ابويا جالي البيت
المحتويات
خناقة بكلمة، كانت النهاردة واقفة مكسورة، إيديها بتترعش، وعينيها مليانة خوف حقيقي.
إنتي هنا ليه؟ أبويا فين؟
طلعت الكلمة مني بالعافية.
ما ردتش.
بصّت في الأرض، وبعدين رفعت عينيها وقالت بصوت مبحوح
أنا أنا كنت لازم أكون هنا قبل ما توصل.
قلبي دق أسرع.
تقصدي إيه؟!
سكتت تاني، كأنها بتتخانق مع نفسها، وبعدين فجأة قالت
حسن أبوك عارف الحقيقة من زمان.
الكلمة وقعت عليّا زي حجر تقيل.
عارف إيه؟!
قبل ما ترد، باب العناية المركزة اتفتح بسرعة، وخرج دكتور عليه ملامح توتر.
مين أهل المريض؟!
جريت عليه
أنا ابنه!
بصلي بنظرة غريبة نظرة فيها شفقة أكتر من الطب.
والدك صحي لحظات بسيطة، وطلب يشوفك فورًا بس حالته مش مستقرة، لازم تدخل لوحدك.
لفيت وشي ناحية نهى بسرعة
إنتي كنتي عارفة إيه؟! قولي دلوقتي!
دموعها نزلت وهي بتهمس
ادخل له الأول وهو هيقولك كل حاجة.
دخلت العناية وأنا قلبي بيدق كأنه هيخرج من صدري.
أبويا كان نايم على السرير، ماسك ماسك الأكسجين، وشه شاحب بشكل ما شفتوش في حياتي.
بس أول ما شافني
ابتسم.
ابتسامة صغيرة موجوعة.
رفع إيده بالعافية، وقال بصوت متقطع
قرب يا حسن
رحت ناحيته بسرعة، مسكت إيده
أبويا إيه اللي بيحصل؟ نهى بتقول حاجات غريبة وموضوع ال إيه ده كله؟!
سكت لحظة طويلة طويلة لدرجة إني حسيت إن أنفاسه بتضيع.
وبعدين قال جملة واحدة قلبت حياتي كلها
أنا اللي طلبت التحليل عشان أتأكد من حاجة واحدة بس
ابتلع ريقه بصعوبة، وكمل
كنت عارف إنك مش ابني.
اتجمدت.
بس قبل ما أتكلم، كمل بسرعة وهو بيبصلي بعيون كلها دموع
بس أنت ابني اللي اختارته مش اللي جابه الدم.
الدنيا لفت بيا.
يعني إيه الكلام ده؟! إنت بتقول إيه؟!
رفع إيده التانية، وكان فيها ورقة صغيرة متنية نفس الورقة اللي الممرضة قالت
مسكها بإيدي المرتعشة، وقال
افتحها وهتفهم ليه أنا عمري ما نطقت بالحقيقة وليه آخر حاجة عملتها إني طلبت الخمسين ألف
سكت لحظة، وبصلي نظرة كسرتني
عشان أنا مش بس كنت بموت يا حسن
أنا كنت بحميك من حاجة لو عرفتها ممكن تكره كل اللي عاش في حياتك.
ووقتها
الورقة وقعت من إيدي قبل ما أفتحها لأن صوت جهاز القلب بدأ يعلو بشكل مفاجئ
والدكاترة جريوا عليه
والنهارده حياتي كلها وقفت على زرار واحد هيتفصل في ثواني الورقة اتفتحت أخيرًا كأنها هي اللي قررت تتكلم بدل ما أنا أواجه الحقيقة.
عيوني جريت على أول سطر فيها
وساعتها حسّيت إن رجلي مش شايلاني.
نتيجة تحليل إثبات النسب
سكتت لحظة وأنا بقرأ.
وبعدين الجملة اللي تحتها خبطتني
لا توجد علاقة بيولوجية بين المريض حسن رسلان والأب المُسجّل
سقطت الورقة من إيدي تاني.
بس المرة دي ما وقعتش على الأرض.
وقعت على حياتي كلها.
بصيت لأبويا على السرير الراجل اللي ربياني، اللي علّمني، اللي كان بيستحمل الدنيا عشاني
ولقيت دمعة نازلة من عينه وهو مغمّض.
كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية من زمان.
في نفس اللحظة، الراجل اللي دخل من الباب اتقدم خطوة وقال بصوت ثابت
قولتلك يا حسن أنا أبوك الحقيقي.
نهى وقفت بينا، بتترعش كفاية كفاية بقى! الراجل على السرير بيموت!
بس أنا ما كنتش سامع حد.
كل صوت في دماغي كان بيكسر بعضه.
بصيت للراجل الغريب إنت مين؟ وعايز مني إيه؟! ليه دلوقتي؟!
رد بهدوء مخيف أنا اللي سبتك وأنا اللي رجعت أطالب بحقي لما عرفت إنك هتضيع من إيدك.
ضحكت ضحكة قصيرة مجنونة حقي؟! وأنا كنت فين كل السنين دي؟! ده الراجل اللي هناك هو اللي شالني!
في اللحظة دي جهاز القلب صرخ تاني.
الدكاترة رجعوا يجريوا.
وواحد منهم قال بصوت عالي فقدنا النبض!
سكون.
ثانية.
اتنين.
