باع زوج امي

لمحة نيوز

السنين.
شعرت أن الهواء أصبح أثقل.
قلت
و إنت شنو علاقتك بكل هذا؟
صمت.
ثم قال الجملة التي كسرت كل التوقعات
أنا ما كنت زوج أمك ولا مجرد رجل ساعدك
اقترب مني أكثر
أنا كنت الشخص اللي استلمك رسميًا من المستشفى يوم ولادتك لأن أبوك الحقيقي طلب مني أحميك بأي طريقة.
تجمدت.
قال بهدوء
وحتى الدم اللي كنت أتبرع بيه ما كان صدفة.
ابتسم ابتسامة موجوعة
كان نفس فصيلتك كنت أرجع أشتري لك الحياة بدمّي كل مرة.
شعرت بدوار.
كل الصورة التي بنيتها في رأسي بدأت تنهار.
سألته بصوت مرتجف
وال شنو يثبت؟
نظر إليّ وقال
يثبت إنك مو غريب عني بس مو بالطريقة اللي كنت تتخيلها.
ثم أضاف
أنت مو يتيم أنت أمانة.
وفي تلك اللحظة
سمعت صوت رسالة على هاتفي.
من رقم مجهول.
مكتوب فيها
إذا عرفت الحقيقة، لا ترجع للبيت لأن اللي كنت تهرب منه طول عمرك عرف إنك وصلت.
رفعت رأسي ببطء نحو أبو سيف
فوجدته للمرة الأولى خائفًا وقفتُ كأن قدماي أصبحتا من حجر.
صوت الدراجة النارية كان يقترب أكثر أكثر حتى صار يهز جدران الزقاق الضيق.
أبو سيف أمسك ذراعي فجأة وقال بصوت حاد لأول مرة
لا تتحرك مهما صار.
نظرت إليه بصدمة
هو هنا؟
هز رأسه بسرعة
مو هنا عشان يحچي هنا عشان ينهي كل شي.
انطفأت أنوار الشارع فجأة.
ظلام كامل.
حتى صوت الدراجة توقف عند مدخل الزقاق.
سكون مرعب.
ثم خطوة واحدة.
ثم أخرى.
وصوت رجل يقول من بعيد، هادئ بشكل يخوف أكثر من الصراخ
طلّع الولد يا أبو سيف كافي لعب.
شعرت أن دمي تجمّد.
همست
يعرف اسمك
أبو سيف لم يرد.
فقط ضغط على يدي بقوة، ثم دفعني باتجاه باب صغير خلف المسجد.
امشي لا تلتفت.
لكن قبل أن أتحرك، أمسك كتفي فجأة وقال
إذا وصلت للخزنة لا تفتحها وحدك.
سألته بسرعة
ليش؟
ابتسم
ابتسامة قصيرة موجوعة
لأن اللي داخلها مو بس أوراق.
وفجأة، صوت خطوات اقترب بسرعة من جهتنا.
أبو سيف دفعني داخل الممر الخلفي وقال
امشِ الآن!
ركضت.
ركضت حتى اختفى صوته خلفي.
وخلف الجدار سمعت صوته لأول مرة وهو يواجه القادم
تأخرت الولد صار بعيدي.
صوت الرجل الآخر رد بهدوء
مستحيل يبعد الدم يدل طريقه.
توقفت لحظة وأنا أختبئ خلف باب خشبي قديم.
الدم يدل طريقه
تكررت الجملة في رأسي.
أي دم؟
دم مين؟
خرجت من المسجد عبر ممر ضيق خلفي، وقلبي يضرب بعنف.
أخرجت المفتاح من جيبي.
كان دافئًا بشكل غريب.
وكأن أحدهم كان ماسكه قبلي مباشرة.
ركضت نحو العنوان المكتوب على ظهر الظرف
بنك النهر القديم خزنة رقم 17
لكن أثناء الركض
وصلتني رسالة ثانية على الهاتف من نفس الرقم المجهول
أنت تظن أنك تهرب للحقيقة لكن الحقيقة هي اللي تجري وراك.
رفعت رأسي
فوجدت سيارة سوداء تقف في آخر الشارع.
والباب الخلفي يفتح ببطء توقّفتُ في مكاني، والمفتاح في يدي صار كأنه قطعة حديد تحترق.
باب السيارة السوداء كان مفتوحًا بالكامل الآن.
لكن لا أحد نزل فورًا.
صمت.
ثم ظهر ظلّ داخل السيارة، يتحرك ببطء شديد، كأنه يعرف أنني أنظر إليه.
خطوة ثم توقف.
سمعت صوت أبو سيف من بعيد، يصرخ
امشِ! لا توقف!
لكن الصوت كان يضيع بين الفراغ والخوف.
عدت خطوة للخلف ثم خطوة أخرى.
وفي لحظة غير متوقعة، انطفأت إنارة الشارع بالكامل.
صار المكان ظلامًا شبه كامل، لا أرى فيه سوى انعكاس السيارة اللامع.
ثم جاء الصوت من داخلها هذه المرة أقرب.
ما تحتاج تهرب إحنا نعرف وين رايح.
تجمدت.
الصوت لم يكن غريبًا عليّ.
كان فيه شيء مألوف.
كأنه صوت سمعته في طفولتي، لكن عقلي رفض يتذكره.
خطوة أخرى.
الظل نزل من السيارة.
لكن
بدل أن يتقدم نحوي
وقف تحت ضوء خافت عاد فجأة.
وهناك رأيته.
رجل في منتصف العمر.
