مرات ابني بقلم مني السيد

لمحة نيوز

الباب الداخلي...
وقفوا مكانهم في صدمة.
الحاجة أمينة كانت قاعدة هناك.
بصحة أحسن.
ووشها مرتاح بشكل ما شافوهوش من سنين.
عمر جري عليها فورًا.
تيتااااا!
حضنها بكل قوته.
وضمته هي كأنها بتعوض أيام الغياب كلها.
أما أحمد...
فضل واقف.
مش قادر يقرب.
ولا قادر يتكلم.
لحد ما قال بصوت مكسور
سامحيني يا أمي.
وسكت المكان كله.
حتى نجلاء.
الحاجة أمينة بصت له طويل.
وشافت في عينيه ندم حقيقي لأول مرة.
لكنها ما ردتش فورًا.
وسابت الصمت ياخد وقته.
ثم قالت بهدوء
لو كنت جيت تقولي الكلمة دي من سنين... كنت ارتحت كتير يا أحمد.
ونزل أحمد على ركبته قدامها.
زي طفل صغير.
وبكى.
بكى بحرقة عمره ما بكى بيها قبل كده.
المحامي فتح ملفًا كبيرًا.
وقال
أظن وقت إعلان نتيجة الاختبار جه.
اتشدت أعصاب الجميع.
وأكمل
السيدة أمينة كانت تراقب تصرفات الجميع طوال الفترة الماضية.
وكل شيء كان مسجلًا.
تحركات.
ومواقف.
وشهادات من الجيران.
وحتى العاملين في المكان اللي كانت مقيمة فيه.
شهقت نجلاء.
أما الحاجة أمينة فظلت صامتة.
ثم قال المحامي
وفي ضوء ما حدث... تم اتخاذ القرار النهائي.
وسحب ورقة مختومة من الملف.
ثم بدأ يقرأ...
لكن قبل أن يكمل السطر الأول...
نظر للحاجة أمينة وقال
هل أنتِ متأكدة من القرار الأخير؟
ابتسمت الحاجة أمينة.
ونظرت إلى عمر.
ثم إلى أحمد.
ثم إلى نجلاء.
وقالت
متأكدة جدًا...
لأن اللي اكتشفته خلال الشهر ده غيّر كل حاجة.
ثم مدّت يدها نحو الورقة الأخيرة...
الورقة التي كانت ستحدد مصير الملايين والشقة وكل ما تملكه...!سادت حالة من الصمت داخل المكتب.
حتى عمر الصغير بطل حركة، وبقى باصص لجدته.
المحامي عدّل نظارته، وفتح الورقة الأخيرة.
أما نجلاء فكانت قابضة على طرف الكرسي بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضّت.
وقال المحامي
بناءً على رغبة السيدة أمينة، وبعد مراجعة الوصية النهائية...
توقف لحظة.
ثم أكمل
يتم تخصيص الجزء الأكبر من الأموال لإنشاء دار رعاية وتعليم للأيتام وكبار السن المحتاجين.
شهقت نجلاء.
إيه؟!
لكن المحامي أكمل وكأنه لم يسمعها
ويتم تخصيص جزء آخر لصندوق تعليمي باسم الحفيد عمر، يُصرف على دراسته حتى انتهاء تعليمه بالكامل.
احتضنت الحاجة أمينة عمر.
بينما بدأت ملامح الصدمة تظهر على وجه نجلاء أكثر فأكثر.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا.
رفع المحامي ورقة أخرى.
وقال
أما الشقة...
تعلقت أنفاس الجميع.
فستظل ملكًا للسيدة أمينة طوال حياتها، وبعد ذلك تنتقل ملكيتها وفقًا لشروط خاصة مدونة في هذا الملحق.
نجلاء كادت تقفز من مكانها.
شروط إيه تاني؟
نظر إليها المحامي مباشرة.
وقال
لا يرث أي شخص يثبت إساءته أو إهماله المتعمد للسيدة أمينة.
ساد الصمت.
وكان وقع الكلمات أثقل من أي حكم.
نظرت الحاجة أمينة إلى نجلاء.
لأول مرة دون غضب.
ودون حزن.
فقط نظرة هادئة.
وقالت
يا نجلاء... أنا ما زعلتش عشان الأكل.
اتسعت عينا نجلاء.
ولا زعلت عشان الأوضة.
ثم تنهدت.
أنا زعلت عشان الكلمة الجارحة.
...
زعلت عشان حفيدي كان يستخبى يجيبلي لقمة.
وزعلت أكتر لما شفت ابني ساكت.
انخفض رأس أحمد مرة أخرى.
وبعد دقائق...
وقف أحمد.
واتجه نحو أمه.
وقال
أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي فات.
لكن اسمحيلي أحاول.
رفعت الحاجة أمينة عينيها إليه.
ورأت لأول مرة ذلك الطفل الذي ربّته.
وليس الرجل الذي خذلها.
فسكتت طويلًا.
ثم قالت
المحبة أفعال يا أحمد... مش كلام.
هز رأسه.
وأنا مستعد أبدأ من أول وجديد.
مرت الشهور بعد ذلك.
ولم تعد الحاجة أمينة إلى البيت فورًا.
بل أصرت أن تعيش مستقلة فترة.
