اللي حصل في ليلة المواجهة كان بس البداية، لأن سقوط خال نهال وشريكه ماكنش معناه إن العاصفة خلصت، كان معناه إن العاصفة لسه بتبدأ، الصحافة فضلت شهور تتكلم عن “وريثة قامت من الكرسي وكسرت إمبراطورية فساد”، ورجال الأعمال اللي كانوا بيصفقوا على سفرة العشا اختفوا فجأة، وكل واحد فيهم بقى بيقول إنه “مكانش يعرف”، لكن الحقيقة إن نهال كانت عارفة إن الفساد مش شخصين بس، الفساد شبكة، والشبكة لما بتتقطع من طرف، بتشد باقي الخيوط بعنف، ومنصور حس لأول مرة إن القصر الواسع بقى أضيق من أوضته القديمة في عزبة النخل، حراسة على البوابة، تهديدات مبطنة على الموبايل، ونظرات خوف في عيون الخدم، حتى إلهام نفسها بقت متوترة، كأنها طول عمرها كانت بتمشي جنب الحيطة، وفجأة الحيطة وقعت، حسن في الوقت ده كان بيتعافى بسرعة أدهشت الدكاترة، العملية نجحت، وجسمه الصغير بدأ يسترد قوته، بقى يجري في الجناين اللي كانت زمان ممنوعة عليه، يضحك بصوت عالي يخبط في الرخام ويرجع صدى ضحكته للقصر كله، والضحكة دي كانت بتعمل حاجة غريبة في نهال، كانت كل مرة تسمعها تحس إن في حتة جواها بتفوق من سبات سنين، لكنها رغم قوتها الجديدة كانت عارفة إن في ضربة جاية، لأن اللي خسر مليارات مش هيسكت بسهولة، وفعلاً بعد أسابيع قليلة بدأت الأخبار تتسرب عن قضية جديدة مرفوعة ضدها، طعن في أهليتها لإدارة
ثروتها، تقارير طبية قديمة بتقول إنها “غير مستقرة نفسيًا”، أطباء مستعدين يشهدوا إنها كانت بتهلوس، اللعبة اتقلبت، بدل ما تبقى شاهدة اتهام بقت متهمة، ومنصور شاف الخوف بيرجع يلمع في عينيها لأول مرة من يوم ما مشت قدامهم في القاعة، بس المرة دي الخوف ماكانش شلل، كان استعداد، قالت له بصوت ثابت إنهم عايزين يرجعوها للكرسي حتى لو بالكذب، لأن صورتها وهي ماشية أخطر عليهم من أي تسجيل، قرروا يواجهوا المعركة بالقانون، جابوا لجنة طبية مستقلة، وفتشوا في ملفات المستشفى اللي كتب التقرير الأول، واكتشفوا تزوير واضح وتوقيعات متلعب فيها، لكن قبل ما النتائج تطلع حصل اللي محدش كان متوقعه، حسن اختفى، يوم كان بيلعب في الجناينة الخلفية، والكاميرات تعطلت خمس دقايق بس، خمس دقايق كفاية تخطف قلب أب وتكسره، منصور حس الدنيا بتسحب من تحته، رجع نفس الإحساس القديم لما كان بيستنى دكتور يقول له في أمل ولا لأ، نهال كانت واقفة قدامه شاحبة لكن عينيها مش تايهة، قالت له إن دي رسالة، وإنهم عايزين يكسروهم من أضعف نقطة، ومنصور لأول مرة شاف في نفسه غضب أعمى مش بس خوف، الشرطة اتحركت لكن ببطء، لأن اللي ورا الخطف ناس تقيلة، بس نهال افتكرت حاجة، شبكة شركات كانت تابعة لعمها عندها مخازن على أطراف المدينة، أماكن محدش بيروحها، ضغطت بكل نفوذها الجديد عشان يتم تفتيشها، الوقت كان
