بعد سنين في الغربة بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

اتفتح لوحده ببطء شديد، من غير ما حد يلمسه.
واللي ظهر في الفتحة
ماكانش شخص واحد بس.
كانوا اتنين واقفين جنب بعض.
واحد هو الأخ التاني.
والتاني
مسك ملف صغير قديم، ورفعه في إيده وقال في حاجة محدش قالها إن اللي اتبدلوا يومها ماكانوش طفلين بس.
سكت لحظة
وبص لجوزي مباشرة
كانوا تلاتة اللحظة دي كان فيها إحساس إن البيت نفسه بيحاول ينهار ببطء مش صوت خبط ولا كلام، لكن كأن الجدران بتفقد توازنها.
جوزي واقف قدام الباب، والنسخة اللي برا منه بتبص له كأنه بيقيسه من أول وجديد.
حقي؟ جوزي قالها ببطء كأنه بيجرب الكلمة على لسانه لأول مرة.
اللي برا ابتسم ابتسامة قصيرة أيوه حقي أنا اللي اتسلب يوم ما اتبدلنا.
الشاب اللي جوه الصالة قاطع بسرعة وهو بيقلب في الملف مش بس اتبدلتوا ده في حد خطّط لكل ده.
بص ناحية حماتي.
حد كان عايز يفضل ماسك كل حاجة حتى لو كان الثمن طفلين.
الصمت اتكثف تاني بس المرة دي كان مختلف، كأنه فيه اتهام مباشر في الهوا.
حماتي قامت فجأة، صوتها متكسر لكن فيه غضب كفاية كلام! أنا عملت كده عشان مصلحة الكل!
جوزي لفّ لها ببطء مصلحتي؟ ولا مصلحتك إنتي؟
اللي واقف برا الباب دخل خطوة جوا الشقة، وبص حواليه كأنه بيتأكد إنه أخيرًا داخل مكان كان ممنوع عليه سنين.
وقال بهدوء أنا ما جيتش أهد بيت أنا جيت أرجّع اسم اتسرق.
قرب من جوزي، والمسافة بينهم بقت أقل من متر.
إنت عشت حياتك كلها هنا أكل، شرب، اسم، أم وأنا؟
سكت لحظة، وصوته هبط أنا كنت بره عايش في بيت تاني، بس من غير أي إجابة.
حماتي صرخت فجأة اسكت! انت مش فاهم حاجة!
لكن صرختها كانت أضعف من الأول.
النسخة التانية من جوزي بص لها وقال أنا فاهم أكتر مما تتخيلي لأن في حد اعترفلي بالحقيقة من زمان بس كنت مستني اللحظة دي.
جوزي بص له بسرعة مين قالك؟
اللي برا أشار ناحية الشاب اللي جوا هو.
كل العيون اتجهت عليه.
الشاب اللي كان ماسك الملف وقف بهدوء، وبص لجوزي وقال جملة باردة أنا مش جاي أفضح أنا جاي أكمّل اللي بدأته.
ثم فتح صفحة أخيرة في الملف
وسكت.
جوزي اتقدم خطوة في إيه تاني؟
الشاب رفع عينه ببطء وقال الحقيقة اللي لسه ما اتقالتش إن التبديل ماكانش صدفة.
سكون.
كان مقصود.
وفي نفس اللحظة
نور الشقة كلها خف فجأة، كأن الكهرباء نفسها اتخضت من اللي اتقال.
والباب اللي كان مفتوح وراه الأخ التاني
اتقفل لوحده تاني بقوة مرعبة الكلمة نزلت على البيت كأنها انهيار كامل.
تلاتة
جوزي رجع خطوة لورا، عينه اتسعت لأول مرة من رعب مش من صدمة بس.
إنت بتقول إيه؟ تالت مين؟
اللي واقف في الباب ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بهدوء في طفل تالت محدش بيدور عليه أصلًا.
حماتي صرخت فجأة، صوتها خرج مكبوت من سنين كفااااية!
لكن الصرخة دي كانت متأخرة.
الشاب اللي ماسك الملف فتحه بالكامل، وطلع ورقة صغيرة جدًا قديمة، عليها ختم مستشفى باهت.
رفعها وقال في يوم الولادة كان في حالة ولادة نادرة توأم طفل تاني اتسجل غلط بسبب فوضى في الطوارئ.
سكون تام.
والطفل التالت ما اتسجلش في أي مكان رسمي.
أنا حسيت إن دماغي بتلف مين؟ وإزاي؟
جوزي بص للورقة، صوته بقى شبه مكسور يعني إيه ما اتسجلش؟!
اللي في الباب رد يعني ببساطة اتساب.
الصمت دخل البيت كأنه كائن حي.
حماتي بدأت تترعش، ومش قادرة تبص لحد أنا أنا ماكنتش أقصد الموضوع كان أكبر مني
جوزي بص لها ببطء إنتي عارفة الحقيقة؟ من سنين؟
سكتت.
وده كان الرد.
في اللحظة دي، الشاب اللي واقف جنب الأخ التاني قال الموضوع مش بس طفل اتبدل ده طفل اتشال من الوجود عشان حد يفضل ماسك السيطرة على البيت.
