لو الواد ده معشش بقلم شروق خالد

لمحة نيوز

ورا الطفل.
وقالت بصوت مبحوح
في حد في حد واقف وراه
الدكتور لف بسرعة مفيش حد.
الأوضة فاضية.
لكن ولاء صرخت فجأة
لا! أنا كمان شايفة!
وبدأت تشير ناحية الزاوية.
هناك في ظل بيتحرك!
الأنوار بدأت ترجع تاني واحد واحد
لكن كل ما نور يزيد، الظل في الزاوية كان بيبان أوضح.
مش ظل واحد.
بل أكتر من شكل متداخلين كأنهم واقفين جوه بعض.
الطفل بص ناحية الزاوية لأول مرة.
وبهدوء مخيف قال
خلاص صحوا.
الدكتور رجع خطوة لورا وهو بيهمس
صحوا مين؟
الطفل رد، بصوت أعمق من سنه
اللي كانوا نايمين في السكة دي من زمان
وفي اللحظة دي
كل الأجهزة اشتغلت مرة واحدة بصوت إنذار عالي جدًا.
بيب بيب بيب
لكن الخطوط على الشاشات
ما كانتش بتقيس نبض الطفل.
كانت بتقيس حاجة تانية.
حاجات كتير بتتحرك.
جوا الأوضة.
مش على السرير
لكن حوالين كل واحد فيهم.
والباب اللي كان مقفول
اتفتح لوحده ببطء شديد.
ومن بره
ماكانش فيه حد.
لكن كان فيه صوت خطوات
بتقرب الظلام اللي دخل الأوضة كان تقيل بشكل غريب كأن المستشفى كلها حبست نفسها جوا اللحظة دي.
صوت النفس الوحيد اللي كان مسموع هو نفس مريم المتقطع.
ومن ناحية السرير
الصوت رجع تاني.
همس أقرب ما يكون لكلمة
م ماما
مريم اتجمدت.
مش ممكن. طفل مولود من دقائق لسه ما اتفتحش وعيه للحياة أصلاً.
الدكتور اتحرك بسرعة ناحية السرير، وإيديه بترتعش وهو بيحاول يشغل الكشاف اليدوي.
نور أبيض ضرب وش الطفل.
الطفل كان عينيه مفتوحة.
بس مش فتح عادي فتح ثابت، كأنه شايف حاجة أعمق من الأوضة نفسها.
ولاء شهقت
هو هو بيفوق؟
لكن الدكتور ما ردش.
لأنه كان باصص على حاجة تانية
حركة إيد الطفل.
صوابع صغيرة لكنها اتقبضت فجأة، وبقوة غريبة، على طرف ملاية السرير.
شدّها كأنه بيثبت نفسه.
أحمد حاول يقرب، لكن الدكتور صرخ فيه
ما تقربش!
سكت لحظة وبعدين قال بصوت منخفض
ده مش رد فعل حديثي ولادة ده
ما كملش الجملة.
لأن الطفل لف راسه ببطء شديد ناحية الصوت.
ناحية أحمد.
وبص له مباشرة.
وفي نفس اللحظة
الأجهزة اللي كانت مطفية، رجعت تشتغل لوحدها.
بس بشكل مختلف.
أصواتها بقت متداخلة زي همس ناس كتير بيتكلموا في نفس الوقت.
ولاء رجليها خذلوها، وقعدت على الأرض
في حاجة غلط في حاجة في الأوضة دي
مريم بصت لابنها وهي بتعيط
ده ابني ده يوسف
لكن الدكتور همس وهو بيبص على الشاشة
مفيش مفيش بيانات ثابتة النبض بيتغير كل ثانية
وفجأة
الطفل ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا لكن واضحة.
وبعدين قال بصوت طفولي خالص
أنا مش يوسف
الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان أشد من أي صوت.
أحمد رجع خطوة لورا كأنه اتضرب.
إيه اللي بتقوله ده؟!
الطفل لف عينه ببطء ناحية مريم تاني، وقال
يوسف نايم
وبعدين سكت لحظة
وكمل
وأنا صحيت بداله
وفي اللحظة دي
اللمبة اللي في السقف وقعت وانطفأت نهائي.
وسمعت حاجة خفيفة جدًا
زي صوت طفل تاني بيعيط جاي من جوه الحيطة نفسها السكوت اللي حصل بعد الصرخة كان أخطر من أي صوت اتسمع قبل كده كأنه قفل على المستشفى كلها.
حتى نفس مريم بقى مسموع بوضوح.
أحمد كان ماسكها كأنه بيحاول يثبت العالم مكانه
ما تتحركيش ما تبصّيش هناك
لكن مريم كانت عينيها مش على الظل كانت على ابنها.
أو الحاجة اللي على السرير.
الهيئة الطويلة اللي كانت واقفة في نص الأوضة بدأت تتغير.
مش اختفت لكن شكلها بدأ ينهار كأنها مش قادرة تثبت نفسها تحت النور اللي انقطع.
والطفل
كان ساكت.
بس لأول مرة ملامحه اتبدلت.
مش خوف لكن تركيز.
كأنه بيستمع لنداء بعيد.
وفجأة قال بصوت منخفض جدًا
رجعوا الباب يتقفل
الدكتور بص له بصدمة
تقفل؟! ليه؟!
الطفل رفع عينه ببطء
عشان لو اتفتح هيعدّوا.
وفي اللحظة دي
الهواء في الأوضة برد فجأة.
درجة الحرارة وقعت بشكل غير طبيعي.
ولاء كانت بتنهج
أنا أنا مش قادرة أتنفس كويس
السائل اللي تحت الباب وقف لحظة
وبعدين بدأ يتحرك بالعكس.
