عندما وثقت في امي

لمحة نيوز

رجعت بيتي في الليلة دي وأنا فاهم أخيرًا الدرس اللي دفعت تمنه غالي جدًا: الشك أحيانًا ما بيحميش الإنسان… الشك ممكن يدمر حياته بالكامل. أنا خسرت فلوسي، وخسرت بيتي، وخسرت الست الوحيدة اللي كانت فعلًا واقفة جنبي. وكل ده حصل لأنني وثقت في المكان الغلط… وشكيت في الشخص الصح. ومن يومها وأنا عايش بندم هادئ، بندم بيذكرني كل يوم إن بعض الأخطاء في الحياة ما ينفعش تتصلح مهما حاولت.

بعد الزيارة دي، رجعت لشقتي وأنا حاسس إن المكان بقى أضيق من قبل. نفس الجدران، نفس الكرسي اللي كنت بقعد عليه كل ليلة، بس الإحساس مختلف تمامًا. لأول مرة أحس إن البيت فاضي بجد، مش فاضي من الناس بس… فاضي من المعنى. كنت فاكر إن الطلاق هيخليني مرتاح، وإن المشاكل هتختفي، لكن اللي حصل إن الصمت بقى تقيل جدًا لدرجة إنه بيوجع.

فضلت أيام كتير أفكر في كل حاجة حصلت. كل كلمة قاسية قلتها للوسيا كانت بترجع في دماغي زي الصدى. كنت فاكر إن الراجل لازم يبقى مسيطر، وإن الشك نوع من الذكاء… لكن الحقيقة إن الشك كان خوف، وأنا كنت خايف من غير سبب.

بعد فترة، حاولت أركز في شغلي تاني. لكن حتى الشغل ما بقاش زي زمان. تركيزي ضعيف، ومرات كتير كنت

بسرح وأنا قدام الكمبيوتر. المدير لاحظ ده أكتر من مرة. وفي يوم استدعاني مكتبه وقال لي بصراحة إن أدائي بقى أقل بكتير، وإن الشركة محتاجة ناس تركيزهم كامل. حاولت أتماسك، لكن الحقيقة إني كنت منهار من جوا.

بعد كام شهر، خسرت الوظيفة اللي كنت فاكرها أمان حياتي.

وقتها حسيت إن الأرض انسحبت من تحت رجلي للمرة التانية. ما بقاش عندي فلوس تقريبًا، ولا عيلة، ولا حتى شغل ثابت. لأول مرة في حياتي حسيت بطعم الوحدة الحقيقي.

عدت شهور وأنا بتنقل بين شغلانات مؤقتة. أحيانًا أشتغل في مخزن، وأحيانًا أساعد في نقل بضايع. الفلوس قليلة، بس كانت بتكفيني بالكاد. وفي كل مرة أرجع فيها بالليل، كنت أفتح الموبايل وأبص على صورة قديمة لابني وهو صغير.

في يوم قررت أزور ابني تاني. جبت له لعبة بسيطة من اللي قدرت أشتريها. لما فتح الباب وشافني، جري عليا وحضني. اللحظة دي كسرت قلبي وفي نفس الوقت داوت جزء منه. حسيت إن لسه في حاجة ممكن أصلحها… حتى لو كانت صغيرة.

لوسيا كانت واقفة بعيد شوية بتراقب المشهد. ملامحها اتغيرت عن زمان. بقت أقوى، وفي عينيها هدوء غريب. بعد ما الولد دخل يلعب، قعدنا نتكلم شوية. سألتها عن حياتها، فقالت إنها

اشتغلت سنين كتير عشان تبني حياة مستقرة ليها وللابن. قالت إن الأيام ما كانتش سهلة، لكنها اتعلمت تعتمد على نفسها.

وقتها سألتها سؤال كان بيدور في دماغي من زمان:
ليه يوم الطلاق ما طلبتيش ولا حاجة مني؟

بصتلي لحظة طويلة وبعدين قالت بهدوء:
“لأن اللي بيعيش مع حد غصب عنه… بيخسر نفسه. أنا ماكنتش عايزة آخد منك حاجة وإنت شايفني عبء.”

الكلام كان بسيط… لكنه دخل قلبي زي السهم.

فضلت بعد كده أزور ابني كل شوية. مع الوقت العلاقة بينا اتحسنت شوية. كنت باخده نتمشى في الحديقة أو ناكل آيس كريم. اللحظات دي كانت بتخليني أحس إن لسه في معنى للحياة.

لكن في يوم من الأيام حصل موقف خلاني أفهم حاجة أكبر بكتير.

كنت قاعد مع ابني في الحديقة، وهو كان بيحكي بحماس عن مدرسته. فجأة قال لي جملة خلتني أتجمد مكاني. قال:
“ماما كانت دايمًا بتقول إنك بتحبني… بس كنت زعلان شوية.”

سألته:
يعني إيه؟

قال ببساطة الأطفال:
“كانت بتقول إن بابا طيب… بس خايف زيادة.”

ساعتها حسيت بشيء ينكسر جوايا.

لوسيا، رغم كل اللي عملته فيها، عمرها ما شوهت صورتي قدام ابني. بالعكس… كانت بتحاول تحافظ على صورتي كأب كويس.

رجعت البيت الليلة دي وأنا

حاسس إن الست دي كانت أنضف بكتير مما استاهلت. أنا اللي خسرتها… مش هي.

مرت سنتين بعد الطلاق. حياتي بدأت تستقر شوية. لقيت شغل ثابت في شركة أصغر، وبدأت أجمع فلوس من جديد، ولو ببطء. لكن الدرس اللي اتعلمته كان أغلى من أي مبلغ.

في يوم وأنا راجع من الشغل، لقيت رسالة من رقم غريب. كانت من لوسيا. كتبت بس جملة قصيرة:
“ابنك فاز بجائزة في المدرسة… هيكون مبسوط لو حضرت.”

رحت الحفل وأنا متوتر. لما شفت ابني واقف على المسرح بياخد الجائزة، حسيت بفخر ما حسيتوش قبل كده. بعد الحفل جري عليا وحضني قدام الناس كلها.

في اللحظة دي، بصيت للوسيا وهي واقفة بعيد. ابتسمت لي ابتسامة خفيفة… مش ابتسامة حب، لكن ابتسامة سلام.

يمكن إحنا عمرنا ما هنرجع لبعض.
ويمكن الجرح اللي حصل بينا أكبر من إنه يتصلح.

لكن الحقيقة اللي فهمتها أخيرًا إن بعض الناس بتيجي في حياتنا عشان تعلمنا أهم الدروس… حتى لو كلفنا ده أغلى حاجة عندنا.

وأنا… دفعت الثمن كامل.

خسرت فلوسي، وخسرت ثقة نفسي، وخسرت البيت اللي كان ممكن يبقى أسعد مكان في حياتي.

لكن الشيء الوحيد اللي ربنا سابه لي… هو فرصة إني أكون أب أحسن لابني.

ومن يومها، كل ما أبص له… بافتكر

إن الثقة كانت ممكن تبني حياة كاملة… لكن الشك قدر يهدمها في لحظة.

تم نسخ الرابط