كان عمري 12 سنه
كان عمري 12 سنة، لما بدأت القصة اللي غيرت حياتنا من غير ما أفهم وقتها إنها بداية أصلاً.
كل اللي فاكرُه إني كنت ماشية ورا أمي وأنا رايحة معها الشغل لأول مرة. قالتلي إنها محتاجة حد يساعدها في تسليم حاجة مهمة، وإنها هتخليني أشوف مكان شغلها عشان أفرح وأحس إني كبيرة.
المكان كان بعيد، مبنى قديم من بره، بس من جوه شكله مختلف ممرات طويلة، وإضاءة بيضا قوية، وناس كتير بتتحرك بسرعة وكأن كل واحد شايل سر تقيل جواه.
أمي كانت متوترة طول الطريق، مش زي عادتها. مش بتتكلم كتير، وبتبص حواليها كأنها بتتأكد إن محدش بيلاحظها.
وقفت عند باب فولاذي تقيل، وقالتلي بصوت واطي استني هنا دقيقة ومهما حصل، ماتتحركيش.
دخلت وسابتني.
عدت دقايق وبقت نص ساعة.
الوقت كان بيعدّي تقيل بشكل غريب، لدرجة إني بدأت أحس إن المكان نفسه بيبصلي. لحد ما سمعت خطوات سريعة مشي جري.
باب تاني اتفتح في آخر الممر وخرجت أمي.
بس كانت مختلفة.
وشها شاحب، وعينيها فيها حاجة مش مفهومة خوف؟ ولا قرار صعب؟ مش عارفة.
مسكت إيدي بسرعة وقالت يلا نمشي دلوقتي.
مفيش شرح. مفيش أي كلمة زيادة.
ركبنا المواصلات في صمت، وكل ما أحاول أسأل في إيه يا ماما؟ حصل حاجة؟ كانت ترد بجملة واحدة بس لما نوصل هتفهمي.
بس إحنا ماوصلناش لفهم.
لأن أول ما دخلنا البيت، لقيت بابا واقف، باين عليه القلق، وقالها اتأخرتي ليه؟
ساعتها أمي سكتت سكوت غريب، طويل، كأنه قرار مش كلام.
وبعدين قالت جملة واحدة بس من النهاردة لازم تختفوا شوية.
الكلام وقع على البيت كأنه حجر.
أختي الصغيرة بدأت تعيط، وأنا واقفة مش فاهمة حاجة.
بابا سألها بعصبية نختفي من مين؟ وإيه الكلام ده؟
لكن أمي ماجاوبتش.
بدل ما ترد، طلعت شنطة قديمة من دولاب المطبخ وبدأت تحط فيها حاجاتنا بسرعة، بإيدين بترتعش لأول مرة أشوفها كده.
وبصتلي نظرة عمري ما هنساها.
مش نظرة أم بتسيب بيتها.
لا.
نظرة حد بيحاول ينقذ بيته.
وقالتلي بصوت منخفض في حاجة إنتي لسه ما تعرفيهاش ولو عرفتيها بدري، ممكن تخسري نفسك.
ساعتها بس حسيت إن الموضوع أكبر من أي خناقة أو أي سبب بسيط.
بابا قرب منها وقال بهدوء مخيف إنتي عملتي إيه؟
وأمي ردت أنا ماعملتش حاجة أنا بس شفت حاجة ماكانش ينفع تتشاف.
وفي اللحظة دي النور قطع.
وكل حاجة في البيت دخلت في عتمة كاملة.
وسمعت صوت باب الشقة بيتقفل من برا
ببطء
كأنه حد بيقفل علينا فصل كامل من حياتنا.
ومن يومها ماما اختفت.
لا رسالة واضحة.
لا مكالمة.
ولا أي تفسير.
بس اللي فضل معايا ورقة واحدة لقيتها بعد سنين، مكتوب فيها اسمي بخط إيدها
لو وصلتي للورقة دي يبقى إنتي كبرتي كفاية تعرفي الحقيقة.
