اسمي أمينة… والناس كانت فاكرة إن حكايتي خلصت يوم خرجت من المحكمة، يوم ما القاضي حكم على الراجل اللي سرق طفولتي وعلى أبويا . الكل قال إن العدالة اتحققت، وإن البنت اللي كانت ضحية بقت حرة. لكن الحقيقة إن الحرية الحقيقية ما بتيجيش في يوم واحد… بتاخد سنين طويلة عشان القلب يتعلم يتنفس من جديد. بعد الحكم، خرجت من باب المحكمة وأنا حاسة إني تايهة في الدنيا. ماكانش عندي بيت أرجع له، ولا عيلة أرجع لحضنها. الجيران القدام قالوا “يا عيني يا بنتي”، بس محدش عرض عليّ باب مفتوح أعيش فيه. الدولة حطتني فترة في دار رعاية، وهناك بدأت أتعلم حاجات بسيطة… إزاي أقرأ كويس، إزاي أكتب، وإزاي أتكلم من غير ما صوتي يترعش. أول سنة كانت أصعب سنة في حياتي. كنت أصحى بالليل مفزوعة، وأفتكر كل حاجة حصلت لي. كنت بخاف من أي صوت رجالة عالي، وبخاف حتى من الضلمة. لكن كان فيه حاجة جوايا بتقولي إن حياتي ما ينفعش تفضل واقفة عند اللحظة اللي انكسرت فيها. كنت أقعد بالساعات في مكتبة الدار، أقرأ أي كتاب يقع تحت إيدي. الكتب كانت أول مرة أحس إنها باب للهروب من الوجع. ومع الوقت، المدرسين في المدرسة لاحظوا إني بحب أذاكر. واحدة من المدرسات، اسمها مدام ليلى، كانت أول حد يبص لي مش كضحية… لكن كبنت عندها عقل. كانت تقول لي دايمًا: “يا أمينة، الماضي ما يحددش
مستقبلك… انتي اللي بتكتبيه.” الجملة دي فضلت ترن في دماغي سنين. خلصت المدرسة الثانوية بدرجات عالية، والدار ساعدوني أقدم في كلية الخدمة الاجتماعية. يمكن لأن جوايا كان إحساس قوي إني عايزة أفهم الناس اللي اتوجعت زيي. أيام الكلية كانت غريبة… أول مرة أعيش حياة شبه طبيعية. كان عندي أصحاب، وضحك، ومحاضرات. بس كل ده كان فوق سطح قلب فيه جروح قديمة. كنت ساعات أقعد لوحدي وأفكر: يا ترى لو أمي عاشت… كانت حياتي هتبقى عاملة إزاي؟ كنت أتخيلها قاعدة في الصف الأول يوم تخرجي. اليوم ده جه بعد أربع سنين. وقفت لابسة روب التخرج، والناس حواليّ بتصور وتضحك. بصيت في المدرجات… وماكانش فيه حد جاي عشاني. لكن فجأة شفت مدام ليلى واقفة بتسقف لي من بعيد. ساعتها بس حسيت إن في حد فخور بيا. بعد التخرج، اشتغلت في دار أيتام صغيرة في أطراف المدينة. أول يوم دخلت المكان، رجعت لي ذكريات زمان. نفس ريحة الجدران القديمة، نفس عيون الأطفال اللي فيها خوف وحيرة. لكن المرة دي… أنا ماكنتش الطفلة. كنت الست اللي المفروض تساعد. الأطفال هناك كانوا عشرات. كل واحد فيهم شايل قصة تقيلة على قلب صغير. كان فيه ولد اسمه محمود، عنده سبع سنين، ماكانش بيتكلم خالص. وبنت اسمها سارة كانت بتعيط طول الليل عشان أمها سابتها. وأنا كنت أحاول أدي لكل واحد منهم اللي اتمنيت حد يدّيهولي
