مراتي دايما
مراتي دايمًا تقولّي أنا بحبك وماليش غيرك، أوعى تبعد عني.
كنت أبصلها بسخرية وأضحك وأقول هروح فين يعني؟
بعد فترة من جوازنا أبوها مات، وبعدها تعلقها بيا زاد جدًا، لأني تقريبًا بقيت كل حاجة في حياتها. وده خلاني أحس إني مهما عملت فيها هتسامحني، ومهما قصرت معاها هتفضل متمسكة بيا.
الشعور ده دخل جوايا غرور كبير.
بقيت أقضي أغلب وقتي بره البيت مع أصحابي، وأسهر بالساعات، وأرجع متأخر من غير ما أهتم بمشاعرها أو تعبها. ولو اتكلمت أو زعلت كنت أتعصب عليها، وهي كانت تسكت وتحاول تصلح الموقف.
كنت بحس إني ملك وماسك الدنيا بحالها. وجودها في حياتي بقى أمر مفروغ منه، خصوصًا إني بشوف واحدة بتدي من غير مقابل؛ بيتي نضيف، وبنتي متربية أحسن تربية، والأكل جاهز، وكل حاجة ماشية بهدوء.
ومع الوقت بدأت أنشغل أكتر بنفسي وشغلي وخروجاتي، وبقيت أتعامل مع اهتمامها وحبها كأنهم حق مكتسب.
لحد ما في يوم رجعت البيت وأنا مقتنع إن مفيش حاجة ممكن تتغير، وقولت لها ببرود
بصي يا ياسمين، أنا قررت أعيش بالطريقة اللي تريحني، ومش عايز حد يحاسبني على وقتي أو خروجي أو رجوعي.
كنت متوقع إنها تعترض أو تبكي أو تتوسل زي كل مرة.
لكن اللي حصل بعدها خلاني أتجمد مكاني...ساد الصمت في الغرفة بعد جملتي الأخيرة.
كنت مستني أي رد أي صرخة أي دمعة.
لكن ياسمين رفعت عينيها ليا بهدوء غريب، هدوء مقلق مش مفهوم.
قالت بصوت منخفض
فهمت.
كلمة واحدة.
بس كانت كفيلة تخلي قلبي يضرب أسرع من الطبيعي.
استنيت تكمل لكنها قامت من مكانها بهدوء، وراحت ناحية أوضة النوم.
من غير نقاش.
من غير عتاب.
من غير حتى ما تبصلي تاني.
وقتها حسيت لأول مرة إن البيت اتغير.
مش هي اللي اتغيرت البيت نفسه بقى غريب.
عدّى اليوم كله من غير كلام.
أنا قاعد في الصالة، مستني أي حاجة تحصل.
لكن مفيش.
لا صوت زعل، لا لوم، لا حتى سؤال عني.
الغريب إنها كانت بتتحرك في البيت بهدوء شديد كأنها بتعيش لوحدها وأنا مش موجود.
بالليل، دخلت المطبخ أجيب مية.
لقيتها واقفة قدام الحوض، بتغسل طبق واحد بس.
سألتها باستفزاز
هتفضلي ساكتة كده كتير؟
ردت من غير ما تبصلي
مش ساكتة أنا بس بفكر.
في إيه؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت جملة خلت إيدي اللي ماسكة الكوباية ترتعش
في أول مرة فهمت فيها إني لوحدي وأنا متجوزة.
ساعتها حسيت بحاجة بتكسر جوايا.
بس كبرت غروري وقلت بحدة
يعني إيه الكلام ده؟
قفلت المية، والتفتت لي لأول مرة بنظرة مختلفة تمامًا.
مش نظرة خوف.
ولا حب.
ولا ضعف.
نظرة قرار.
وقالت
يعني من النهارده أنا هبدأ أعيش.
سكت.
مش لقيت رد.
لأني أول مرة أحس إن تهديدي مش فارق.
خرجت من المطبخ وسيبتني واقف.
وفي نفس الليلة
سمعت صوت باب الأوضة بيتقفل بالمفتاح من جوه.
قفلة هادية.
بس كانت أقوى من أي خناقة.