أنا واقف مش قادر أتنفس.
وبعدين
الدكتور قال رجع النبض لكن الحالة خطيرة جدًا.
بس أنا ما ارتحتش.
لأني فجأة فهمت حاجة أخطر من الموت نفسه
أبويا اللي ربايا كان بيودّعني مش بس بسبب المرض
لكن لأنه كان عارف إن الحقيقة وصلت.
والراجل اللي واقف قدامي مش جاي يعترف.
ده جاي يطالب بحاجة أكبر من الأبوة
جاي يطالب بيا أنا.
وقبل ما أتكلم، مدّ إيده بورقة تانية وقال
قبل ما تختار لازم تقرأ دي
لأنها هتقولك ليه أمك ماتت وليه اتسابَت وليه أنا اختفيت
وساعتها بس
حسيت إن اللي جاي مش مجرد حقيقة
ده انهيار كامل لحياة ما كنتش أعرف إنها كذبة من أولها الأجهزة بدأت تصفر بصوت عالي يقطع الأعصاب.
الدكاترة دخلوا بسرعة، واحد بيصرخ افصلوا الكهرباء الزايدة! جهزوا صدمة!
وأنا واقف مكاني مش قادر أتحرك.
الورقة اللي في إيدي بتترعش بس مش قادر أفتحها.
نهى دخلت ورايا فجأة، صوتها مخنوق افتحها يا حسن دلوقتي!
بصيت لها بغضب ممزوج بالوجع إنتي عارفة إيه؟! قولي!
سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة فيا
أبوك الحقيقي لسه عايش.
الدنيا سكتت.
حتى صوت الأجهزة حسّيته اختفى ثانية.
إيه؟
قبل ما أستوعب، الدكتور خرج من غرفة الإنعاش وهو بيزعق الحالة استقرت بصعوبة لكن لازم حد من العيلة يقرر نقل المريض فورًا!
بس أنا ما سمعتش.
كل اللي في دماغي جملة نهى بتتكرر أبوك الحقيقي لسه عايش
بصيت لها بذهول إنتي بتقولي إيه؟! أبويا هنا! على السرير!
دموعها نزلت أكتر اللي رباك مش والدك البيولوجي بس فيه واحد تاني أبوك الحقيقي هو اللي كان السبب في كل حاجة وهو اللي
سكتت فجأة.
في اللحظة دي، باب المستشفى اتفتح بقوة.
وشخص دخل بخطوات سريعة ملامحه مألوفة بشكل مرعب.
رجل في الخمسينات عينيه عليّا أنا مش على السرير.
وبصوت
أخيرًا شوفت ابني.
اتجمدت.
نظرتي راحت بينه وبين السرير وبين أبويا اللي بين الحياة والموت
ومش قادر أفهم حاجة غير إن حياتي كلها كانت مبنية على كذبتين
واحد ربانى وواحد واقف قدامي دلوقتي بيقول إنه أبويا الحقيقي.
والورقة اللي في إيدي بدأت تتفتح لوحدها من رعشة صوابعي إيدي كانت بتترعش وأنا باخد الورقة التانية منه.
مش خوف ده كان إحساس إن أي سطر هيتكتب فيها ممكن يمسح اللي باقي مني.
فتحتها.
بس المرة دي ما قدرتش أقرأ بسرعة.
الكلمات كانت تقيلة متعمدة كأنها مكتوبة بدم مش بحبر.
في يوم 14 مارس حصلت حادثة لم يتم الإبلاغ عنها
وقفت عند السطر ده.
بصيت للراجل حادثة إيه؟
ما ردّش.
كمل قراية بصوت واطي كأنه بيحكم عليّا
الأم الحقيقية للطفل حسن تعرضت لظروف تهديد قاسية وتم إجبارها على ترك الطفل بعد ولادته مباشرة
قلبي وقع.
نهى صرخت فجأة كفاية بقى! إنتوا بتدمروا الراجل!
لكن الصوت جوايا كان أعلى منها.
كملت الورقة
تم تسليم الطفل لرجل عامل بناء فقير بناءً على اتفاق غير قانوني بهدف حمايته من جهة نافذة كانت تبحث عنه
رفعت عيني ببطء.
جهة نافذة؟ إنتوا بتتكلموا عن مين؟
الراجل الحقيقي سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الهواء يختفي من الأوضة
عيلة مراتك.
التفتّ لنهي بسرعة.
وشها اتغير.
اتسحب الدم منه في ثانية.
إنتي إنتي عارفة؟
رجعت خطوة لورا حسن أنا كنت
قاطعها صوت جهاز القلب اللي في الأوضة التانية.
صفارة طويلة.
مستمرة.
مش بتتغير.
الدكاترة جريوا تاني.
لكن أنا ما اتحركتش.
لأني فهمت حاجة أخطر من كل اللي فات
أبويا اللي ربايا كان بيحميني من حاجة أكبر من الفلوس وأكبر من النسب
كان بيحميني من عيلة كاملة كانت مستعدة تمسح وجودي لو عرفوا الحقيقة.
والراجل اللي قدامي مش بس أب
ده
وفجأة
الدكتور خرج وهو بيهتف الحالة استقرت لكنه عايزكم كلّكم دلوقتي.
بصيت للاتنين.
واحد ربايا بالحب والصمت.
وواحد رجع بالحقيقة
متابعة القراءة