زمان… الأمان. سنة ورا سنة، بقيت مسؤولة عن الدار. ومع الوقت، بدأت أفكر إن الحكاية لازم تكبر. ليه يبقى فيه مكان واحد بس للأطفال اللي مالهمش حد؟ بدأت أشتغل مع جمعيات خيرية، وأجمع تبرعات، وأكتب طلبات دعم. كانت رحلة صعبة… لكن كل مرة طفل يضحك كانت بتديني طاقة أكمل. بعد خمس سنين، قدرنا نفتح دار جديدة أكبر. يوم الافتتاح كان مليان ناس: متبرعين، صحفيين، ومسؤولين. طلبوا مني أطلع أتكلم. وقفت قدام الميكروفون، وبصيت للوجوه قدامي… وفجأة شفت نفسي الصغيرة بينهم. البنت اللي كانت عندها ست سنين وبتصرخ ومحدش سامعها. أخدت نفس عميق وقلت: “أنا مش بس مديرة الدار… أنا كنت واحدة من الأطفال اللي محتاجين حد يسمعهم.” القاعة سكتت. حكيت لهم قصتي… من غير ما أخبي الألم. قلت لهم إن أخطر حاجة ممكن تحصل لطفل مش الفقر… لكن الوحدة. وبعد الخطاب، ناس كتير جت تتبرع وتساعد. المشروع كبر… والدار بقت ثلاث دور في مدن مختلفة. لكن المفاجأة اللي قلبت الدنيا حصلت بعد سنين. في يوم عادي، كنت قاعدة في المكتب لما السكرتيرة دخلت وقالت لي: “في راجل عايز يقابلك.” قلت لها يدخل. الباب اتفتح… ودخل راجل عجوز، شعره أبيض وظهره محني. أول ما شفته… قلبي وقف. كان أبويا. السنين غيرته… لكنه كان نفس الوجه. وقف قدامي ساكت، وعينيه مليانة دموع. قال بصوت مكسور: “أمينة…” الاسم
خرج منه كأنه غريب عليه. أنا ما قدرتش أتكلم. كأن الماضي كله رجع في لحظة. قال: “أنا خرجت من السجن من سنة… وفضلت أدور عليكي.” سكت شوية وبعدين قال: “أنا عارف إني ما استاهلش حتى تبصي في وشي… بس كنت عايز أقولك سامحيني.” الكلمة دي كنت فاكرة إني مستنياها طول عمري. لكن لما سمعتها… ما حسيتش بالراحة اللي تخيلتها. حسيت بس بثقل سنين طويلة. بصيت له بهدوء وقلت: “اللي حصل ما ينفعش يتصلح.” دموعه نزلت. قال: “أنا ندمان كل يوم.” ساعتها حسيت بحاجة غريبة… مش شفقة، ولا حب… لكن فهم. قلت له: “أنا سامحتك من زمان… بس مش عشانك… عشان نفسي.” سكت شوية وبعدين قلت: “لكن حياتي دلوقتي هنا… مع الأطفال اللي محتاجين حد.” الراجل هز راسه، كأنه فهم الرسالة. قبل ما يمشي، بص حواليه وشاف الأطفال بيلعبوا في الفناء. قال بصوت واطي: “يمكن ربنا خلاني أعيش عشان أشوفك عملتي إيه.” ومشى. وقفت عند الشباك أبص عليه وهو بيبعد. ما جريتش وراه… وما ندهتش اسمه. بس لأول مرة في حياتي… حسيت إن الصفحة اتقفلت. رجعت بصيت للأطفال اللي بيضحكوا في الحديقة. طفلة صغيرة جريت ناحيتي وحضنت رجلي وقالت: “ماما أمينة!” ضحكت… . وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة اللي أخدت عمري كله عشان أعرفها: إن الطفلة اللي اتكسرت زمان… ما اختفتش. لكنها كبرت… وبقت اللي يتمناه أي طفل موجوع.