بيمر تقيل، كل دقيقة من غير ما يعرفوا حسن فين كانت سكين بتتغرز في صدرهم، وفي مخزن مهجور لقوا عربية قديمة وجواها شنطة حسن الصغيرة، منصور وقع على ركبته وهو شايفها، لكن نهال مسكته وقالت له يبص حوالينه، الأرض كان عليها آثار عجلات حديثة، يعني لسه قريب، البلاغات اتوسعت، وأخيرًا جت مكالمة، صوت مش واضح قال لهم ينسحبوا من القضايا ويتنازلوا عن كل الاتهامات مقابل رجوع الولد، منصور كان مستعد يعمل أي حاجة، لكن نهال بصت له وقالت إنهم لو استسلموا دلوقتي مش بس هيخسروا حسن، هيخسروا نفسهم للأبد، اتفقوا يماطلوا ويتتبعوا المكالمة، وبعد شد وجذب الشرطة قدرت تحدد موقع مزرعة بعيدة مملوكة باسم شركة وهمية، هناك لقوا حسن مربوط لكن سليم، خافوه بس ماقدروش يكسروه، أول ما شاف أبوه جري عليه وهو بيعيط، ومنصور شاله كأنه رجع للحياة بعد موت، القبض المرة دي كان أكبر، أسماء جديدة ظهرت، ورجال أعمال تانيين اتكشفوا، القضية بقت رأي عام ضخم، والمحكمة حكمت بأحكام قاسية خلت الكل يفهم إن زمن اللعب في الضل خلص، بعد شهور طويلة من المحاكم والجلسات، القصر رجع هادي، لكن الهدوء المرة دي مش صمت خوف، هدوء سلام، نهال وقفت في نفس الصوبة اللي بدأت فيها الحكاية، كانت بتمشي من غير عكاز، لمست ورقة شجر وقالت إنها عمرها ما كانت مشلولة في جسمها، كانت مشلولة في قرارها، ومنصور ضحك وقال
لها إنه هو كمان كان فاكر نفسه ضعيف لأنه فقير، واكتشف إن القوة مش في الحساب البنكي، القوة في إنك ما تبيعش روحك حتى لو مضيت على ورق، حسن دخل عليهم وهو شايل كتاب علوم وبيقول إنه عايز يبقى دكتور عشان ينقذ أطفال زي ما الدكاترة أنقذوه، بصوا لبعض وابتسموا، لأن اللي بدأ كصفقة باردة بقى عيلة حقيقية، وبعد سنة افتتحوا توسعة جديدة للمركز العلاجي باسم “دار الأمل”، وخلوا جزء من القصر مفتوح للناس، بقى المكان اللي كان حصن ضد الغلابة بيت يستقبلهم، والناس في عزبة النخل بقت تقول إن منصور ما نسيش أصله، لأنه كان كل أسبوع ينزل الورشة القديمة، مش عشان محتاج الفلوس، لكن عشان يفتكر هو جه منين، ونهال كانت أوقات تقف تتفرج عليه وهو بيلحم قطعة حديد وتضحك، لأن الراجل اللي اتجبر على جوازة عشان ينقذ ابنه هو نفسه اللي أنقذها من سجن خوفها، وفي ليلة هادية على سطح القصر، حسن كان بيجري ورا طيارة ورق، ونهال سندت راسها على كتف منصور وقالت له إن أغرب حاجة إنهم كانوا فاكرين السجن هو الكرسي أو الفقر، لكن السجن الحقيقي كان إنهم يصدقوا اللي الناس القوية عايزة تقوله عنهم، ولما كسروا القصة دي وكتبوا قصتهم بإيديهم، اكتشفوا إن الحرية مش معجزة، الحرية قرار، ومن يومها بقى كل باب في القصر مفتوح، مش عشان يدخل هوا بس، لكن عشان محدش يتحبس فيه تاني، لا بجسمه ولا بصوته ولا بخوفه.