يكون أكتر من 200 رأس. قيمة القطيع كانت أكبر بكتير من كل الفلوس اللي خسرها زمان. لكن الغريب إن رضا ما فرحش بالفلوس بس كان واقف يبص للجبل ويبتسم ابتسامة هادية. لأنه فهم حاجة ما فهمهاش قبل كده أحياناً لما الإنسان يسيب حلمه وهو فاكر إنه انتهى الدنيا بتكون لسه بتشتغل في صمت. وبعد خمس سنين من الوجع الجبل رجع لرضا حلمه أكبر بكتير مما تخيله.
بعد ما وقف رضا وسط القطيع والدموع في عينيه، فضل ساكت وقت طويل كأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي شايفه حقيقي. الخرفان كانت منتشرة فوق الجبل في كل اتجاه، بعضها كبير وقوي، وبعضها صغير لسه مولود قريب. الصوت الهادي بتاعهم وهم بيرعوا كان مالي المكان، كأنه موسيقى طبيعية للجبل. عم تملي وقف جنبه وهو مبتسم وقال شايف يا رضا؟ ربنا ما بيضيعش تعب حد. لكن رضا ما كانش قادر يرد. دماغه رجعته خمس سنين لورا لليلة اللي نزل فيها من الجبل وهو مكسور، فاكر إن كل حاجة انتهت. فضل يمشي بين الخرفان ببطء،
يلمس بعضها بإيده، وكأنه بيتأكد إنها حقيقية. لقى واحدة بعلامة صغيرة في ودنها العلامة اللي كان بيحطها بإيده زمان. ابتسم لأول مرة بصدق وقال دي من خرفاني أنا فاكرها. عم تملي ضحك وقال أغلبهم من خرفانك الخلف بقى نسلهم. بعد شوية قعدوا على صخرة كبيرة تطل على الجبل. رضا كان لسه مذهول. سأل إزاي عاشوا لوحدهم كل السنين دي؟ عم تملي قال الجبل فيه رزق يا ابني في مرعى طبيعي حوالين الوادي، والمية من البير اللي انت حفرته فضلت تطلع سنين. الحقيقة بدأت تتضح. القطيع اللي كان فاكر إنه ضاع اتكاثر لوحده. الطبيعة نفسها كملت اللي هو بدأه. لكن الفرحة الكبيرة جت بعدها بأيام لما جاله واحد من كبار تجار المواشي في البحيرة بعد ما سمع عن القطيع. الراجل لف وسط الجبل وشاف الخرفان وقال بصراحة القطيع ده ممكن يعدي 220 رأس ولو اتباع ممكن يعمل فلوس ما حلمتش بيها. الرقم اللي قاله التاجر خلّى رضا يسكت. لأنه ببساطة كان أكبر من كل الديون اللي اتكسر
بسببها زمان. لكن بدل ما يبيع القطيع كله زي ما نصحه التاجر، رضا رجع القاهرة وقعد مع هناء في المطبخ الصغير في شقتهم. قال لها فاكرة لما قلتلك سنة واحدة ونبني البيت؟ هناء بصت له وقالت بابتسامة حزينة فاكرة بس الدنيا اختارت طريق تاني. سكت لحظة وبعدين قال يمكن الطريق ده لسه ما خلصش. تاني يوم بدأ رضا يرجع للجبل يومياً. نظف الزرايب القديمة، صلح السقف الصاج اللي اتاكل من المطر، ورجع يشغل البير من جديد. كل يوم كان يقف يبص للقطيع ويبتسم. لأنه فهم حاجة ما كانش فاهمها زمان النجاح مش دايماً بييجي بسرعة. أحياناً بياخد سنين في صمت. بعد شهور قليلة، القطيع بقى منظم تاني، ورضا بقى عنده مشروع أكبر من اللي كان يحلم به أصلاً. الناس في القرى القريبة بقوا ييجوا يشتروا منه، والتجار بقوا يعرفوا طريق الجبل كويس. ومع أول ربح حقيقي، عمل حاجة ما كانش حد متوقعها. رجع للبنك الزراعي بنفسه. دخل على الموظف اللي كان بيطالبه بالديون زمان وقال
له بهدوء جيت أسدد كل حاجة. الموظف بص له باستغراب وهو بيعد الفلوس. لما خرج من البنك، وقف قدام المبنى لحظة ورفع عينه للسماء. لأنه أخيراً حس إن الحمل اللي فوق صدره اختفى. بعد سنة واحدة بس من رجوعه للجبل، رضا اشترى قطعة أرض صغيرة في المنوفية وبنى البيت اللي وعد به هناء من سبع سنين. البيت ما كانش كبير، لكنه كان مليان راحة. وفي يوم افتتاحه وقف رضا في البلكونة وهو شايف هناء بتحط الزرع قدام البيت. قالت له وهي تضحك سبع سنين يا رضا بس الوعد اتنفذ. ضحك وقال واضح إن الجبل كان محتاج وقت أطول شوية. لكن الحقيقة اللي فضل رضا يقولها لكل حد يقابله بعد كده كانت بسيطة جداً أنا سبت حلمي خمس سنين فاكر إنه مات بس طلع بيكبر لوحده. وبعد اللي حصل، بقى كل ما يطلع الجبل ويشوف القطيع الكبير منتشر فوقه يفتكر الليلة اللي نزل فيها مكسور. ويبتسم لأنه عرف إن بعض الخسائر مش نهاية القصة أحياناً بتكون بداية رزق أكبر بكتير مما يتخيله الإنسان.