وكان أحمد يزورها كل أسبوع.
أحيانًا تجلس معه.
وأحيانًا ترفض.
وأحيانًا تتركه ينتظر ساعة كاملة قبل أن تستقبله.
ليس انتقامًا.
لكن ليعرف قيمة الوقت الذي كانت تنتظره فيه قديمًا فلا يأتي.
أما عمر...
فكان أكثر شخص سعيد.
لأن جدته عادت إلى حياته.
وأصبح يقضي معها كل عطلة.
يتعلم منها الزراعة.
ويقرأ لها الكتب.
ويحكي لها أسراره الصغيرة.
أما شجرة الجوافة...
فبقيت في مكانها.
لم تُقطع أبدًا.
وفي أحد الأيام سأل عمر جدته
تيتا... هو كان فعلًا فيه كنز تحت الشجرة؟
ابتسمت الحاجة أمينة.
ونظرت إلى الشجرة العتيقة.
ثم إلى حفيدها.
وقالت
أيوه يا حبيبي.
وطلعتيه؟
ابتسمت أكثر.
أيوه.
وكان دهب؟
ربتت على رأسه.
وقالت
لأ...
الكنز الحقيقي طلع إن لسه فيه قلب طيب في العيلة.
وأشارت إلى صدره.
وكان مدفون هنا.
فضحك عمر.
وضمها بقوة.
بينما كانت شجرة الجوافة تتحرك مع الهواء فوقهما...
شاهدة على سرٍ ظل مدفونًا سنوات طويلة...
حتى كشف للكل حقيقة أغلى من الذهب نفسه. النهاية. نهاية مختلفة ومؤثرة
مدّت الحاجة أمينة يدها نحو الورقة الأخيرة.
ووقّعت عليها أمام الجميع.
ثم قالت للمحامي
دلوقتي افتح الظرف التاني.
استغرب أحمد.
ظرف تاني؟
أخرج المحامي ظرفًا بنيًا قديمًا من الملف.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
فتحه ببطء.
وأخرج منه مجموعة أوراق وصور قديمة.
ثم قال
الحاجة أمينة طلبت مني أحتفظ بالظرف ده من خمس سنين.
اتوترت نجلاء.
وبدأ المحامي يقرأ
إذا وصلنا للحظة دي، يبقى الاختبار انتهى.
ثم رفع صورة قديمة.
كانت صورة لأحمد وهو طفل صغير، واقف جنب أمه أمام بيتهم القديم.
وقال المحامي
الحاجة أمينة باعت البيت ده، ودهبها، وكل تحويشة عمرها، عشان تعلم ابنها وتشتري له الشقة اللي عايش فيها.
انفجر أحمد في البكاء.
أما نجلاء فكانت مطأطأة رأسها.
ثم أكمل المحامي
لكن أكبر مفاجأة لسه جاية.
وسحب ورقة رسمية مختومة.
قبل شهر، الحاجة أمينة قامت ببيع كل الذهب اللي كان في الصندوق.
شهقت نجلاء.
باعته؟!
ابتسمت الحاجة أمينة.
أيوه.
ليه؟
قالت بهدوء
لأن الفلوس كشفت حقيقة الناس خلاص... ومبقاش ليها لازمة.
سأل أحمد بصوت مرتجف
والفلوس راحت فين؟
رد المحامي
تم إنشاء مؤسسة خيرية باسم بيت أمينة لإيواء كبار السن اللي أهلهم تخلوا عنهم.
ساد الصمت.
ثم أكمل
وتم شراء مبنى كامل وتجهيزه بالفعل.
ونزلت دموع الحاجة أمينة.
عشان محدش ينام جعان... ولا يتحط قدامه عيش بايت وهو شايف غيره بياكل أحسن أكل.
بكت السكرتيرة الموجودة في المكتب.
وبكى أحمد.
حتى المحامي نفسه تأثر.
بعد شهور...
افتتح بيت أمينة.
وأصبحت الحاجة أمينة تعيش هناك بين عشرات السيدات والرجال كبار السن.
وكانت تعاملهم كأنهم عيلتها.
أما أحمد...
فكان يزور أمه كل يوم تقريبًا.
يحمل لها الطعام بيده.
ويجلس تحت قدميها ساعات.
يحاول يعوض سنوات التقصير.
وأما نجلاء...
فكانت تزور الدار أيضًا.
في البداية خجلًا.
ثم ندمًا.
ثم حبًا حقيقيًا مع مرور الوقت.
وفي يوم من الأيام...
كانت الحاجة أمينة جالسة تحت شجرة جوافة جديدة زُرعت داخل الدار.
وحولها كبار السن والأطفال.
وفجأة سألها عمر
تيتا... إيه أغلى حاجة كانت في الصندوق؟
ابتسمت.
ونظرت إلى حفيدها.
ثم إلى ابنها.
ثم إلى الدار المليئة بالناس.
وقالت
ولا جنيه... ولا قطعة دهب.
أمال إيه؟
قالت وهي تبتسم
أغلى حاجة كانت الدرس اللي اتعلمه الكل قبل ما الصندوق يفتح.
وبعد سنوات طويلة، رحلت الحاجة أمينة بهدوء.
لكن بيت أمينة ظل قائمًا.
يُطعم الجائع.
ويؤوي المحتاج.
ويذكر الناس دائمًا أن برّ الوالدين لا يُشترى بالمال...
وأن لقمة دافئة تُقدَّم بمحبة، أغلى من كنوز مدفونة تحت ألف شجرة جوافة.
تمت.

تم نسخ الرابط