كأنه بيرجع تاني ناحية الممر.
لكن بدل ما يختفي
بدأ يطلع منه صوت همس جماعي.
أصوات كتير مش مفهومه لكن كلها بتتكلم في نفس الوقت.
أحمد فقد السيطرة
في إيه بيحصل هنا؟! حد يشرحلي!
لكن مفيش حد بيرد.
لأن الدكتور كان واقف قدام الطفل، وعينه بدأت تركز على حاجة صغيرة جدًا
على صدر الطفل.
كان في ضوء خافت جدًا بيطلع منه.
مش نبض ولا جهاز.
لكن زي علامة بتظهر وتختفي.
الدكتور همس
ده مش طفل عادي
الطفل رفع إيده تاني ناحية الزاوية اللي فيها الظل، وقال
هو بيخاف مني دلوقتي
الهيئة الطويلة فعلاً تراجعت خطوة.
أول مرة يحصل ده.
ولاء بصت بدهشة
هو اللي بيخاف؟!
الطفل كمل بهدوء مخيف
أنا اتولدت هنا قبل كده بس ما كملتش
مريم شهقت
تقصد إيه؟!
الطفل لف لها
يوسف كان مجرد غطاء
اللحظة دي كأن الزمن وقف.
أحمد اتجمد مكانه
غطاء إيه؟!
لكن قبل ما الطفل يرد
الباب اتقفل فجأة بقوة مرعبة.
خَبّط!
وبعدها مباشرة
كل حاجة رجعت تشتغل.
النور، الأجهزة، أجهزة التنفس
لكن الخطوط على الشاشة كانت بتعرض حاجة واحدة بس
نبض واحد.
مش للطفل.
لكن للمستشفى كلها الخطوات كانت بطيئة محسوبة كأن حد ماشي وهو عارف بالظبط هو داخل على إيه.
أحمد اتحرك ناحية الباب بسرعة، لكن الدكتور مسكه من ذراعه
ما تفتحش مهما حصل ما تفتحش!
الخطوات وقفت فجأة قدام الباب المفتوح.
سكون تام.
حتى أجهزة المستشفى اللي كانت بتصرخ، فجأة هديت كأنها اتكممت.
ولاء همست
هو واقف بره
مريم كانت لسه ماسكة إيد الطفل، وإيديها بتترعش بشكل مش طبيعي.
والطفل
كان ساكت.
لكن عينه كانت على الباب.
بثبات غير مريح.
وبعدين
ابتسم تاني.
بس المرة دي الابتسامة ما كانتش طفولية خالص.
كانت أقرب لابتسامة حد فاهم كل اللي بيحصل.
وقال بهدوء
رجعوا فتحوا الباب.
أحمد صرخ فيه
إنت مين؟!
الطفل لف راسه له ببطء
أنا اللي قبل يوسف
الصمت اتكسر فجأة بصوت حاجة بتتدحرج في الممر.
كأن كورة معدنية بتضرب الأرض واحدة ورا التانية.
طَق طَق طَق
الدكتور فقد أعصابه وراح ناحية الباب، وفتح النور في الممر.
الممر كان فاضي تمامًا.
لكن الأرض
كانت مبلولة.
مش مية عادية.
سائل غامق ما لهوش لون واضح.
ولاء صرخت
ده داخل الأوضة!
فعلاً السائل بدأ يتسلل تحت الباب ببطء.
زي ما يكون حد بيدخل من غير جسم.
الطفل قال بصوت منخفض جدًا
خلاص بقوا شايفينكم.
وفجأة
الظل اللي كان في الزاوية اتفصل عن الحيطة.
اتحرك.
وبقى واضح.
مش ظل واحد
لكن هيئة طويلة جدًا، ملامحها مش مكتملة، بتتكوّن قدامهم لحظة بلحظة.
أحمد شد مريم ورا ظهره
احنا بنحلم ده مش حقيقي!
لكن مريم همست
لا أنا حاسة بيه بيقرب مني
الهيئة وقفت في نص الأوضة.
وبصت ناحية الطفل.
الطفل لأول مرة فقد ابتسامته.
وقال بصوت منخفض
مش وقته
وفي لحظة صمت مرعبة
الهيئة مدت إيدها ناحية السرير.
ومجرد ما صوابعه قربت من الطفل
الأضواء كلها انفجرت بنور أبيض قوي جدًا
وبعدين
انقطعت نهائي.
وسمعوا صوت صرخة واحدة بس
مش من طفل.
من ممرضة في آخر المستشفى.
وبعدها
كل حاجة سكتت الظلام ماكانش زي قبل كده.
المرة دي ماكانش مجرد انقطاع نور كان إحساس إن النور نفسه اتشال من المكان.
حتى صوت الأجهزة اختفى.
ماعدا حاجة واحدة
دقات القلب.
دُم دُم دُم
بس المرة دي مش جايه من جهاز.
جايه من كل واحد في الأوضة.
أحمد حط إيده على صدره تلقائيًا
أنا أنا سامع قلبي عالي كده ليه؟
ولاء بصت له برعب
مش بس إنت
الطفل رفع إيده في الظلام.
والضوء اللي كان جواه بدأ يظهر تاني، بس أضعف، كأنه بيتحارب.
وقال بصوت هادي
هو قرر يختار.
الدكتور بص حواليه
يختار إيه؟!
لكن الطفل ما ردش عليه.
بص ناحية الباب المفتوح في الممر.
وبهدوء قال
يا إما أنا يا إما هو.
في اللحظة دي
الممر كله اتغطى بصوت خطوات أقرب من أي وقت فات.
لكن المرة
تم نسخ الرابط