عندما وثقت في امي

لمحة نيوز

أنا ماكنتش واثق في مراتي خالص، ويمكن ده كان أكبر غلط عملته في حياتي، بس وقتها كنت شايف إني صح، وكنت مقتنع إن الراجل لازم يبقى حذر حتى مع أقرب الناس ليه. عشان كده قررت قرار غريب شوية: بدل ما أسيب فلوسي في البيت أو أحطها في حساب مشترك مع مراتي، كنت ببعت كل مرتبي تقريبًا لأمي في البلد عشان تحتفظ بيه. كنت بقول لنفسي إن أمي أأمن حد في الدنيا، وإن الفلوس لما تبقى معاها هتفضل في العيلة مهما حصل.

أنا ومراتي لوسيا كنا متجوزين بقالنا سبع سنين. لوسيا ماكنتش من النوع اللي يخطف الأنظار بجماله، لكنها كانت ست طيبة وهادية وبتحب بيتها جدًا. كانت دايمًا تحاول تخلي حياتنا مستقرة حتى لو الظروف صعبة. أنا كنت شغال مشرف في شركة لوجستيات في جوادالاخارا، ومرتبي كان كويس بالنسبة لناس كتير. كل شهر كنت بدي لوسيا خمسة آلاف بيزو لمصاريف البيت، والباقي كنت بحوشه… أو بمعنى أصح، ببعت أغلبه لأمي.

لوسيا عمرها ما اشتكت. كانت بتعرف تدبر نفسها بطريقة غريبة. ساعات تبيع هدوم أونلاين، وساعات تدي دروس خصوصي بالليل عشان تزود الدخل شوية. بالفلوس القليلة اللي معاها كانت بتدفع إيجار الشقة، وفواتير الكهرباء والغاز، ومصاريف الأكل، وكمان مصاريف مدرسة ابننا الصغير. أنا بصراحة ماكنتش مهتم أعرف هي بتعمل ده إزاي. كنت شايف إن ده دورها الطبيعي كزوجة.

في يوم من الأيام، الشركة أعلنت عن مكافأة كبيرة بسبب صفقة ناجحة. لما استلمتها لقيتها تقريبًا ميتين ألف بيزو. بالنسبة لي كان رقم ضخم. رجعت

البيت وأنا فرحان، ولوسيا لما سمعت الخبر ابتسمت وقالت بهدوء إن الأفضل نحط الفلوس دي في حساب توفير باسمنا إحنا الاتنين عشان المستقبل، يمكن نحتاجها في يوم من الأيام. كلامها كان منطقي، لكن أنا رديت عليها ببرود شديد. قلت لها ليه يعني؟ عشان تحتفظي بيها؟ طب لو في يوم قررتي تمشي مع راجل تاني؟ ساعتها هتخدي الفلوس وتمشي. أنا أفضل أديها لأمي… هي اللي تحفظها.

لوسيا ابتسمت ابتسامة حزينة، وكأنها اتعودت على كلامي، وما جادلتنيش. بعد يومين سافرت فعلاً لبلد أمي في قرية صغيرة على أطراف زاكاتيكاس. دخلت البيت القديم اللي اتربيت فيه وسلمت أمي الفلوس كلها. أمي خدت الظرف بسرعة وعينيها لمعت بطريقة غريبة شوية، بس أنا وقتها ماخدتش بالي. قالتلي بثقة إن الفلوس اللي بكسبها لازم تفضل في العيلة، وإنها هتحافظ عليها لحد ما أحتاجها.

من اليوم ده بقى الموضوع عادة. كل شهر تقريبًا كنت أحول جزء كبير من مرتبي لأمي. وكل ما لوسيا تسألني عن الفلوس كنت أرد بعصبية وأقولها إن ده مالي وأنا حر فيه. مع الوقت الخناقات بينا بدأت تزيد. لوسيا كانت بتشتغل كتير ومرهقة، لكني كنت بقول إنها مقصرة. ولما كانت تطلب مني فلوس زيادة لمصاريف المدرسة كنت أتهمها إنها بتبذر الفلوس.

مرة من المرات اتخانقنا خناقة كبيرة جدًا. أنا صرخت فيها وقلت كلام قاسي. قلت لها إن كل اللي عليها تعمله هو تهتم بالبيت والولد، ولو حتى ده مش قادرة تعمله يبقى مالهاش لازمة هنا. ساعتها ما صرختش ولا ردت. بس قامت بهدوء وبدأت تلم

هدومها. أنا كنت فاكر إنها بتهددني وبس. لكن لما خلصت حطت ورقة على الترابيزة. كانت ورقة طلاق جاهزة وممضية.