وبعدين أشار بإيده ناحية الحمّام القديم في آخر الممر والدليل الحقيقي لسه هناك.
جوزي بص في الاتجاه ده.
وبدون ما يحس، مشى ناحية الممر.
خطوة خطوة وكل خطوة كانت بتفتح باب جديد من الرعب.
لحد ما وقف قدام باب صغير مقفول بمفتاح قديم.
سأل بصوت واطي إيه اللي ورا الباب ده؟
ومحدش رد.
لكن الباب نفسه
بدأ يتحرك من جوه الباب بدأ يهتز ببطء كأن حد من جوه بيحاول يفتحه، أو كأن الحاجة اللي وراه قررت إنها ما تفضلش محبوسة تاني.
جوزي رجع خطوة لورا تلقائيًا، وإيده كانت لسه على المقبض كأنه مش قادر يسيبه ومش قادر يفتحه.
فيه حد جوه؟ قالها بصوت مبحوح.
مفيش رد.
لكن الخبط الخفيف اتكرر نفس الإيقاع نفس الهدوء المرعب.
الشاب اللي ماسك الملف اتكلم من ورا افتح لو عايز تعرف الحقيقة كلها.
حماتي صرخت من آخر الممر اقفل الباب ده! سيبوه!
بس صوتها كان أضعف من الأول كأنها بتنهار مع كل ثانية بتمر.
جوزي بلع ريقه، وببطء شديد لف المفتاح.
تكّة.
صوت القفل وهو بيفتح كان أعلى من أي صراخ.
الباب اتفتح شوية ريحة قديمة خرجت، مش ريحة مكان عادي ريحة حاجات متقفلة بقالها سنين.
اللي جوه ماكانش أوضة عادية.
كان مخزن صغير مهجور.
فيه صندوق خشب كبير في النص ومغطي بطبقة تراب تقيلة.
جوزي دخل خطوة وبعدها توقف فجأة.
إيه ده همس.
على الصندوق كان في اسم مكتوب بخط إيد قديم
لا يُفتح إلا عند الحقيقة
اللي في الباب، اللي شبهه، وقف وراه وقال افتحه وهتعرف ليه أنا عايش بره وليه إنت عايش جوه.
جوزي بص له إنت عايز إيه مني؟
الرد جه هادي لكن قاسي عايز نصيبي من حياتي اللي اتاخدت مني.
جوزي مد إيده على الغطا لحظة صمت كاملة.
وبعدين فتح الصندوق.
اللي جواه ماكنش فلوس ولا أوراق عادية
كان فيه ملفات وألبوم صور وحاجات تخص طفولة ماكانش يعرف عنها حاجة.
لكن في النص بالضبط
كان في صورة واحدة قديمة جدًا.
فيها الأطفال التلاتة مع بعض.
وجنبهم ست واحدة واقفة ماسكة إيدهم.
بس المفاجأة الحقيقية كانت في الوجه ده
الست اللي في الصورة.
مش حماتي.
ولا أي حد يعرفه.
دي كانت ست تانية تمامًا واقفة مبتسمة كأنها أمهم الحقيقية.
جوزي رفع عينه ببطء، صوته اتكسر دي مين؟
وفي اللحظة دي
حماتي وقعت على ركبتها في الممر، وهمست لأول مرة بوضوح
دي اللي بدأت منها كل حاجةفي صباح اليوم التالي، البيت كان هادي بشكل غريب نفس البيت، نفس الجدران، لكن كل حاجة فيه اتكسرت من غير صوت.
الصندوق كان متقفل، ومفيش حد لمس حاجة من اللي اتقالت امبارح.
الأخ التاني اختفى.
والشاب اللي جاب الملف ما بقاش موجود.
كأنهم كانوا جزء من الحقيقة نفسها، ولما اتقالت اختفوا.
جوزي قعد في الصالة لوحده، ماسك الصورة القديمة بين إيده.
حماتي كانت في أوضتها، مقفولة عليها الباب لأول مرة من سنين، مش بتكلم حد.
أما أنا فكنت واقفة بعيد، مش عارفة أواسي مين ولا أبدأ منين.
هو بصلي فجأة، بصوت هادي جدًا أنا مش عايز أعرف أكتر أنا بس عايز أفهم أعيش إزاي بعد اللي عرفته.
سكت لحظة، وبعدين كمل الدم مش اللي بيعمل عيلة يمكن اللي عمله زمان كان خوف بس اللي هيعمله دلوقتي هو القرار.
قام، وراح ناحية باب الشقة.
وقف لحظة، وبص وراه أنا مش هفضل أسير قصة أنا ما اخترتهاش حتى لو الحقيقة وجعت.
فتح الباب.
الهواء دخل هادي طبيعي لأول مرة من بداية الليلة دي.
ومشى.
من غير ما يعرف هو رايح فين بس للمرة الأولى، ماكانش ماشي هرب كان ماشي يختار نفسه.
قفلت الباب وراه بهدوء.
وفي الصالة فضلت
الصورة القديمة على الترابيزة.
لكن المرة دي مفيش حد كان شايفها سر.
كانت بس بداية انتهت.

تم نسخ الرابط