أنا عمري ما هنسى اللحظة اللي قرأت فيها الرسالة دي… “تعالي لو عايزة.. إحنا حجزنالك مكان.” الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تكسرني نصين، مش عشان بس معناها، لكن عشان جت من أخويا الصغير… اللي كنت أنا أمه قبل ما أكون أخته. فضلت باصة للموبايل وقت طويل، كأني مستنية الكلام يتغير لوحده، كأني مستنية يقول “بهزر” أو “معلش غصب عني”، لكن مفيش… سكون تقيل زي اللي في قلبي بالظبط. الشقة كانت هادية بطريقة مرعبة، ومن بعيد كنت سامعة صوت الأغاني والزغاريد جاي من القاعة، نفس القاعة اللي المفروض أكون فيها جنبه، مش قاعدة لوحدي بلم بقايا كرامتي. حاولت أقنع نفسي إن يمكن فيه سوء تفاهم، يمكن هو مضغوط، يمكن حد غصبه، لكن جوايا صوت تاني كان بيقول الحقيقة اللي أنا خايفة منها: “إنتي اتشطبتي من حياته بإرادته.” الوقت عدى ببطء قاتل، وكل ذكرى بينا كانت بترجع تضربني… أول مرة مسك إيدي ومشي، أول مرة قالي “أنا بحبك يا أختي”، أول مرة دافع عني… كل ده راح فين؟ فجأة رن الموبايل، عمتي بصوت متوتر قالتلي “لازم تيجي… فيه حاجة لازم تشوفيها بنفسك”، قلبي اتقبض بس عنادي كان أقوى، رفضت أكون أنا اللي بتجري وراهم، قفلت المكالمة وحاولت أشغل نفسي، بس الكباية وقعت من إيدي واتكسرت، وصوتها كان كأنه إعلان إن اللي جاي مش سهل. بعدها على طول سمعت خبط
على الباب… تلات خبطات تقيلة، هادية، منظمة، مش خبط عشوائي… خبط واحد عارف هو بيعمل إيه. قلبي كان بيدق بعنف، مشيت لحد الباب وفتحته… ملقيتش حد، بس كان فيه ظرف أبيض على الأرض، تقيل، واسمي مكتوب عليه بخط إيد أنا حافظاه كويس… خط أخويا. إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك الظرف، حسيت إنه تقيل مش بس بورق… تقيل بحقيقة أنا مش مستعدة لها. دخلت وقفلت الباب، وقفت في نص الصالة، وبصيت للظرف كأنه قنبلة. حاولت أهرب، أسيبه، أرجعه، لكن فضولي وخوفي شدوني، فتحت الظرف ببطء… وأول حاجة وقعت في إيدي كانت صورة. صورة قديمة… أنا وهو صغيرين، وأنا شايله وهو بيضحك. دموعي نزلت غصب عني، بس ده كان بس البداية. طلعت باقي الصور… صور ليا وأنا بشتغل، وأنا بتخانق مع أهلي عشانه، وأنا واقفة قدام المدرسة مستنياه… كل لحظة ضحيت فيها كانت متصورة. وتحت الصور كان فيه ورقة مطوية. فتحتها، وكان فيها خطه… “عارف إنك بتكرهيني دلوقتي… ويمكن بعد اللي هتشوفيه تكرهيني أكتر… بس أنا مجبر. الليلة دي مش فرحي الحقيقي… ده تمثيل. هم قالولي يا إما أعمل كده يا إما هتخسرك للأبد. في حاجات مستخبية عنك طول عمرك… والظرف ده فيه البداية بس. لو عايزة الحقيقة كلها… تعالي القاعة… بس متدخليش من الباب الرئيسي. في باب جانبي ورا القاعة… استنيني هناك الساعة 10.” قريت الكلام
أكتر من مرة، مش مصدقة. “هم” مين؟ ومجبر إزاي؟ وليه كل التمثيل ده؟ بصيت للساعة… كانت 9:40. قلبي بدأ يدق بسرعة، الخوف اختلط بالأمل، يمكن أخويا مش ندل… يمكن في مصيبة أكبر. لبست بسرعة وخرجت، رجلي كانت بتتهز بس كنت مكملة. وصلت القاعة، الأنوار عالية والأصوات مالية المكان، بس أنا لفيت من ورا زي ما قال. الباب الجانبي كان شبه مهجور، ضلمة وساكت. وقفت مستنية، وكل ثانية كانت بتعدي كأنها ساعة، لحد ما الباب اتفتح فجأة… وطلع أخويا. كان لابس بدلة الفرح، بس وشه كان مكسور، عينه حمرا كأنه كان بيعيط. أول ما شافني، جري عليا حضني بقوة، وقال بصوت مبحوح “أنا آسف… والله العظيم أنا آسف.” دفعتُه بعيد وبصيتله بصدمة “إيه اللي بيحصل؟ إنت عملت فيا كده ليه؟” بص حواليه بتوتر وقال “مفيش وقت… لازم تعرفي الحقيقة.” مسكني من إيدي ووداني لمخزن صغير ورا القاعة، قفل الباب وقال “الليلة دي مش فرحي… دي صفقة.” حسيت الدنيا بتلف، قولتله “صفقة إيه؟” قال بصوت مكسور “أبويا… عليه ديون كبيرة، ناس خطر… هددوه ياخدوا كل حاجة… وأنا كنت الحل.” اتجمدت مكاني، قال وهو بيبص في الأرض “جوزوني بنت واحد من الناس دول… عشان يسقطوا الديون… وأنا وافقت… بس بشرط.” رفعت عيني عليه، قال “إنهم يبعدوكي عن الموضوع كله… لأنك لو عرفتي، كنتي هتوقفي كل حاجة… وهم
مش عايزين مشاكل.” حسيت بغصة في قلبي “يعني قررت تبيع نفسك… وتبيعني أنا كمان؟” دموعه نزلت “أنا كنت بحاول أحميكي… بس في نفس الوقت… مقدرتش أستحمل أبقى بعيد عنك… عشان كده بعتلك الظرف.” سكت لحظة وبعدين قال “بس ده مش كل حاجة.” فتح درج صغير وطلع ملف… إداهولي. فتحته… واتصدمت. أوراق تثبت إن أبويا… مش أبويا الحقيقي. وإن أنا… متبنية. رجعت خطوة لورا، مش قادرة أستوعب. قال بصوت مهزوز “الحقيقة دي كانوا مخبينها عنك… وأنا عرفتها بالصدفة… وهددوني بيها عشان أسكت.” الدنيا كلها اتشقلبت… العيلة اللي ضحيت عشانها… مش عيلتي؟ والأخ اللي حسيت إنه باعني… كان بيحاول ينقذني بطريقته؟ قعدت على الأرض وأنا حاسة إن كل حاجة بتنهار، وهو نزل جنبي وقال “أنا عارف إني جرحتك… بس والله ما كان في إيدي.” سألته بصوت مكسور “والحل؟ هنفضل كده؟” بصلي بعين فيها إصرار وقال “لأ… الليلة دي بداية النهاية… مش النهاية. إحنا هنواجههم… سوا.” وفي اللحظة دي، صوت خبط جامد على باب المخزن قطع كلامنا، وصوت حد بيصرخ “إفتحوا الباب!” بصلي أخويا وقال “واضح إنهم عرفوا…” مسكت إيده لأول مرة من ساعة ما شفته، وقلت “المرة دي… مش هسيبك لوحدك.” وكانت دي اللحظة اللي فهمت فيها… إن الظرف مش بس كشف الحقيقة… ده رجعلي أخويا… وفتح باب حرب عمرنا ما كنا متخيلينها.