بصتلي بعينين تعبانين وقالت إنها تعبت من العيشة في بيت صوتها فيه مالوش قيمة. قالت إنها هتاخد ابننا وتمشي. أنا وقتها ضحكت بسخرية وقلت في نفسي إن ده أفضل، على الأقل مش هصرف عليها تاني. مضيت على الورق بسهولة. في المحكمة لوسيا ما طلبتش ولا فلوس ولا بيت، طلبت بس حضانة ابننا. كانت شايلة الطفل في حضنها، وقبل ما تمشي انحنت شوية لأمي احترامًا. وقتها افتكرت إن ده ضعف منها، وقلت لنفسي إنها أكيد هتندم يوم من الأيام.

بعد أسبوع واحد بس من الطلاق، وصلني خبر غريب. جار قديم من بلدنا اتصل بيا وقال إن أمي باعت قطعة الأرض الصغيرة اللي كانت باسمها واشترت بيت كبير في المدينة. استغربت شوية لكن ما اهتمتش. بعد فترة بدأت أحس إن عندي مبلغ كبير المفروض يكون متجمع مع أمي. حسبتها بسرعة ولقيت إن الفلوس اللي بعتها لها على مدار السنين تقرب من خمسة مليون بيزو. ساعتها قررت أروح البلد وأسحبهم عشان أبدأ مشروع صغير.

سافرت وأنا متحمس. دخلت بيت أمي وأنا مبتسم وقلت لها إن الوقت جه آخد الفلوس اللي كانت بتحوشها لي. أمي سكتت شوية، وبعدين قالت جملة واحدة بس: “فلوس إيه يا ابني؟ أنا صرفتهم.”

الكلمة وقعت عليا زي المطرقة. سألتها يعني إيه صرفتيهم؟ قالت ببساطة إنها استخدمت جزء كبير منهم عشان تعيش مرتاحة، وجزء تاني عشان تساعد إخواتي وأولادهم. وقالت إن ده طبيعي لأن الفلوس كانت في

إيديها وهي حرة فيها. حسيت الأرض بتلف بيا. حاولت أفهمها إن دي فلوسي أنا، لكن ردت ببرود وقالت إن الأم أولى بفلوس ابنها من أي حد.

وقتها حسيت إن الدنيا بتنهار فوق دماغي. الفلوس اللي ضيعت سنين بحوشها اختفت. والأسوأ من كده إن مراتي اللي كنت بشك فيها عمرها ما خدت مني حاجة. خرجت من بيت أمي وأنا مش قادر أمشي كويس. قعدت على الرصيف قدام البيت ودموعي نزلت من غير صوت. لأول مرة بدأت أفكر في كل حاجة حصلت.

افتكرت لوسيا وهي بتشتغل ليل ونهار عشان البيت يمشي. افتكرت إزاي كانت دايمًا تحاول تقنعني نحوش سوا للمستقبل. افتكرت نظرتها الحزينة لما قلت لها إني مش واثق فيها. ساعتها بس فهمت إن الست الوحيدة اللي كانت فعلًا أمينة معايا هي اللي أنا طردتها من حياتي بإيدي.

رجعت المدينة وأنا محطم. حاولت أعرف أخبار لوسيا من بعض المعارف. عرفت إنها انتقلت لمدينة تانية، واشتغلت في مدرسة خاصة. قالولي إنها بتربي ابننا كويس، وإنه شاطر في دراسته. سمعت كمان إنها اشترت شقة صغيرة بعد سنين من التعب والشغل.

بعد شهور طويلة من التردد، قررت أروح أشوف ابني. لما شفته واقف قدامي حسيت بوجع غريب في صدري. كان كبر شوية وبقى شبه أمه. لوسيا استقبلتني بهدوء. ما شتمتنيش ولا عايرتني. بس كان واضح إن في جدار كبير بينا.

اعتذرت لها لأول مرة في حياتي. قلت لها إني كنت غبي وإن شكي دمر كل حاجة. هي سكتت لحظة وبعدين قالت إن الماضي خلاص انتهى، وإن أهم حاجة دلوقتي هي ابننا. سمحت لي أشوفه من وقت للتاني،

لكن رجوعنا لبعض ما كانش مطروح.

تم نسخ الرابط