توسلت الي ابنتي بقلم دقات قلب
توسلت إليَّ ابنتي ألا أسافر في رحلة العمل تلك، ثم همست وهي ترتجف
يا أبي... كلما غادرت البيت تأخذني جدتي إلى مكان غريب وتطلب مني ألا أخبرك.
عندها ألغيت سفري فورًا، ولم أخبر أحدًا بما فعلت، ثم قررت أن أراقب ما يحدث بنفسي.
وفي الساعة التاسعة صباحًا، رأيت حماتي تمسك بيد ابنتي وتغادر بها المنزل.
تبعتُهما.
وعندما اكتشفت إلى أين كانت تأخذها...
طلبت المساعدة فورًا.
كان من المفترض أن أسافر إلى بغداد مع شروق الشمس لحضور مؤتمر إعلامي، لكن ابنتي أخبرتني بشيء جعل الرحلة كلها تفقد أهميتها.
كانت حقيبتي موضوعة قرب الباب منذ الفجر.
بطاقة المؤتمر مطبوعة.
وملاحظاتي مرتبة بعناية بجوار المفاتيح.
كل شيء في صباح ذلك الثلاثاء كان يبدو طبيعيًا.
النوع من الحياة اليومية الذي يجعلك تعتقد أن منزلك آمن تمامًا.
كانت رائحة القهوة العربية تعبق في المطبخ.
وضوء الصباح يتسلل عبر الستائر.
أما ابنتي مريم فكانت جالسة في مكانها المعتاد.
صامتة.
تحدق في طبق الإفطار دون أن تمد يدها إليه.
وأخيرًا قالت بصوت خافت يكاد يضيع وسط أزيز الثلاجة
أبي...
التفتُ نحوها ببطء وأسندتُ كتفي إلى الخزانة الخشبية بينما كنت أتأمل وجهها باهتمام.
نعم يا صغيرتي؟
ترددت لثوانٍ طويلة، وكانت أصابعها تلتف حول حافة الطاولة بعصبية واضحة، وكأنها تجمع شجاعتها لتطرح سؤالًا سبق أن طرحته أكثر من مرة.
قالت أخيرًا
هل يجب حقًا أن تسافر إلى بغداد؟
كانت تلك هي المرة الثالثة التي تسألني فيها منذ الليلة الماضية.
وشعرتُ بذلك الوخز المعتاد من تأنيب الضمير الذي كان يرافق كل رحلة عمل تضطرني إلى الابتعاد عن أسرتي.
فالمؤتمر الإعلامي الذي سيُقام في بغداد كان مدرجًا على جدول أعمالي منذ أشهر طويلة؛ ثلاثة أيام كاملة من اللقاءات المهنية، وعروض المشاريع الجديدة، ومحاولات الحصول على دعم مالي.
وكان كل ذلك مهمًا للغاية.
لكن القلق المرسوم على وجه ابنتي جعل تلك الأولويات كلها تبدو أقل أهمية بكثير مما كانت عليه قبل دقائق.
اقتربتُ منها وجلست إلى جوارها قائلًا بلطف
إنها ثلاثة أيام فقط يا مريم. ستبقين هنا مع أمكِ وجدتكِ أمينة، وأنتِ دائمًا تقولين إنكِ تحبين قضاء الوقت معهما.
عندها مرّ شيء سريع فوق ملامحها.
شيء كاد يفوتني لولا أنني كنت أراقبها جيدًا.
الخوف.
لم يكن حزنًا عاديًا بسبب غيابي.
ولم يكن قلقًا طفوليًا مؤقتًا.
بل كان خوفًا حقيقيًا.
وضعتُ قدح القهوة فوق الطاولة ببطء، ثم انحنيت حتى أصبح وجهي في مستوى وجهها تمامًا.
وقلت
ماذا هناك يا مريم؟
نظرت نحو الممر المؤدي إلى داخل المنزل، وكأنها تخشى أن يكون أحدهم يستمع إلينا، ثم اقتربت مني أكثر حتى تحول صوتها إلى همسة بالكاد تُسمع.
عندما تسافر...
توقفت للحظة.
ثم أكملت
جدتي أمينة تأخذني إلى مكان ما.
شعرتُ بمعدتي تنقبض فجأة.
لكنني حافظت على هدوئي وسألتها
أي مكان؟
ابتلعت ريقها وقالت
وتطلب مني ألا أخبرك أنت أو أمي.
ثم أضافت بصوت مرتجف
وتقول إنه سر خاص بيننا.
اختفت ابتسامتي فورًا.
كانت والدة زوجتي زينب تقيم في الملحق الصغير داخل منزلنا منذ ستة أشهر.
بعد وفاة زوجها، بدا الأمر طبيعيًا.
بل بدا تصرفًا يمدحه الجميع.
عائلة متماسكة.
وجدة تساعد في رعاية حفيدتها.
وكان الجيران دائمًا يبدون إعجابهم بها.
لم يكن أحد يشك في شيء.
حافظ أحمد على هدوئه بصعوبة رغم أن قلبه بدأ يخفق بعنف.
وسألها
إلى أين تأخذك؟
هزت رأسها ببطء.
لا أعرف اسم المكان.
ثم مسحت دموعها بطرف كمّها.
إنه بيت كبير له باب أزرق... وأحيانًا يكون هناك أطفال آخرون أيضًا.
بدأ طنين الدم يملأ أذني أحمد.
وسألها
وماذا يحدث هناك؟
أجابت بعد تردد
يوجد رجال ونساء يجعلوننا نفعل أشياء.
شعر وكأن الأرض تميد قليلًا تحت قدميه.
