رجعت من المدرسة في يوم عادي جدًا، يوم يشبه كل الأيام اللي قبله. بنتي الصغيرة، عندها ست سنين، كانت بتجري نحوي بابتسامة بريئة وهي ماسكة ورقة في إيدها. قالت بحماس: “دي ليكي يا مامي.” أخدت الورقة وابتسمت… بس ابتسامتي وقفت لحظة لما بصيت على الرسمة. كان وش غريب… وش بيضاوي شاحب، من غير عينين، وبق رفيع جدًا، وتحت مكان العينين ظلين طويلين كأنهم تجاويف مظلمة. ضحكت بهزار وقلت: “إيه ده؟ وحش جديد؟” هزت راسها بهدوء غريب وقالت: “لا يا مامي… ده جليس الأطفال اللي بيجي بالليل.” ضحكت وقتها وافتكرت الموضوع مجرد خيال طفلة عندها عالمها الخاص. اليوم اللي بعده حصل نفس الشيء. رجعت من المدرسة… جريت عليّ… وادتني رسمة. نفس الوش بالظبط. نفس الشكل. نفس الفراغ مكان العينين. سألتها: “إنتي بتحبي ترسميه أوي كده؟” قالت ببساطة: “عشان هو بيقعد معايا كتير.” ضحكت تاني، بس جوايا حسيت بوخزة صغيرة من القلق. الأيام عدت… يوم ورا يوم… وكل مرة نفس الرسمة. تلات أسابيع كاملة، وكل يوم بنتي ترسم نفس الوش بالمللي. نفس الظلال. نفس الفم الرفيع. نفس الفراغ المخيف
مكان العينين. ليلة من الليالي وأنا بغطيها قبل النوم، سألتها وأنا بحاول أبان عادية: “هو ليه جليس الأطفال بتاعك معندوش عينين؟” حضنت مخدتها بقوة وقالت بصوت هادي جدًا: “عشان هو مش محتاجهم.” ابتسمت بتوتر وقلت: “ليه؟” ردت وهي باصة للسقف: “عشان هو بيقف قريب مني أوي.” حسيت معدتي اتقبضت. سألتها: “قريب فين؟” رفعت إيدها الصغيرة وشاورت على المكان الفاضي جنب سريرها وقالت: “هنا… كل ليلة… أول ما تطفي النور.” الليلة دي فضلت صاحيّة وقت طويل. كنت بحاول أقنع نفسي إن الأطفال أحيانًا بيخلقوا أصدقاء خياليين… وإن ده طبيعي. لكن حاجة في صوتها كانت مختلفة… هدوءها كان غريب. في اليوم اللي بعده اشتريت كاميرا مراقبة صغيرة. ركبتها في أوضتها من غير ما تاخد بالها، وخليتها موجهة ناحية السرير والمكان اللي أشارت له. قلت لنفسي: مجرد احتياط… مجرد عشان أطمن. أول ليلة… مفيش حاجة. بنتي نامت بهدوء طول الليل. تاني ليلة… برضه مفيش حاجة. بدأت أحس إني بتخيل. لكن في الليلة التالتة… الساعة كانت 2:12 بعد نص الليل لما الموبايل اهتز في إيدي. إشعار: “تم رصد
حركة.” قلبي دق بسرعة وأنا بفتح التطبيق. الكاميرا كانت شغالة… وبنتي نايمة على جنبها بهدوء. الأوضة هادية… النور مطفي… وكل حاجة شكلها طبيعي. فضلت أبص للشاشة… دقيقة… دقيقتين… وفجأة… المرتبة جنبها بدأت تنزل لتحت ببطء… كأن فيه وزن تقيل بيضغط عليها. تجمدت مكاني. مكان المفروض إنه فاضي… بدأ يغوص في المرتبة. بعد ثواني… ظهر ظل. مش جسم واضح… مجرد كتلة سوداء كبيرة… واقفة جنب السرير. خيال طويل… ثابت… كأنه بيراقب. نفسي اتقطع وأنا ببص للشاشة. بنتي اتحركت وهي نايمة… وهمست بصوت ضعيف: “أنا رسمتك تاني النهاردة.” الظل مكنش بيتحرك… بس المايك في الكاميرا سجل صوت واحد واضح جدًا… صوت نَفَس بطيء… تقيل… كأن حد واقف قريب من المايك. قفلت التطبيق وأنا إيدي بتترعش. فضلت طول الليل قاعدة في الصالة… مش قادرة أدخل الأوضة. الصبح دخلت عليها وهي بتفرك عينيها. ابتسمت وقالت: “صباح الخير يا مامي.” وكأن مفيش حاجة حصلت. مدت إيدها وادتني رسمة جديدة. نفس الوش… لكن المرة دي… الفم كان مبتسم. ابتسامة طويلة وغريبة. حاولت أتصرف طبيعي. سألتها بهدوء: “هو جليس
الأطفال قالك ترسميه كده؟” هزت راسها وقالت: “هو كان مبسوط.” سألتها: “ليه مبسوط؟” ردت ببساطة: “عشانك شفتيه.” الدم جمد في عروقي. قلت بسرعة: “أنا؟ شفته؟” قالت وهي بتضحك: “آه… هو قال كده.” من اللحظة دي قررت إننا مش هننام في الأوضة دي تاني. نقلت بنتي تنام معايا في غرفتي. لكن أول ليلة هناك… صحيت على صوت خبط خفيف على باب الدولاب. خبط… خبط… خبط. فتحت النور بسرعة. بنتي كانت نايمة جنبي… بس عينيها مفتوحة. بصتلي وقالت بصوت مش شبه صوتها: “هو زعلان… عشان سبتيه لوحده.” جسمي كله اتجمد. سألتها: “مين؟” قالت وهي بتبص ناحية الدولاب: “جليس الأطفال.” في اللحظة دي… باب الدولاب اتحرك ببطء… كأنه حد بيدفعه من جوا. بنتي ابتسمت نفس الابتسامة اللي كانت في الرسمة… وقالت بهدوء مرعب: “متخافيش يا مامي… هو بس عايز يقعد معانا.” وأنا واقفة مكاني مش قادرة أتحرك… بدأت أفهم الحقيقة المرعبة… إن الشيء اللي بنتي كانت بترسمه لمدة تلات أسابيع… مكنش مجرد خيال طفلة… كان بيحاول يتعرف علينا… وكان مستني اللحظة اللي نشوفه فيها… عشان يدخل حياتنا للأبد.