مرات ابني بقلم مني السيد
المحتويات
ما...
شخص هيقلب حياة البيت كله رأسًا على عقب...!في الليلة دي...
ماحدش في البيت نام مرتاح.
نجلاء كانت ماشية رايحة جاية في الصالة.
وأحمد قاعد ساكت، عينيه ثابتة على ورقة الإخطار.
أما الحاجة أمينة فكانت قاعدة في أوضتها، ماسكة صورة قديمة ليها وهي شايلة أحمد وهو طفل صغير.
بصتلها طويل...
وهمست
يا خسارة يا ابني... يا خسارة.
تاني يوم الصبح...
سمعوا جرس الباب.
فتحت نجلاء وهي متوترة.
ولقت راجل كبير في الستينات، لابس بدلة شيك، ومعاه شنطة جلد.
أول ما شافته الحاجة أمينة قامت من مكانها.
أهلاً يا أستاذ فؤاد.
نجلاء استغربت.
وأحمد اتجمد مكانه.
لأنه عرف الراجل فورًا.
كان المحامي القديم اللي كان بيتعامل مع أبوه الله يرحمه.
دخل وقعد.
وطلع ملف سميك جدًا.
وقال بهدوء
كل الأوراق جاهزة يا حاجة أمينة.
هنا بدأت نجلاء تقلق بجد.
أوراق إيه؟
المحامي فتح الملف.
وأخرج عقد الشقة الأصلي.
وحطه على الترابيزة.
الشقة دي مسجلة باسم السيدة أمينة بالكامل.
نجلاء خطفت العقد.
قلبت الصفحات بسرعة.
ومع كل صفحة كان وشها بيصفر أكتر.
مستحيل!
أما أحمد فكان ساكت.
لأنه لأول مرة يكتشف إن أمه كانت مخبية أكتر مما تخيل.
في الأيام اللي بعدها...
اتغير أسلوب نجلاء فجأة.
بقت تدخل للحاجة أمينة العصير لأوضتها.
وتسألها
محتاجة حاجة يا ماما؟
وتجيب لها أكل سخن مخصوص.
وتقعد جنبها تحاول تضحكها.
لكن الحاجة أمينة كانت بتبص لها وتبتسم بس.
ابتسامة هادية.
كأنها شايفة كل حاجة.
وفي يوم دخل عمر لأوضة جدته وسألها
تيتا... ليه ماما بقت طيبة فجأة؟
ضحكت الحاجة أمينة.
وربتت على شعره.
مش كل الناس يا حبيبي بتتغير عشان الحب.
في ناس بتتغير عشان الخوف.
عمر سكت شوية.
ثم قال
وأنا بحبك عشان إنتِ تيتا بس.
نزلت دمعة من عين الحاجة أمينة.
لأن الطفل الصغير فهم حاجة الكبار ما فهموهاش.
بعد أسبوع...
الحاجة أمينة طلبت تجمع الكل بعد العشا.
أحمد.
ونجلاء.
وعمر.
والمحامي فؤاد.
أول ما قعدوا قالت بهدوء
عندي قرار مهم.
نجلاء ابتسمت بسرعة.
اللي تشوفيه يا ماما.
لكن الحاجة أمينة تجاهلتها.
وفتحت ملف صغير كان قدامها.
وقالت
أنا كتبت وصيتي.
هنا اتسعت عيون الجميع.
حتى أحمد رفع رأسه بسرعة.
المحامي بدأ يقرأ.
أوصي بكامل مدخراتي وأملاكي لمن يستحقها...
ابتلعت نجلاء ريقها.
وأحمد شد أعصابه.
أما عمر فكان مش فاهم حاجة.
ثم أكمل المحامي
وسيتم إعلان المستفيد النهائي بعد تنفيذ شرط وضعته السيدة أمينة بنفسها.
نجلاء صرخت
شرط إيه؟
ابتسمت الحاجة أمينة لأول مرة.
وقالت
اختبار.
سكت الجميع.
اختبار هيكشف مين بيحب الحاجة أمينة الإنسانة... ومين بيحب الحاجة أمينة صاحبة الفلوس.