وقال بصوت منخفض
أي أشياء؟
ارتجفت شفتاها.
ثم همست
يلتقطون لنا صورًا.
ساد الصمت.
وأكملت بصعوبة
ويجعلوننا نرتدي ملابس مختلفة... ويطلبون منا أن نبتسم... وأن نفعل أشياء لا أحبها.
سألتها
هل تحبين الذهاب إلى ذلك المكان؟
جاء الرد سريعًا.
لا.
لم أطرح المزيد من الأسئلة.
لم أشأ أن أدفعها إلى تذكر ما لا تستطيع وصفه.
فتحت ذراعي فقط.
فاندفعت نحوي وكأنها كانت تنتظر الإذن لتتوقف عن حمل هذا السر وحدها.
همست لها
لقد فعلتِ الشيء الصحيح.
دفنت وجهها في كتفي.
وقالت
جدتي قالت إنني سأسبب المشاكل إذا أخبرتكم.. سنكتشف في الجزء الثاني سر الجدة وووو
حافظ أحمد شدّ على ابنتِه أكثر، كأنه يحاول يثبت لنفسه إنها لسه بين إيديه فعلًا.
وقال بصوت منخفض، وهو بيحاول يوازن بين غضبه وخوفه ومين الست اللي معاهم؟ جدتكِ قالت لكِ اسم حد هناك؟
هزّت مريم رأسها بسرعة لأ بس هي بتقول دا شغل مهم ومش لازم حد يعرف.
كلمة شغل كانت كفيلة إنها تعمل شرخ جديد في رأسه.
لأن الجدة عمرها ما كانت تشتغل. ولا حتى تخرج بالطفلة إلا لزيارة قريبة أو سوق قريب جدًا مش بيت كبير بباب أزرق.
وقف فجأة.
ثم قال وهو يحاول يكون هادي انتي هتروحي المدرسة عادي النهارده ومش هتخرجي مع أي حد غير لما أرجع أنا.
هزّت مريم رأسها بسرعة كأنها كانت محتاجة القرار ده من زمان.
لكن اللي كان جواه كان بيغلي.
طلع موبايله فورًا، وكتب رقم زوجته.
زينب مريم قالت حاجة خطيرة جدًا. متخليش أمكِ تخرج بيها خالص النهارده.
الرد جاله بعد دقايق إنت بتبالغ زي العادة أمي مستحيل تعمل حاجة غلط.
الجملة دي كانت أخطر من أي اعتراف.
لأنه فجأة فهم إن المشكلة مش بس في المكان المشكلة إن مفيش حد مصدّق.
في الساعة 855 صباحًا، قرر أحمد يعمل حاجة واحدة يراقب بنفسه.
وقف عند الباب الداخلي للبيت، وعيونه على ممر الملحق.
وفي 903
فتح الباب.
خرجت الجدة أمينة.
لكن اللي خلا قلبه يوقع في رجله
إن مريم كانت ماسكة إيدها فعلًا.
ومش بس كده
كانت لابسة هدوم مختلفة تمامًا عن اللي خرجت بيها الصبح.
هدوم ما يعرفهاش.
ولا هو اشترى زيها يومًا.
الجدة ابتسمت ابتسامة قصيرة جدًا، وكأنها حست إن فيه حد بيراقب.
وبهدوء غريب قالت لمريم يلا يا حبيبتي متتأخريش.
في اللحظة دي أحمد ما استناش.
نزل السلم بسرعة، وصوته انفجر لأول مرة مريم!
التفتت الطفلة.
وفي ثانية واحدة
شدّها ناحيته.
لكن اللي صدمه فعلًا
إن الجدة ما صرختش. ما حاولتش تمنعه. ما جريتش وراه.
بس وقفت مكانها
وقالت بهدوء مرعب أنت كده بوّظت كل حاجة.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان أثقل من أي صراخ.
أحمد رفع عينه لها وقال كل حاجة إيه؟ وإيه المكان ده؟!
ابتسمت الجدة ابتسامة صغيرة جدًا، وقالت
لما تسأل الأسئلة دي بيبدأوا يلاحظوك.
وفجأة هزّ صوت خفيف من الشارع الباب الحديدي قدام البيت.
كأنه حد كان مستني اللحظة دي بالذات.
أحمد لف بسرعة ناحية الصوت
لكن اللي شافه خلى الدم يبرد في عروقه
عربية سوداء واقفة قدام البيت
والباب الخلفي بيتفتح ببطء الباب الخلفي للعربية السوداء اتفتح ببطء كأنه مش بيتفتح بإرادة بشر كأنه بيتسحب سحب.
وأحمد واقف في مكانه، ماسك مريم بإيده، ودمه كله بيخبط في صدغه.
اللي نزل من العربية ماكانش سواق عادي.
كان راجل لابس بدلة داكنة، ملامحه هادية زيادة عن اللزوم الهدوء اللي يخوف أكتر من أي تهديد.
بص ناحية البيت مباشرة.
كأنه كان عارف إنهم جوّه بيبصوا عليه.
وقال بصوت مسموع جدًا رغم المسافة مفيش داعي للقلق الموضوع بسيط.
الجدة أمينة ردت من ورا أحمد، بصوت واطي جدًا شفت؟ قلت لك أنت استعجلت.
أحمد لفّ بسرعة استعجلت إيه؟ أنتي بتاخدي بنتي فين؟!
مريم بدأت ترتجف أكتر، وشدت في إيده كأنها بتتأكد إنه مش هيسيبها.
لكن الجدة قالت جملة خلت الهواء يتجمد دي مش بنتك لوحدك.
سكت لحظة.
وبهدوء مرعب كملت