اسمي أمينة… وأول ذكرى حقيقية في حياتي كانت صوت أمي وهي بتكح دم. كنت عندي ست سنين بس، وكنت فاكرة إن الكحة دي زي أي دور برد. كانت نايمة على السرير ووشها أصفر، وأنا ماسكة إيديها الصغيرة اللي كانت دايمًا دافية. بصت لي بعينين تعبانين وقالت بصوت مكسور: “خلي بالك من نفسك يا أمينة.” أنا هزّيتها وقلت ببراءة: “قومي يا ماما… متناميش كده.” لكن إيديها بردت فجأة… وعينيها فضلت مفتوحة للحظة… وبعدين سكنت. فضلت أهز فيها وأصرخ، لحد ما الجيران دخلوا البيت. من يومها… صوت الضحك اختفى من حياتي. أبويا كان واقف جنب السرير، ساكت… كأنه بيتفرج على مشهد في فيلم. ماعيطش. ماحضنيش. بس قال جملة واحدة: “الحياة بتمشي.” الجملة دي كانت أول حجر يقع على قلبي. بعد موت أمي، البيت اتغير. ريحة الأكل الحلو اختفت، وبقت ريحة سجاير وبقايا أكل بايت. أبويا بقى يقعد بالساعات ساكت، وبعدين فجأة يزعق أو يكسر حاجة. ماكانش بيبص لي حتى. وأنا كنت طفلة… كل اللي محتاجاه حضن. الجيران كانوا يبصوا لي بحزن ويقولوا “يا عيني.” لكن محدش خدني في حضنه ولا قال لأبويا “البت دي محتاجة حد.” بقيت ألبس نفس الفستان كل يوم، وأمشي المدرسة وحدي، وأرجع ألاقي البيت
فاضي. لحد الليلة اللي غيرت حياتي كلها. دخل أبويا البيت متأخر، وعينيه حمرا. بص لي وقال: “بكرة هوديكي مكان سبيشيال.” قلبي الصغير فرح. افتكرت إنه افتكر عيد ميلادي… أو يمكن هيروح يجيب لي لعبة. صحاني قبل الفجر. لبسني فستان أبيض قديم، وريحتُه كانت كمكمة مخزنة. وربط طرحة على راسي. سألت: “احنا رايحين فين؟” مردش. ركبنا ميكروباص طويل… وبعد ساعة وقفنا قدام بيت كبير ببوابة حديد عالية وأنوار قوية. خبط الباب… وخرج راجل تخين أصلع، بكرش كبير وضحكة تخوف. بص لي وقال: “هي دي البنت؟” أبويا هز راسه. الراجل قرب مني ومد إيده وقال: “تعالي يا عروستي الصغيرة.” أنا اتجمدت. قلت بخوف: “عروسة؟ يعني إيه؟” أبويا مسكني جامد ووشوشني: “متفضحيناش… الراجل دفع فلوس.” الكلمة دي ما فهمتهاش وقتها… بس فهمت بعدها بسنين إنها كانت تمن طفولتي. الليلة دي، سابوني في أوضة لوحدي. صرخت وبكيت وخبطت على الباب لحد ما إيدي وجعتني. لكن محدش فتح. بعد شوية دخل الراجل قعد قدامي وقال بصوت تقيل: “وقت ما أعلمك يعني إيه تبقي ست.” حاولت أهرب. قلت له: “أنا عندي ست سنين… عايزة ماما.” لكنه ما كانش عنده قلب. اللي حصل بعدها كان زي كابوس طويل. كسرني… وجعني…
وسابني على الأرض أبكي. لما خلص، خرج كأن مفيش حاجة حصلت. وأنا فضلت مكومة في الركن، حاسة إن روحي خرجت من جسمي. أبويا رجع بعد أسبوع ياخد “باقي الفلوس.” وقف عند الباب، ما بصش لي. كأني مش بنته. الأيام بعدها بقت شبه بعض. كنت طفلة في بيت راجل غريب، بيقولوا عنه “جوزي”. كان يعاملني كأني حاجة اشتراها. لكن جوايا كان فيه حاجة صغيرة ما ماتتش… نار. كنت أبكي بالليل وأقول لنفسي: “هكبر… وهخرج من هنا.” السنين عدت ببطء شديد. بقيت عشرة… اتناشر… خمستاشر. الراجل كبر وبقى أضعف. وأنا بقيت أفهم الدنيا أكتر. في يوم من الأيام، جاله جلطة خفيفة. وبقى يقعد بالساعات على الكرسي. ساعتها بدأت أفكر. بقيت أشتغل في البيت… أنضف وأطبخ… وأسمع كلامه… لحد ما وثق فيّ. لحد ما جت الليلة اللي غيرت كل حاجة. كان نايم بعد ما شرب كتير. فتحت الدولاب… لقيت مفتاح بوابة البيت. قلبي كان بيدق بسرعة. خرجت بهدوء… وفتحت الباب. الشارع كان فاضي… وأنا أول مرة أمشي لوحدي من سنين. فضلت أجري… أجري… لحد ما وصلت مركز شرطة. دخلت وأنا بترعش. قلت للظابط: “أنا عايزة أبلغ.” بص لي باستغراب. حكيت له كل حاجة. الأول ما صدقش… لكن لما شاف عمري الحقيقي في البطاقة اللي
الراجل كان مخبيها… الدنيا اتقلبت. الشرطة راحت البيت وقبضت عليه. واتفتح ملف قديم… واتقبض على أبويا كمان. يوم المحاكمة كنت واقفة في المحكمة، وقلبي بيدق. الراجل اللي سرق طفولتي كان واقف قدام القاضي. وأبويا واقف جنبه. القاضي سألني: “انتي عايزة تقولي حاجة؟” بصيت لهم… وقلت: “أنا بس كنت عايزة أعيش طفولتي.” المحكمة سكتت. وبعد شهور… الحكم صدر. سجن طويل للراجل… وسجن لأبويا يومها خرجت من المحكمة وأنا لأول مرة أحس إني حرة. السنين عدت بعدها… اشتغلت… درست… وتعلمت أعيش من جديد. الجرح ما اختفاش… لكنه علمني أبقى أقوى. وبعد عشرين سنة… بقيت واقفة قدام مجموعة أطفال في دار أيتام. كنت بشتغل متطوعة هناك. طفلة صغيرة مسكت إيدي وقالت: “انتي اسمك إيه؟” ابتسمت وقلت: “اسمي أمينة.” قالت لي: “ماما ماتت وأنا خايفة.” … وقلت لها نفس الجملة اللي وعدت نفسي بيها زمان: “متخافيش… انتي مش لوحدك.” وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة… إن اللي اتكسر جوايا زمان… ما رجعش زي الأول. لكنه اتحول لقوة تخلي أي طفل تاني ما يعيش اللي أنا عشته. ويمكن دي كانت العدالة الحقيقية… مش بس إن الظالم يتحاسب… لكن إن المكسور يقدر يقف تاني… ويسند غيره.