طرد والدته من المنزل

لمحة نيوز

شريف، بدأت تعمل حاجة محدش توقعها. افتتحت بيت صغير لرعاية الأمهات المسنات اللي أولادهم رموهم في الشوارع. ومع الوقت البيت كبر وبقى ملجأ لعشرات الستات اللي ملهمش حد.
أما هاني فبعد شهور، لما ضغطت عليه الديون وبقى مهدد بالسجن، افتكر أمه فجأة. رجع يدور عليها. راح البيت القديم ملقاش حد. سأل الجيران قالوا له إنها مشيت. فضل يدور لحد ما حد قال له عن دار كبيرة اسمها بيت فاطمة. لما دخل المكان وشاف الأمهات قاعدين حواليها وهي بتضحك معاهم وقف مكانه مذهول. قرب منها وهو مكسور وقال سامحيني يا أمي. بصت له فاطمة بهدوء نفس النظرة الحنينة القديمة لكنها كانت مختلفة شوية. وقالت له بهدوء أنا سامحتك من زمان يا ابني بس الفلوس اللي كنت شايلها عشانك لقيت ناس أولى بيها.
هاني نزلت دموعه لأنه في اللحظة دي بس فهم الحقيقة القاسية هو كان فاكر إنه رمى الفقر وراه لكنه في الحقيقة رمى أغلى كنز في حياته. كنز عمره ما هيتعوض أمه.
مرت شهور طويلة بعد اليوم اللي وقف فيه هاني قدام باب بيت فاطمة ودموعه في عينه وهو بيقول لها سامحيني يا أمي. كان فاكر إن كلمة اعتذار ممكن تمسح كل اللي حصل، لكن الحياة مش دايماً بتمشي بالسهولة دي. فاطمة كانت قاعدة في الصالة الكبيرة للدار حوالين مجموعة من الستات الكبار، بيضحكوا وبيحكوا ذكرياتهم، ولما شافته واقف على الباب قلبها اتقبض للحظة نفس الإحساس القديم رجع، إحساس الأم اللي قلبها بيتحرك بمجرد ما تشوف ابنها، حتى لو هو اللي كسرها. لكنه كان واضح إنه اتغير. البدلة الغالية اختفت، والعربية الفخمة مش موجودة، وشعره اللي كان
دايماً متظبط بقى مبعثر، ووشه باين عليه التعب والسهر والخوف.
هاني قرب خطوة وقال بصوت مكسور أنا غلطت يا أمي غلطت غلطة عمري.
فاطمة بصت له بهدوء، ما صرختش وما عاتبتهوش قدام الناس. قامت وقفت وقالت له تعالى نمشي شوية.
خرجوا يتمشوا في الحديقة الصغيرة اللي ورا الدار. الأشجار كانت بسيطة، لكن المكان كان مليان حياة. ستات كبار قاعدين على كراسي خشب بيتكلموا ويضحكوا، واحدة بتسقي زرع، وواحدة بتقرا قرآن بصوت واطي. هاني بص حواليه باستغراب وقال إيه المكان ده يا أمي؟
ابتسمت فاطمة ابتسامة هادية وقالت ده المكان اللي ربنا هداني ليه بعد ما سيبتني في المحطة.
الكلمة وقعت عليه زي الطوبة. حاول يتكلم لكنه ما عرفش. فاطمة كملت بهدوء
أول يوم قعدت فيه هناك في المحطة كنت فاكرة إن حياتي خلصت لكن ربنا كان كاتب لي بداية جديدة. الراجل اللي ساعدني يومها عرفني على محامي كويس، وساعدني أرتب الفلوس. وقتها فكرت ليه الفلوس دي تفضل متخزنة في شنطة؟ ليه ما تبقاش سبب إن حد تاني يلاقي أمان؟
هاني بلع ريقه وقال بخجل أنا أنا كنت غبي.
لكن فاطمة ما ردتش عليه. كملت كلامها وكأنها بتحكي قصة بعيدة
في أول شهر جبت شقة صغيرة وجبت فيها ستات اتنين كانوا مرميين في الشارع. واحدة ابنها سافر وسابها، والتانية ولادها باعوا بيتها وطردوها. وبعدها واحدة جابت واحدة وبعدها المكان كبر وبقينا دار كاملة.
هاني كان بيسمع وساكت، وكل كلمة كانت بتكسره أكتر.
قال بصوت خافت وأنا؟ أنا مكانتي فين؟
وقفت فاطمة وبصت له مباشرة لأول مرة وقالت
مكانك في قلبي زي ما هو بس حياتي ما بقتش واقفة عليك.

