باع زوج امي
باع زوج أمي دمه حتى أستطيع إكمال دراستي وبعد سنوات، عندما أصبحت أتقاضى راتبًا يتجاوز ثلاثة ملايين دينار عراقي شهريًا، جاء يطلب مني المساعدة... فقلت له لن أعطيك دينارًا واحدًا.
أبو سيف لم يكن والدي الحقيقي.
لكنه كان الشخص الوحيد الذي لم يتركني وحدي.
توفيت أمي عندما كان عمري عشر سنوات. أما أبي البيولوجي فاختفى من حياتي قبل أن أتمكن حتى من تذكر ملامحه. وكل أقاربي كانوا يرددون الجملة نفسها
مسكين الولد... لكن إحنا ما نكدر نتكفل بيه.
وحده أبو سيف، الرجل الذي أحب أمي بصمت لسنوات طويلة، رفع يده وقال
الولد يجي وياي.
كنا نعيش في غرفة صغيرة مستأجرة بأحد أحياء بغداد الشعبية قرب نهر دجلة. كان يحمل البضائع في سوق الشورجة، ويصلح الدراجات، ويقضي طلبات الناس على دراجته النارية القديمة، ومع ذلك كان يجد دائمًا طريقة لأذهب إلى المدرسة بملابس نظيفة ودفاتر جديدة.
في إحدى المرات احتجت مبلغًا ماليًا لدورة دراسية مهمة.
أعطاني أوراقًا نقدية مهترئة ما زالت تفوح منها رائحة المستشفى.
خذ يابا.
سألته
منين جبتها؟
حك رأسه بخجل وقال
رحت تبرعت بالدم. ما بيها شي.
في تلك الليلة بكيت بصمت وأنا أضع الوسادة على وجهي.
من الذي يبيع دمه من أجل طفل لا يحمل اسمه؟
هو فعلها.
وليس مرة واحدة.
بل مرات كثيرة.
وعندما تم قبولي في جامعة بغداد، احتضنني أبو سيف وكأنني حققت أعظم إنجاز في الدنيا.
وقال
ادرس يابا. اطلع من هالحياة. ترى أني مو باقي للأبد.
ووعدته يومها أنني سأرد له كل ما فعله من أجلي.
لكن عندما حصلت على وظيفة ممتازة في شركة تقنية كبيرة داخل بغداد، لم يقبل أن يأخذ مني أي شيء.
كان يقول دائمًا
خزن فلوسك. الأب ما ياخذ ثمن تعبه ويه ابنه.
مرت عشر سنوات.
وأصبح
شقة جميلة.
سيارة حديثة.
ساعة فاخرة.
أما هو فبقي يعيش في الغرفة نفسها، بقمصانه البالية وأحذيته المرقعة.
وفي أحد الأيام جاء إلى منزلي.
كان نحيفًا.
وأكبر سنًا مما أتذكر.
ويداه ترتجفان.
جلس على طرف الأريكة وكأنه يخشى أن يوسخها.
وقال بصوت منخفض
يابا... محتاج أطلب منك طلب.
شعرت بانقباض في صدري.
قلت
احچي يابه.
خفض رأسه وقال
الدكتور كال أحتاج عملية جراحية. تكلف تقريبًا ثلاثين مليون دينار. أدري المبلغ كبير. أريده سلفة، وأرجعلك إياه شوي شوي، حتى لو أبيع حلوى بالشارع.
نظرت إليه.
إلى الرجل الذي أعطى دمه من أجلي.
إلى الرجل الذي كان يكتفي بأبسط الطعام بينما يشتري لي الكتب الجديدة.
إلى الرجل الذي لم يقل لي يومًا لا.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت أبشع جملة نطقتها في حياتي
ما أگدر. وما راح أعطيك دينار واحد.
تجمد أبو سيف في مكانه.
وامتلأت عيناه بالدموع.
لكنه لم يعترض.
ولم يغضب.
اكتفى بأن هز رأسه ببطء وقال
أفهم يابا. سامحني إذا أزعجتك.
ثم نهض وكأنه رجل محطم.
أخذ قبعته القديمة واتجه نحو الباب.
وأنا لم أوقفه.
عندما خرج، نظرت إليّ زوجتي بصدمة وقالت
شلون كدرت تسوي بيه هيچ؟
لم أجبها.
أخذت مفاتيح السيارة ونزلت إلى المرآب.
ثم تبعت أبا سيف من بعيد.
لم يذهب إلى المستشفى.
ولم يذهب إلى أي طبيب.
بل مشى حتى وصل إلى مسجد صغير في أحد الأزقة وجلس خارجه.
ثم انحنى وأخفى وجهه بين يديه وبدأ يبكي.
عندها أخرجت الظرف الذي كنت أخفيه منذ ثلاثة أشهر.
كان بداخله وصل العملية مدفوعًا بالكامل.
وسندات بيت جديد مسجل باسمه.
ووثيقة لم أستطع يومًا أن أكمل قراءتها حتى النهاية.
لأن السطر الأول منها كان يقول
فحص الحمض النووي أبو
الجزء الثاني.. سيكشف ماذا كان مكتوبًا بعد كلمة بل هو...، ولماذا لم يكن رفض سيف للمال كما فهمه أبو سيف... وقفتُ مكاني، والرسالة على شاشة الهاتف ما زالت تلمع كأنها تهددني شخصيًا.
