كان يشوفها واقفة لوحدها مسنودة على الحيطة تحرك رجلها ببطء كأنها بتتمرن، مرة دخل عليها فجأة لقاها واقفة من غير كرسي، عينيها اتسعت لكنه هو اللي اتصدم، قالت بصوت واطي مبحوح كأن الكلمات بتطلع من بئر عميق: متقولش لحد، الصوت كان زي معجزة صغيرة، منصور حس الدنيا بتهتز، نهال قالت إن الحادثة كانت مسرحية، وإنها شافت حاجة ماكانش المفروض تشوفها، سمعت خالها وشريك والدها بيتكلموا عن تحويل أموال وغسيل فلوس وصفقات سلاح، لما هددت تقول الحقيقة عملوا حادثة واتفقوا مع دكتور يكتب تقرير إنها مصابة بشلل نفسي، اختارت السكوت عشان أي كلمة كانت هتخليهم يخلصوا عليها بهدوء، اتعزلت في القصر زي تمثال عشان تبقى تحت السيطرة، الجواز كان خطوة جديدة، محتاجين زوج فقير مديون يربطوه بعقد ويخلوا ثروتها تحت وصاية كاملة، لو حصل لها أي حاجة يتقال إنها انتحرت أو ماتت من اكتئاب، منصور حس نار بتولع جواه، فهم إنه هو وابنه مش منقذينها، هما كمان جزء من الخطة، لكن نهال قالت إن وجود حسن غيّر المعادلة، أول مرة تشوف حاجة بريئة تدخل القصر من سنين، لما أنقذته قررت متسكتش تاني، بدأت تحكي له عن مستندات مخبياها في الصوبة، فلاشة مدفونة تحت حوض زرع فيها تسجيلات وأرقام حسابات، قالت إنهم لازم يتحركوا قبل ما يشكوا، منصور كان قدامه اختيار تاني، يا ياخد فلوس العملية ويسكت، يا يحارب ناس نفوذهم يوصل للسماء، بص لحسن اللي بدأ يتحسن بعد ما العملية اتعملت بفلوس السيوفي، الولد ابتدى يضحك تاني، ونهال بقت تتمرن كل يوم لحد ما وقفت تمشي خطوتين تلاتة من غير مساعدة، الحقيقة إن شللها كان خوف مش عجز، وفي يوم العيلة جم يعملوا عشا رسمي قدام رجال أعمال
كبار عشان يعلنوا نقل جزء من الثروة باسم منصور كوصي، كانوا فاكرينه هيبقى خاتم في صباعهم، لكن منصور وقف قدامهم وقال بصوت مسموع إن في مفاجأة، نهال دخلت القاعة من غير كرسي، ماشية ببطء لكن بثبات، الهمهمة علت والوجوه اتقلبت، شغلت التسجيلات قدام الكل، الأصوات كانت واضحة بتدينهم، خالها حاول يقرب لكن الشرطة كانت واقفة على الباب، لأن منصور كان سبق وبلغ جهة رقابية بكل الأدلة، في لحظة انهار الحصن الرخامي، اتقبض على المتورطين واتفتحت تحقيقات كبيرة، الصحافة قلبت الدنيا، نهال استعادت حقها وثروتها وبقت رئيسة مجلس الإدارة بنفسها، أول قرار خدته كان تحويل جزء من القصر لمركز علاج مجاني للأطفال اللي عندهم أمراض تنفسية، حسن كان أول طفل يدخل المركز وهو بيجري من غير خرطوم أكسجين، ضحكته بقت تملى المكان، ومنصور بقى مش مجرد لحام دخل قصر بالغلط، بقى شريك حقيقي لست اختارت تواجه بدل ما تسكت، والجواز اللي بدأ كبيعة بقى اختيار، لأنهم اكتشفوا إن السجن الحقيقي مكانش الكرسي المتحرك ولا الفقر، السجن كان الخوف، وأول ما كسروا بابه، اكتشفوا إن الحرية مش في القصور ولا الفلوس، الحرية في إنك تقول الحقيقة حتى لو الدنيا كلها واقفة ضدك، ومن يومها الصوبة اللي كانت شاهد على سكوت طويل بقت شاهد على بداية جديدة، زرع بيكبر ونور داخل من كل ناحية، ونهال كل ما تمشي خطوة تفتكر إنها كانت قادرة تمشي من زمان بس كانت مستنية سبب، ومنصور عرف إن الإمضاء اللي حسبه تنازل كان في الحقيقة أول سطر في حكاية إنقاذ أكبر بكتير من عملية، حكاية أنقذت روحين كانوا محبوسين في خوفهم، وخلّت قصر السيوفي اللي كان سجن مبني بالرخام يبقى بيت مفتوح للناس اللي محتاجة أمل.

تم نسخ الرابط