وفجأة أخرجت ظرفًا مغلقًا.
وحطته فوق الترابيزة.
ثم قالت
من النهارده... أنا هسيب البيت لمدة شهر كامل.
شهقت نجلاء.
هتمشي؟
أيوه.
وهتروحي فين؟
ابتسمت الحاجة أمينة.
المكان مش مهم.
ثم أشارت للظرف.
المهم إن الإجابة كلها موجودة جوه الظرف ده.
وأي حد يفتحه قبل رجوعي...
هيخسر كل حاجة.
هنا ساد الصمت.
لكن الحاجة أمينة كانت عارفة إن الليلة دي مجرد البداية...
لأنها قبل ساعات قليلة فقط، كانت قد نقلت الصندوق المدفون من تحت شجرة الجوافة إلى مكان آخر لا يعرفه أحد...
ولا حتى المحامي نفسه.
وكانت تنتظر لترى
من سيصبر...
ومن سيكشف حقيقته عندما يظن أن الملايين أصبحت قريبة من يده...!خرجت الحاجة أمينة من البيت صباح اليوم التالي.
شنطة صغيرة في إيدها.
وعصاها الخشبية في الإيد التانية.
وعمر واقف عند الباب بيعيط.
هترجعي يا تيتا؟
انحنت بصعوبة وقبّلت جبينه.
هرجع يا حبيبي... بس أوعى تخلي قلبك يتغير.
هز رأسه وهو مش فاهم قصدها.
أما نجلاء فكانت واقفة ورا الباب، بتحاول تمثل الحزن.
وأحمد واقف ساكت كعادته.
ركبت الحاجة أمينة العربية ومشيت.
لكن الحقيقة...
إنها ما راحتش بعيد.
استأجرت شقة صغيرة في حي تاني بمساعدة المحامي فؤاد.
وكانت تراقب كل حاجة من بعيد.
بعد أسبوع واحد بس...
بدأ القناع يقع.
في أول يومين كانت نجلاء بتتكلم عن الحاجة أمينة وكأنها أمها.
بعد أربعة أيام بقت تتضايق من غياب الأخبار.
بعد أسبوع...
قالت لأحمد وهي فاكرة إن عمر نايم
أنا مش فاهمة هي مخبية الفلوس فين!
رفع أحمد رأسه فجأة.
نجلاء!
إيه؟ ما دي الحقيقة.
دي أمي.
وأنا مالي؟ أنا عايزة أعرف الملايين دي راحت فين.
كان عمر واقف خلف الباب يسمع كل كلمة.
وساعتها حس لأول مرة إن أمه مش زعلانة على جدته...
لكن زعلانة على حاجة تانية.
في نفس الليلة...
خرجت نجلاء للجنينة ومعاها كشاف.
بدأت تلف حوالين شجرة الجوافة.
وتحفر هنا شوية.
وهنا شوية.
وتبص تحت الجذور.
لكن ما لقتش حاجة.
لأن الصندوق كان اختفى بالفعل.
ولما رجعت للبيت كانت عصبية بشكل مخيف.
مرت أيام.
وفجأة وصل خطاب جديد.
المحامي هو اللي بعته.
فتحوه بسرعة.
وكان فيه سطر واحد فقط
الاختبار ما زال مستمرًا.
جن جنون نجلاء.
اختبار إيه ده؟
هي بتلعب بينا؟
لكن أحمد كان بدأ يشعر بشيء مختلف.
بدأ يتذكر.
يتذكر أمه وهي راجعة من الشغل متأخرة.
يتذكرها وهي تبيع غويشة دهب عشان يدفع مصاريف الجامعة.
يتذكرها وهي تنام من غير عشا عشان هو ياكل.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعر بالخجل من نفسه.
بعد أسبوعين...
مرض عمر.
حرارته ارتفعت جدًا.
ونجلاء كانت مشغولة بخناقة مع أحمد بسبب الفلوس والوصية.
أما أحمد فاضطر يأخد ابنه للمستشفى.
وهناك...
بينما كان ينتظر الدكتور...
لقى ممرضة بتقوله
في ست كبيرة سألت على الولد من شوية.