وساعتها بس فهمت إن اختفاء أمي ماكانش هروب.
كان بداية سر أكبر مننا كلنا
يتبع الورقة اللي كانت في إيدي اتكورت من شدة رعشة صوابعي حرف واحد فيها كان كفيل يخليني أرجع أقرأها عشر مرات
الحقيقة.
كلمة واحدة بس بس كانت تقيلة كأنها باب بيتقفل ورا ألف سؤال.
قفلتها بسرعة ورفعتها على صدري، كأني بخبيها من الدنيا كلها. من نفسي حتى.
عدّت سنين والورقة دي كانت دايمًا محشورة بين حاجاتي، بس عمري ما قدرت أفتحها تاني. كأنها لو اتفتحت هتفتح حاجة جوايا أنا مش جاهزة لها.
لحد الليلة دي.
نور أختي كانت واقفة قدامي، عينيها مليانة خوف مش عادي، وبتقول أنا لقيت حاجة تانية.
مدت إيديها بكيس قديم متشال بعناية غريبة، كأنه مش متساب صدفة لأ، كأنه متخبّي عمداً.
فتحته بإيدي المرتعشة.
جواه
مفاتيح قديمة.
كارنيه باسم أمي.
وصورة مش صورة عائلية.
صورة أمي واقفة قدام باب نفس المبنى اللي شفتها فيه زمان بس المرة دي كانت لوحدها، ووشها مش ضايع ولا خايف
كانت واقفة بثبات غريب كأنها هي اللي ماسكة المكان كله مش العكس.
قلبي وقع.
نور قالت بصوت مكسور بابا كان مخبي دول في صندوق مقفول تحت الأرض وكتب عليه كلمة واحدة بس
سكتت.
بصيت لها كلمة إيه؟
بلعت ريقها وقالت لو رجعت.
ساعتها حسيت الدنيا بتلف.
لو رجعت؟
يعني هي كانت متوقعة ترجع؟
يعني هي ما اختفتش هي كانت موجودة في مكان تاني؟
قمت فجأة، وقلبي بيخبط إنتي بتقولي إن بابا كان عارف؟
نور ما ردتش بس دموعها كانت رد كافي.
في اللحظة دي الباب خبط.
خبطتين بس.
خفاف محسوبين.
وقفت مكاننا.
مفيش حد بيخبط على بابنا كده بالليل.
الخبط اتكرر.
مرة واحدة.
وبعدين صوت رجولي هادي من ورا الباب قال أنا لازم أتكلم مع زهراء.
سكت البيت كله.
نور بصتلي وهمست إحنا ما قولناش لحد إننا لقينا الحاجات دي
وقلبي قاللي حاجة واحدة بس
اللي واقف ورا الباب مش جاي صدفة.
قربت من الباب ببطء وكل خطوة كانت بتسحب من عمري سنة.
حطيت إيدي على المقبض
وسمعت جملة خلت دمي يتجمد
أنا كنت مع أمك آخر يوم قبل ما تختفي.
يتبع إيدي اتجمدت على مقبض الباب.
الجملة اللي جاية من ورا الباب ما كانتش عادية كانت زي مفتاح بيفتح حاجة جوا دماغي أنا حتى مش عارفة أقفلها تاني.
كنت مع أمك آخر يوم قبل ما تختفي
نور مسكت في طرف هدومي، ووشها شاحب ما تفتحيش
بس صوتي كان أسبق مني إنت مين؟
سكت لحظة وبعدين قال بهدوء غريب أنا اللي سبت ليكي الورقة.
ساعتها قلبي وقف.
نفس الورقة نفس الخط نفس الإحساس اللي خلاني أعيش سنين وأنا شايلة سؤال أكبر مني.
فتحت الباب ببطء.
الممر كان فاضي.
مفيش حد.
بس على الأرض كان في ظرف أبيض صغير متساب بعناية، كأنه اتسلم بإيد ما بتغلطش.
نور بصتلي بصدمة هو فين؟
انحنيت أخده