في سنة 2018 كان رضا، شاب عنده 34 سنة من المنوفية، بيجري ورا حلم بسيط لكنه كبير في قلبه يهرب من الفقر ويبدأ حياة جديدة بتربية المواشي. اشتغل سنين في كل حاجة تيجي قدامه، من شغل في الغيطان لشغل يوميات في المخازن، لحد ما جمع شوية فلوس واستلف شوية تانيين من البنك الزراعي. ساعتها قرر يعمل خطوة مجنونة شوية أجر قطعة أرض في حضن الجبل في وادي النطرون، مكان بعيد وهادي، لكنه مناسب للرعي. المكان كان قاسي، شمس حارقة في الصيف ورياح باردة في الشتاء، لكن رضا كان شايف فيه مستقبله. بنى بإيده الزرايب، جاب عمال يساعدوه يحفروا بير مية، واشترى 30 خروف من أنضف سلالة يقدر يوصل لها بفلوسه. يوم ما طلع بالخرفان أول مرة للجبل كان واقف يبص عليهم بفخر وقال لمراته هناء اصبري عليا يا هناء سنة واحدة بس، وساعتها هنبني البيت اللي بنحلم بيه. كانت هناء بتبص له بنص خوف ونص أمل، لأنها عارفة إن الرزق بيد الله، لكن كمان عارفة إن الطريق ده مليان مخاطر. في أول شهرين الدنيا كانت ماشية كويس، الخرفان بتكبر، والعلف متوفر، ورضا كل يوم بيصحى قبل الفجر
ويطلع الجبل يتابعهم بنفسه. لكن فجأة الدنيا اتقلبت. انتشرت الحمى القلاعية في المنطقة. خبر المرض انتشر زي النار في الهشيم، والمزارع اللي حواليه بدأت تقع واحدة ورا التانية. الجيران اضطروا يذبحوا أو يتخلصوا من مواشيهم عشان يوقفوا انتشار الفيروس. الدخان والهم غطوا الجبل كله، وكل يوم رضا كان يسمع خبر خسارة جديدة. هناء بدأت تخاف وقالت له وهي ماسكة إيده بيعهملنا وهما لسه فيهم الروح يا رضا المهم نطلع سالمين. لكن رضا كان عنيد وقال لها شدة وهتزول لازم نصبر. الأيام بقت أصعب، القلق أكل أعصابه، النوم بقى قليل، والتفكير ما بيسيبش دماغه. لدرجة إنه وقع مريض ودخل مستشفى في دمنهور من التعب والضغط العصبي. قعد أكتر من شهر عند أهل مراته يتعافى. لما رجع أخيراً للجبل قلبه كان بيدق بسرعة، لكنه اتصدم. نص الخرفان ماتت، والباقي ضعيف. العلف بقى غالي أضعاف، والبنك بدأ يطالبه بالأقساط. كل ليلة كان يقعد في الزريبة يسمع صوت المطر بيخبط في الصاج ويحس إن الحلم كله بيقع فوق دماغه. لحد ما في ليلة بعد مكالمة قاسية من واحد من الديانة قعد على
الأرض وهمس خلاص أنا انتهيت. تاني يوم الصبح قفل المزرعة وسلم المفتاح لصاحب الأرض عم تملي، راجل كبير في السن كان ساكن قريب من الجبل. نزل من الجبل وهو مش قادر حتى يبص وراه. بالنسبة له، كل حاجة انتهت. خمس سنين عدت. رضا نقل هو وهناء للقاهرة واشتغلوا في مصنع ملابس. الحياة كانت بسيطة، مرتب على القد، شقة صغيرة، لكن على الأقل مفيش ديون بتجري وراه كل يوم. كل ما حد يفتح سيرة المزرعة كان يبتسم ابتسامة موجوعة ويقول أنا رميت فلوسي في حضن الجبل. الأيام بقت شبه بعضها لحد ما في أول السنة دي رن تليفونه. كان عم تملي. صوته كان غريب ومتوتر وقال يا رضا اطلع لي الجبل فوراً المزرعة القديمة بتاعتك حصل فيها حاجة كبيرة. قلب رضا اتقبض. سأل كتير لكن الراجل رفض يشرح في التليفون. تاني يوم ركب عربيته القديمة وسافر أكتر من 40 كيلو لحد الجبل. الطريق الترابي اللي كان حافظه بقى شبه مهجور، الحشائش غطته، وكأن الزمن وقف هنا. كل ما يقرب كان قلبه يدق أسرع. يا ترى الزرايب وقعت؟ ولا المكان بقى خراب؟ لما وصل لآخر ملف في الطريق، شاف المنظر وتجمد مكانه.
الأرض اللي سابها مقفرة بقت مليانة خرفان عشرات بل مئات الخرفان. واقفين فوق الجبل بيرعوا بحرية. عيونه وسعت وهو مش مصدق. قرب خطوة لقى بعضها شبه الخرفان اللي كان عنده زمان، نفس الألوان ونفس العلامات. عم تملي كان واقف مستنيه وقال له وهو بيضحك بذهول الخرفان اللي سبتها ما ماتتش يا رضا. الحقيقة اللي عرفها بعدها كانت أغرب من أي حاجة توقعها. الخرفان القليلة اللي فضلت بعد المرض هربت من الزريبة في ليلة عاصفة بعد ما الباب اتكسر. بدل ما تموت، بدأت تعيش حرة في الجبل. المكان كان فيه مرعى طبيعي ومية من البير اللي حفره رضا. مع الوقت تكاثرت وخلفت وبقى القطيع يكبر سنة بعد سنة. محدش كان بيقرب من الجبل عشان سمعته السيئة بعد المرض، ففضل القطيع عايش لوحده خمس سنين كاملة. عم تملي قال له أنا كنت شايفهم من بعيد بس كنت مستنيك ترجع بنفسك. رضا وقف وسط القطيع ودموعه نازلة. الحاجة اللي كان فاكر إنها ضاعت للأبد كانت بتكبر وتعيش هناك من غير ما يعرف. بعد أيام قليلة، خبر القطيع انتشر. تجار المواشي جم يشوفوا القطيع، وخبراء قالوا إن عدده ممكن