استغرب.
ست كبيرة؟
أيوه... شكلها قريبته جدًا.
وجابت له لعبة صغيرة كانت سايباها.
أحمد مسك اللعبة.
وعرف فورًا.
دي الحاجة أمينة.
أمه كانت تراقب حفيدها.
وتتابعه.
رغم إنها بعيدة.
ساعتها حس بغصة قوية في صدره.
في تلك الليلة...
رجع البيت متأخر.
دخل أوضة أمه الفاضية لأول مرة منذ رحيلها.
فتح الدولاب.
ولقى صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
مكانش شافه قبل كده.
فتحه ببطء.
فوجد عشرات الدفاتر القديمة.
مذكرات.
كل صفحة كانت مكتوبة بخط الحاجة أمينة.
فتح أول دفتر.
وقرأ
اليوم أحمد نجح في الإعدادية... بعت خاتم جوازي عشان أجيب له هدوم جديدة.
فتح صفحة تانية.
أحمد تعب النهاردة... فضلت جنبه طول الليل وأنا عندي حرارة.
صفحة ثالثة.
نفسي لما أكبر ألاقي ابني سندي.
هنا...
بدأت دموع أحمد تنزل على الورق.
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
ولأول مرة...
شعر أن الاختبار الحقيقي لم يكن لأمه.
بل كان له هو أحمد فضل قاعد على الأرض في أوضة أمه لحد الفجر.
الدفاتر مفتوحة حواليه.
وكل صفحة كانت بتوجعه أكتر من اللي قبلها.
صفحة بتحكي عن يوم اشتغلت فيه الحاجة أمينة 16 ساعة متواصلة عشان تجيب له شنطة المدرسة.
وصفحة عن يوم باعت آخر حلق دهب كانت محتفظة بيه من جوازها عشان تدفع مقدم الشقة.
وصفحة مكتوب فيها
أحمد النهاردة قالي قدام الناس إنه فخور إني أمه... حسيت إن تعبي كله ما راحش هدر.
هنا أحمد انفجر في البكاء.
لأنه ماكانش فاكر الموقف أصلًا...
لكن هي كانت فاكراه بعد عشرات السنين.
في الصباح...
نجلاء دخلت الأوضة.
ولقت أحمد قاعد وسط الدفاتر.
إنت قاعد هنا من امبارح؟
ما ردش.
أحمد... أنا بكلمك.
رفع رأسه ببطء.
وعينيه حمرا من العياط.
أول مرة تشوفه بالشكل ده.
تعرفي يا نجلاء؟
إيه؟
أنا طلعت عاق.
اتصدمت.
بتقول إيه؟
أمي كانت بتجوع عشان تأكلني.
وتتعب عشان أتعلم.
وأول ما كبرت سبتها تتذل في بيتي.
نجلاء حاولت تغير الموضوع.
طيب دلوقتي المهم نعرف هي فين.
لكن أحمد ضرب بإيده على الترابيزة فجأة.
لأ.
اتخضت.
إيه اللي لأ؟
المهم أمي... مش فلوسها.
ولأول مرة منذ جوازهم...
سكتت نجلاء.
في نفس اليوم...
عمر كان قاعد في أوضته.
ولقى ورقة صغيرة تحت مخدته.
فتحها.
وكان مكتوب فيها
كل شجرة طيبة بتطرح خير حتى لو الناس رمت عليها حجر.
وعلى آخر الورقة قلب صغير مرسوم بالقلم.
عمر عرف فورًا.
دي تيتا.
ابتسم لأول مرة من أيام.
وخبا الورقة في شنطته.
بعد أسبوع...
وصل خطاب جديد من المحامي.
المرة دي طلب حضور الجميع إلى مكتبه يوم الخميس الساعة الخامسة.
ومن غير أي تفاصيل.
طوال الأسبوع نجلاء كانت متوترة.
أما أحمد فكان قلقان من نوع تاني.
كان نفسه يشوف أمه.
بس.
مش أكتر.
جاء يوم الخميس.
دخلوا مكتب المحامي.
نجلاء.
وأحمد.
وعمر.
وأول ما فتح
متابعة القراءة