طرد والدته من المنزل
ابنه رماها في المحطة وهو مش عارف إن الشنطة اللي معاها فيها 3 مليون جنيه.
يا أمي.. أنا آسف، بس مش هقدر أكمل وأنا شايل همك، قال هاني وهو بيهرب بعينه منها، أنا عندي حياتي ومستقبلي ومحتاج أركز فيهم.
الكلمات دي فضلت ترن في ودنها زي جرس مش راضي يسكت. كانت قاعدة على مقعد خشب قديم في محطة مصر وسط الزحمة والصريخ وصوت القطر اللي داخل خارج، والناس بتجري حواليها كأن الدنيا بتجري معاهم، بينما هي قاعدة ساكنة، حاسة إن عمرها كله وقف في اللحظة دي. هاني سابها هناك ووعدها إنه هيرجع بعد ما يخلص شوية مصالح، لكن فاطمة كانت عارفة الحقيقة من جوه قلبها الأم عمرها ما بتتخدع. كانت عارفة إن ابنها مش راجع. الشنطة القماش القديمة كانت جنبها على الأرض، شنطة باينة مهلهلة من كتر السنين، مفيش حد ممكن يبص لها مرتين في المحطة المليانة شنط وأكياس ومفيش مخلوق في الدنيا دي كلها يتخيل إن الشنطة دي جواها 3 مليون جنيه.
فاطمة فضلت تبص في الطريق اللي هاني مشي منه، يمكن يرجع، يمكن ضميره يأنبه ويرجع يجري يقولها سامحيني يا أمي. لكن الدقايق عدت وبعدين ساعة وبعدين اتنين وهاني ما رجعش. ساعتها بس دمعة نزلت من عينها ببطء، مش دمعة صريخ ولا نحيب دمعة وجع هادي، وجع ست قضت عمرها كله بتجري ورا ابنها عشان تشوفه سعيد، وفي الآخر رماها في محطة زي شنطة قديمة.
لكن الحكاية دي ما بدأتش النهارده الحكاية بدأت من حوالي 30 سنة. وقتها فاطمة ما كانتش الست العجوز التعبانة اللي قاعدة دلوقتي، كانت ست قوية، ست تشيل جبل على
كان دايماً يقول لها وهو طفل يا أمي لما أكبر هجيبلك فيلا كبيرة في الساحل ونعيش فيها. فتضحك وتقول أنا مش عايزة فيلات يا حبيبي أنا عايزة أشوفك راجل ناجح وبس. وهاني كبر فعلاً، وكان شاطر جداً في دراسته، دخل كلية تجارة، وكان دايماً بيقول إنه عايز يبقى حد مهم في البيزنس. لما اتخرج، سافر القاهرة يشتغل في مجال البورصة والشركات. في الأول كان بيكلم أمه كل أسبوع، يحكي لها عن شغله وعن الناس اللي عرفهم. بعد شوية بقى يكلمها مرة في الشهر وبعدها بقى الاتصال نادر وبعدها اختفى تقريباً. الدنيا الجديدة اللي دخلها غيرته. البدل الغالية، العربيات، المطاعم الفخمة كل ده خلاه يحس إن ماضيه البسيط عيب. بقى يتكسف يقول إن أمه كانت عاملة نظافة. بقى يتكسف من طرحتها وكلامها البسيط. لكن فاطمة عمرها ما حسّت بالكسوف منه بالعكس، كانت كل ما تشوف حد من الجيران تقول بفخر ابني بقى راجل مهم
لكن في سر كبير جداً كان مستخبي طول السنين دي سر محدش يعرفه غير فاطمة. من حوالي عشرين سنة، وهي بتنضف شقة قديمة مهجورة في العتبة كانت ملك لتاجر قماش مات ومفيش حد يعرف له ورثة. وهي بتنضف ورا دولاب قديم، لاحظت إن في جزء من الحيطة غريب. لما حركت الدولاب لقت صندوق صاج مستخبي جوه تجويف في الحيطة. قلبها خبط بسرعة وهي بتفتحه ولما فتحته اتصدمت. كان مليان سبائك دهب صغيرة، وعقود قديمة، وفلوس كتير متخبية من سنين. فاطمة خافت جداً في الأول. لكنها ما خدتش حاجة. راحت تبلغ المحامي اللي كان مسؤول عن تصفية أملاك التاجر. قعدت شهور يحاولوا يدوروا على أي ورثة، لكن ما فيش حد ظهر. وفي الآخر المحكمة قررت إن جزء كبير من التركة يروح للدولة، لكن المحامي أصر إن فاطمة تاخد مكافأة أمانة كبيرة جداً عشان هي اللي بلغت عن الكنز بدل ما تخبيه. ومع بيع الدهب والباقي، المبلغ وصل مع الوقت لحوالي 3 مليون جنيه.
أي حد مكانها كان ممكن يغير حياته لكن فاطمة ما عملتش كده. فضلت عايشة بنفس البساطة، بنفس الشقة القديمة، ونفس الشغل. كانت بتقول لنفسها الفلوس دي ليوم عوزة هاني. وبما إنها ست بسيطة ومبتفهمش في البنوك، فضلت حافظة الفلوس معاها على مراحل لحد ما حطتهم كلهم في شنطة القماش القديمة اللي دايماً شايفاها قدامها. كانت شايفاها أمانة لابنها.
من كام أسبوع، هاني ظهر فجأة في بيتها القديم لكن شكله كان متغير. عيونه فيها خوف وتوتر. قعد قدامها وقال بصوت مكسور يا أمي أنا خسرت كل حاجة. كان داخل في استثمارات
قال لها فجأة يلا يا أمي نخرج شوية نغير جو. ركبت معاه العربية وهي حاسة إن في حاجة غلط، لكن ما قالتش حاجة. فضل سايق لحد ما وصل لمحطة مصر. نزل الشنطة من العربية وقال لها تستناه. لما بدأ يمشي، نادته وقالت يا هاني خد الشنطة دي معاك دي فيها عمرك كله. رد بزهق خليها معاكي يا أمي مش ناقص كراكيب. وبعدين ركب العربية ومشي ومارجعش.
عدت ساعات وفاطمة لسه قاعدة. لحد ما قرب منها راجل كبير كان بيبيع شاي في المحطة وقال لها بلطف يا حاجة إنتِ مستنية حد؟ حكت له القصة ببساطة. الراجل حزن عليها وقال تعالي معايا تشربي شاي لحد ما ابنك يرجع. قامت معاه وهي شايلة الشنطة. قعدوا يتكلموا وفجأة وهي بتفتح الشنطة عشان تطلع منديل، الراجل لمح رزم الفلوس. اتصدم وسألها يا حاجة ده إيه؟! قالت ببساطة دي فلوس ابني كنت هديهاله. الراجل بص لها طويلاً وقال بهدوء ابنك اللي سابك مش مستاهلهم.
في اللحظة دي، فاطمة حسّت إن في حاجة جواها اتكسرت لكن في نفس الوقت حاجة تانية اتولدت. لأول مرة فكرت يمكن الفلوس دي مش لازم تروح له. يمكن ربنا حطها في طريقها لسبب تاني. بعدها بأيام قليلة، وبمساعدة الراجل ده