وجهه هادئ بشكل مرعب.
وعيناه لا تحملان أي غضب فقط يقين.
قال بصوت منخفض
أخيرًا شفتك.
تراجعت بسرعة
إنت منو؟
ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا لكنها كسرت شيء داخلي في صدري.
أنا اللي كنت أراقبك من أول يوم دخلت فيه الجامعة.
تجمدت أكثر.
مستحيل
رفع يده وأخرج من جيبه صورة قديمة.
رميها نحوي.
سقطت عند قدمي.
نظرت إليها
ووقفت الأرض تحت رأسي.
كانت صورة لي وأنا طفل صغير جدًا واقف بجانب أبو سيف لكن خلفنا مباشرة كان هذا الرجل نفسه واقفًا.
كأنه كان موجودًا في كل لحظة من حياتي دون أن أراه.
رفعت رأسي ببطء
شنو تريد مني؟
اقترب خطوة واحدة فقط.
وقال بهدوء
ما أريد منك شيء.
سكت.
ثم أضاف
أنا أريد أرجعك لمكانك الحقيقي.
وفي تلك اللحظة
سمعت صوت أبو سيف ينهار في الخلف لأول مرة، يصرخ
لا تسمعه! هذا مو الحقيقة!
لكن الرجل رفع يده وقال جملة واحدة جعلت الدم يتوقف في عروقي
اسأله هو ليش كان يخبيك مني طول هالسنين؟
التفتُ بسرعة نحو أبو سيف.
كان يقف عند طرف الزقاق يلهث وعيناه لأول مرة لا تهربان من نظري.
بل تواجهني مباشرة.
وبصوت مكسور قال
لأنك لو عرفت الحقيقة من البداية ما كنت راح تعيش حياتك أصلًا الصمت الذي بيننا لم يعد صمتًا كان كأنه جدار ينضغط علينا من كل الجهات.
نظرتُ إلى أبو سيف، ويدي التي تمسك الهاتف ترتجف
كذب عليّ؟
لم يرفع رأسه.
وهذا كان الجواب الأخطر.
الرجل الآخر اقترب أكثر من السيارة، ووضع يده على الملف السميك وقال بهدوء
الحقيقة ما تنقال دفعة وحدة تنفتح صفحة صفحة.
ثم التفت إليّ
وأنت الآن عند الصفحة اللي بعدها مباشرة.
أبو سيف أخيرًا تكلم، لكن صوته كان مكسورًا
لا تسمعه هذا
ما يريد لك الحقيقة هذا يريدك تنكسر.
صرخت
وإذا أنت مو كاذب، ليش ما قلت كل شيء من البداية؟
تقدم خطوة، ثم توقف كأنه يقاتل نفسه
لأنك لو عرفت كنت راح تختار تمشي بنفسك نحو نهايتك.
سكت لحظة، ثم أضاف
وأنا ما كنت أقدر أخليك تمشي.
تجمدت.
نهايتك
ترددت الكلمة في رأسي.
في تلك اللحظة، تحرك الرجل الآخر فجأة، وفتح الملف.
صفحة واحدة ظهرت.
صورة.
سقط قلبي قبل عيني.
كانت صورة غرفة عمليات إضاءة قوية وطفل صغير جدًا موضوع على طاولة وحول الطفل ثلاثة أشخاص، أحدهم كان أبو سيف.
لكن الشيء الذي صعقني أكثر
هو أن هناك جهاز مراقبة في الصورة يسجل كل شيء، وعلى الشاشة مكتوب
الطفل رقم 17 حالة خاصة جدًا.
رفعت رأسي ببطء
أنا رقم؟
الرجل أومأ بهدوء
مو اسم مشروع.
أبو سيف صرخ فجأة
كافي!
لكن الرجل أكمل دون توقف
مشروع تم إيقافه قبل ما يكتمل وأنت الوحيد اللي نجى منه.
شعرت بدوار.
كل ما عشته المدرسة الفقر الدم التضحية
صار فجأة جزء من شيء أكبر بكثير من حياتي.
خطوت للخلف، والمفتاح سقط من يدي على الأرض.
في تلك اللحظة
اهتزت الأرض تحتنا.
صوت انفجار بعيد.
ثم انقطع كل شيء لثانية.
وعندما رفعت رأسي
لم يكن أبو سيف في مكانه.
اختفى.
والرجل الآخر فقط قال بهدوء
بدأوا يوصلون له قبل ما يوصل لك الحقيقة كاملة توقفتُ عن التنفس للحظة.
الجملة لم تكن تهديدًا كانت حكمًا.
ما كنت راح تعيش حياتك أصلًا.
نظرت إلى أبو سيف، ويدي ترتجف
شنو تقصد؟
لكن قبل أن يجيب، الرجل الآخر تقدم خطوة أخرى وقال بهدوء
هو يقصد إن حياتك كلها كانت خطة حماية مو حياة طبيعية.
أبو سيف صرخ لأول مرة
اسكت!
لكن الرجل لم يتوقف، وكأنه لا يخاف شيئًا
أنت مو مجرد طفل تم إنقاذه أنت شاهد.
تجمدت.
شاهد على شنو؟
صمت.
ثم
قال
على ليلة ما تننسى.
في تلك اللحظة، انفتح باب السيارة السوداء بالكامل.
وظهر داخلها ملف سميك مغلق بختم قديم.
الرجل أشار إليه
هذا الملف فيه كل شيء اللي صار، واللي انخبا عنك، وليش أمك ماتت وهي مو مطمئنة.
اقتربت
تم نسخ الرابط