إذا عرفت الحقيقة لا ترجع للبيت
رفعت عيني لأبو سيف.
كان وجهه قد تغيّر تمامًا.
لم يعد الرجل الهادئ الذي أعرفه.
كان هناك توتر قديم في عينيه، كأنه استعاد خوفًا دفنه منذ سنوات طويلة.
قلت بصوت منخفض
منو هذا الرقم؟
لم يجب مباشرة.
أخذ الهاتف من يدي، نظر إلى الرسالة، ثم أغلقه ببطء.
وقال
كنت أعرف إن اليوم راح يجي.
شعرت أن قلبي يسقط.
تقصد شنو؟
نهض ببطء، ونظر حوله كأنه يتأكد أن لا أحد يسمعنا.
ثم قال
أبوك الحقيقي ما كان ميت وما كان بعيد مثل ما كنت أگلك.
تجمد الهواء في صدري.
كان قريب؟
هز رأسه
قريب أكثر مما تتصور.
ثم أضاف بصوت أخفض
هو اللي أرسل الرسالة.
شعرت أن الأرض تدور.
صرخت
إذا هو حي ليش كل هذا السنين؟ ليش سكت؟
أبو سيف جلس مرة أخرى، وكأنه يحمل ثقل عمر كامل على كتفيه.
وقال
لأن الحقيقة الأولى اللي لازم تعرفها مو عن الخيانة ولا الغياب.
سكت لحظة.
ثم أكمل
أمك ما هربت منك فقط هربت منه هو بالذات.
تجمدت.
كان إنسان خطير؟
لم يجب مباشرة، ثم قال
كان له نفوذ وأشياء أكبر من مجرد عائلة.
أخرج من جيبه مفتاحًا معدنياً قديماً.
وضعه في يدي.
هذا المفتاح يفتح خزنة قديمة باسم أمك في بنك صغير وسط بغداد.
نظرت له بعدم فهم.
شنو بيها؟
قال
كل الحقيقة اللي ما انكتبت في أي ورقة DNA.
ثم وقف فجأة.
ولازم تروح قبل ما يوصل لك هو أول.
سألته بسرعة
وإنت وين تجي؟
نظر لي نظرة طويلة، فيها حزن وقرار نهائي.
وقال
أنا اللي كنت حاجز الطريق بينك وبينه كل هالسنين
اقترب
واليوم انتهى دوري.
قبل أن أتكلم
سمعت صوت دراجة نارية تقترب بسرعة من نهاية الزقاق.
صوت واحد فقط.
لكن كان كافي يخلي أبو سيف يهمس
وصل
وانطفأ كل شيء حولي وقفتُ عند آخر سطر، ويدي ترتجف وهي تمسك الورقة.
فحص الحمض النووي أبو سيف ليس زوج أم سيف... بل هو
توقّف كل شيء حولي.
حتى صوت الهواء في المرآب اختفى.
أعدت قراءة السطر مرة أخرى وكأنني أبحث عن معنى جديد
بل هو
لكن الورقة كانت ممزقة من الأسفل، وكأن أحدهم تعمّد ألا يتركني أكمل الجملة.
شعرت أن الأرض لا تثبت تحت قدمي.
عدت بسرعة إلى المسجد.
كان أبو سيف ما زال جالسًا في نفس المكان رأسه بين يديه لا يتحرك.
اقتربت منه بصوت مكسور
عمو أبو سيف
رفع رأسه ببطء، وعيناه حمراوان من البكاء.
قلت وأنا أتنفس بصعوبة
هاي الورقة شنو معناها؟
نظر إليّ نظرة طويلة نظرة رجل يعرف أن لحظة الحقيقة وصلت.
ثم قال بصوت هادئ بشكل غريب
وصلت لها إذن ما بقى سر.
سكت قليلاً، ثم أشار إلى المقعد بجانبه
اجلس حتى تفهم كل شي من البداية.
جلست، وقلبي يضرب كأنه يريد الخروج من صدري.
قال
يوم أمك توفت ما كان عندها أحد في الدنيا غيري.
ابتلعت ريقي.
تابع
لكن الحقيقة اللي ما كنت تعرفها إن أمك قبل ما تموت كانت مخبية رسالة.
تجمدت.
أخرج من جيبه ظرفًا قديماً أصفر اللون، نفس نوع الورق الذي رأيته في المستشفى.
وقال
هاي الرسالة انكتبت قبل وفاتها بشهرين.
فتحها ببطء، وناولني إياها.
بدأت أقرأ
إذا وصل هذا الكلام لابني، فاعلم أن الحقيقة كلها كانت أثقل من أن أقولها لك وأنا على قيد الحياة
توقفت يدي.
رفعت عيني لأبو سيف.
قال بصوت منخفض
كمّل.
واصلت القراءة
أبوك الحقيقي لم يختفِ لكنه كان سببًا في مأساة كبيرة، وخفت عليك منه
توقفت مرة أخرى.
الصدمة بدأت تتغير.
لم تعد عن خيانة بل عن هروب وحماية.
رفعت رأسي
يعني أبي الحقيقي كان موجود؟
أبو سيف هز رأسه
موجود وكان يدور عليك طول