سر ستوتة
ذكرى بعيدة في حكاية اتقفلت.
وقفت قدامنا مباشرة وبصتلي نظرة طويلة، نظرة ما فيهاش لا حب ولا كره بس فيها حاجة أخطر، فيها امتلاك.
قالت بصوت هادي قوي
كبرتي يا آمال أو أقول يا سارة التانية.
الكلمة خلت قلبي يدق بجنون. سارة اللي واقفة جنبي بدأت تتراجع خطوة ورايا، لكن الست رفعت إيدها وقالت ببرود
مفيش داعي للهروب أنا مش جاية أعمل فضيحة في الشارع.
سكتت لحظة وبعدين بصت للبنت المشوهة وقالت
وأنتِ كنت فاكرة إنك لما تختفي سنين وترجعي فجأة هتغيري حاجة؟
سارة ضحكت ضحكة مرة وقالت
أنا مش جاية أغير حاجة أنا جاية أرجع حقي.
الست ابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة باردة جدًا.
حقك؟ إنتِ فقدتي حقك يوم الحادثة. الحياة قاسية وأنا كنت لازم أحافظ على اسمي وعلى حياتي.
وقتها حسيت إن الدم بيفور
يعني أنا كنت مجرد بديلة؟ مجرد حل؟
بصتلي بهدوء وقالت
كنتِ فرصة فرصة لإنقاذ عيلة كاملة من الانهيار.
الكلمات دي كسرت حاجة جوايا. سنين كنت فاكرة نفسي محظوظة إن حد تبناني واهتم بيا، لكن الحقيقة كانت أبشع كنت مشروع، خطة، تمثيلية طويلة.
أحمد ظهر فجأة في ذهني. الجواز حياتي كل حاجة بقت موضع شك.
سألتها بصوت متعب
أحمد كان عارف؟
ردت بسرعة
أكيد. عيلته كانت جزء من الاتفاق.
الكلمة وقعت عليا زي سكين.
سارة بصتلي وقالت
قلتلك الحقيقة دلوقتي القرار قرارك.
الست الكبيرة اتنهدت وقالت
اسمعي كويس يا بنتي أنا ممكن أخلي حياتك تستمر زي ما هي فلوس، بيت، جوز، مكانة. أو ممكن كل حاجة تنهار في ثانية.
رفعت عيني ليها وسألتها
والمقابل؟
قالت ببساطة
تنسوا الماضي أنتِ
سارة ضحكت بمرارة.
شايفة؟ نفس الطريقة القديمة المشكلة تختفي.
سكتنا لحظة طويلة. صوت الريح كان بيعدي بين الشوارع الفاضية.
بصيت لسارة لوشها المشوه للوجع اللي عاشته سنين.
وبعدين بصيت لوشي في زجاج العربية السودا الوش اللي كان يومًا ما وشها.
ساعتها فهمت حاجة مهمة.
الحقيقة يمكن توجع لكنها أخف من الكدب.
بصيت للست الكبيرة وقلت بهدوء
لا.
اتجمدت ملامحها.
كملت كلامي
أنا مش هكمل في كذبة حتى لو خسرت كل حاجة.
الست ضيقت عينيها وقالت
فكري كويس الحياة اللي عايشاها دي مش هتفضل.
قلت
يمكن بس على الأقل هتبقى حياتي أنا.
مسكت إيد سارة لأول مرة. كانت بترتعش.
الست فضلت تبص لنا ثواني وبعدين لفت ضهرها وركبت العربية. قبل ما الباب يقفل قالت جملة أخيرة
الحقيقة أحيانًا
العربية اتحركت واختفت في آخر الشارع.
وقفت أنا وسارة لوحدنا قدام الجامع القديم.
الدنيا كانت ساكتة بس جوايا لأول مرة من سنين حسيت براحة غريبة.
رجعت البيت في الفجر. أحمد كان قاعد مستنيني في الصالة، وشه متوتر.
قال أول ما شافني
فين كنتي؟
بصيت له لحظة طويلة وبعدين قلت
كنت بدور على الحقيقة.
سكت وكأنه فاهم كل حاجة من غير ما أشرح.
قلت بهدوء
أنا همشي يا أحمد.
قال بسرعة
يعني إيه؟
رديت
يعني حياتي اللي بدأت بكذبة لازم تبتدي من جديد.
خرجت من الشقة بعد ساعة واحدة من غير فلوس كتير من غير عربية من غير اسم كبير.
لكن لأول مرة في حياتي
كنت ماشية بوشي الحقيقي.
ويمكن عشان كده لما عدت بعد شهور من نفس سوق السيدة زينب وشفت سارة قاعدة بتبيع ورد صغير للناس
ابتسمت.
وهي كمان ابتسمت.
لأن الحقيقة أخيرًا رجعت لكل واحدة فينا وشها.