الكلمة دي كانت أصعب حاجة سمعها في حياته. لأنه طول عمره كان فاكر إن أمه هتفضل مستنياه مهما عمل.
لكن المصايب ما كانتش خلصت عند هاني. الديون اللي وراه كانت كبيرة، والدائنين كانوا بيضغطوا عليه بقوة. في يوم وهو قاعد في أوضة صغيرة مستأجرها، الباب خبط بعنف. دخل راجلين غلاظ وقالوا له بوضوح
معاك أسبوع تدفع اللي عليك أو هنخليك تتمنى الموت.
خرجوا وسابوه مرعوب. في اللحظة دي افتكر أمه تاني مش عشان الفلوس بس لكن عشان الأمان اللي كان عنده زمان.
رجع للدار تاني بعد كام يوم. المرة دي ما دخلش متكبر زي زمان دخل بخطوات مترددة. لقى أمه قاعدة مع ست كبيرة ماسكة إيدها وبتضحك معاها. الست قالت لهاني دي ابنك؟ ربنا يخليهولك.
الكلمة كسرت قلبه. لأنه حس إنه ما يستاهلش الدعوة دي.
بعد ما خلصت فاطمة كلامها مع الست، قرب هاني وقال أنا مش جاي عشان فلوس أنا جاي عشانك.
بصت له فاطمة طويلاً، وكأنها بتحاول تشوف الحقيقة جواه. وبعدين قالت
طيب لو عايز تبدأ من جديد ابدأ صح.
هاني استغرب وسأل يعني إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
اشتغل هنا.
فتح عينه بدهشة هنا؟!
قالت بهدوء
الدار محتاجة ناس تساعد محتاجة حد يجيب طلبات، يصلح حاجات، يوصل الستات للدكتور لو فعلاً ندمان، اثبت ده.
في الأول حس إن الموضوع إهانة هو اللي كان بيشتغل في البورصة ويقعد في مطاعم خمس نجوم يبقى عامل خدمات في دار مسنين؟
لكن بعد لحظة سكت لأنه افتكر إنه ما بقاش عنده حاجة يخسرها.
ومن اليوم ده بدأت مرحلة جديدة في حياة هاني.
بقى يصحى بدري يجيب العيش، يساعد في تنظيف المكان، يروح مع واحدة من
الستات للدكتور، يسمع حكاياتهم. في الأول كانوا بيبصوا له بشك لأنهم عرفوا قصته. لكن مع الأيام بدأوا يلاحظوا إنه بيتغير فعلاً.
كان يسمع حكايات مؤلمة
أم اتطردت من بيتها عشان ابنها اتجوز.
وأم تانية أولادها باعوا بيتها وسابوها.
وأم ثالثة ابنها سافر وما سألش عليها بقاله 15 سنة.
كل قصة كانت بتضرب قلبه أكتر. لأنه بدأ يفهم قد إيه الجرح اللي عمله في أمه كان كبير.
مرت سنة كاملة.
وفي يوم كانت فاطمة قاعدة مع المحامي اللي ساعدها من البداية. قال لها
المكان بقى محتاج توسعة في ناس كتير بتطلب تدخل.
فاطمة بصت حواليها وقالت أنا مستعدة.
لكن المفاجأة حصلت لما هاني دخل وقال
وأنا كمان.
الكل بص له باستغراب.
قال بثبات
اشتغلت السنة دي في شغل بسيط وجمعت شوية فلوس مش كتير بس عايز أتبرع بيهم للدار.
فاطمة سكتت لحظة وبعدين دموعها نزلت بهدوء.
مش عشان الفلوس لكن عشان لأول مرة حسّت إن ابنها رجع لها فعلاً.
بعد سنتين، بيت فاطمة بقى واحد من أكبر دور الرعاية في المنطقة. الناس بقت تتبرع، والمتطوعين كتروا، والمكان بقى معروف إنه الملجأ اللي بيرجع الكرامة لأمهات كتير.
وفي يوم افتتاح المبنى الجديد، وقف هاني جنب أمه قدام الحضور.
مسك الميكروفون وقال بصوت واضح
من سنين أنا سيبت أمي في محطة القطر عشان كنت فاكر إنها حمل لكن الحقيقة إن الحمل كان جوايا أنا. الجشع والغرور. أمي ما ادتنيش فلوس بس ادتني فرصة تانية أكون إنسان.
الناس كلها سكتت وبعدين التصفيق علا في المكان.
فاطمة بصت لابنها بابتسامة هادية.
لأنها عرفت في اللحظة دي إن الكنز الحقيقي ما كانش ال
مليون جنيه
الكنز الحقيقي كان إن ابنها رجع إنسان من تاني.

تم نسخ الرابط