تاني يوم صحيت على صوت الباب الخارجي بيتقفل.
قمت بسرعة.
دخلت الصالة
ملقتش شنطة سفر.
ولا هدوم.
ولا أي علامة إنها ماشية.
بس لقيت ورقة صغيرة على السفرة.
كتبت فيها بخط هادي جدًا
أنا مش بسبك أنا بس بوقف اللي كنت بعمله لنفسي.
وقتها حسيت لأول مرة بخوف حقيقي.
مش خوف إن مراتي تزعل.
خوف إن مراتي تفهم وتكمل من غيري.
خرجت أجري بره الشقة وأنا مش عارف رايحة فين.
بس أول ما نزلت على السلم
سمعت صوت عربيّة بتتحرك بعيد.
بصيت من البلكونة بسرعة
والمشهد اللي شفته خلاني أقف مكاني متجمد.
العربية كانت بتبعد
وهي قاعدة جواها
لكن اللي صدمني مش إنها ماشية.
اللي صدمني إنها كانت
ببتسم.
وقفت مكاني فوق السلم مش قادر أصدق اللي شفته.
ابتسامتها كانت هادية مش شماتة ولا انتصار، لكن حاجة أسوأ بالنسبة ليا.
كانت راحة.
كأنها لأول مرة بتتنفس من غير ضغط.
العربية اختفت في آخر الشارع، وسابتني واقف لوحدي قدام فراغ غريب.
رجعت الشقة بسرعة.
دخلت.
البيت كان زي ما هو نفس الكراسي، نفس الريحة، نفس التفاصيل.
بس الغريب إنه بقى فاضي.
مش فاضي من الأثاث
فاضي منها.
قعدت على الكنبة وفضلت أبص حواليا كأني بدور عليها جوا الحيطان.
كل حاجة كانت بتفكرني بيها.
حتى الهدوء نفسه كان بيزعق.
عدّى اليوم.
وبعده يومين.
مفيش أي رسالة.
مفيش أي اتصال.
حتى بنتي كانت عند قرايبها، والبيت بقى ساكت بشكل يخنق.
بدأ القلق يتحول لجنون صغير جوا دماغي.
أنا لأول مرة مش عارف هي فين.
ولا بتعمل إيه.
ولا ناوية على إيه.
وفي اليوم التالت، جالي اتصال.
رقم غريب.
رديت بسرعة
ألو؟
صوتها جه هادي جدًا
أنا كويسة.
سكت لحظة وبعدين قلت
إنتي فين؟
قالت
في مكان قريب بس بعيد عن نفسيتك القديمة.
جملة غريبة.
قلت بعصبية
يعني إيه الكلام ده؟ ارجعي البيت ونخلص.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت حاجة خلتني أسكت أنا
أنا مش ماشية عشان أسيبك أنا ماشية عشان ما أضيعش أكتر من كده.
سألتها بسرعة
يعني إيه تضيعي؟
قالت بصوت ثابت
أضيّع نفسي وأنا مستنياك تتغير من غير ما تختار.
وسكّتت.
وبعدين أكملت
أنا اتأخرت سنين وأنا فاكرة إن الحب كفاية بس اكتشفت إنه لوحده مش كفاية من غير احترام.
الكلمات دخلت جوايا زي سكينة باردة.
حاولت أرد بس لقيت نفسي ساكت.
أول مرة في حياتي.
هي كملت
لما تهدى وتفكر بجد هتفهم إن أنا ماخدتش حاجة منك أنا بس رجعت نفسي لنفسي.
وقفلت.
سابتني مع التليفون في إيدي وصوت الصمت أعلى من أي كلام.
عدّت أيام بعدها.
وكل يوم كنت بكتشف حاجة جديدة مش فيها هي
فيا أنا.
إزاي كنت شايف الحب ملكية.
وإزاي كنت فاكر إن وجودها مضمون مهما عملت.
وإزاي أول ما سابت المساحة اكتشفت إني مش ماسك حاجة أصلًا.
وفي ليلة متأخرة
الجرس رن.
قمت بسرعة.
فتحت الباب
ولقيت بنتي واقفة.
بس اللي معاها
مش ياسمين.
كان ظرف صغير في