حطت مني كوبايه الشاي
حطّت منى كوباية اليانسون على الترابيزة اللي قدامها، ورمت ضهرها على الكنبة وهي طالعة فيها الروح. كل مرة تكلم حماتها أم أحمد كانت بتحس إنها محتاجة تدخل تاخد دش وتغسل قلبها قبل جسمها. الست كانت عندها موهبة غريبة... تعرف تطلب فلوس وهي بتتكلم بمنتهى الطيبة والحنية، لدرجة تخليك تحس إنك لو ما ساعدتهاش
تبقى إنسان عديم الضمير.
حكايات منال علي
يا بنتي يا منى، حقك عليّا إني بتعبك معايا كل شوية قالت أم أحمد بصوت كله ضعف وانكسار بس الدكتور بيقول مينفعش أوقف العلاج دلوقتي. وإنتِ عارفة المعاش اللي باخده عامل إزاي... بالعافية مكفيني أكل وشرب.
منى سكتت وهزت راسها تلقائي، رغم إن اللي على الطرف التاني مش شايفاها أصلًا.
حصري على صفحه روايات واقتباسات
من تلات شهور تقريبًا، أم أحمد كانت بتعيط قدامها وتحكيلها إنها عندها خشونة جامدة في المفاصل، وإن حالتها ممكن تسوء وماتعرفش تمشي كويس لو ما كملتش العلاج.
وقتها منى ما فكرتش ولا ثانية.
دفعت الفلوس فورًا.
خمسين ألف جنيه كل شهر رقم مش صغير، حتى بالنسبة ليها وهي صاحبة براند ملابس ناجح، لكن في الآخر دي ست كبيرة وفي مقام والدتها..
حكايات منال علي
ماتشليش هم يا طنط، بكرة الصبح الفلوس هتبقى في حسابك. وبعدين بلاش اعتذار كل مرة، إحنا أهل.
يا روحي يا بنتي! ربنا يخليكي ليا! أحمد والله ما كانش يحلم بواحدة زيك! ربنا يباركلكم ويبعد عنكم العين!
وبعد وصلة دعوات وشكر طويلة، المكالمة خلصت...
أو على الأقل ده اللي منى افتكرته.
قعدت قدام اللابتوب عشان تكمل شغلها. كان عندها مليون حاجة وراها. بكرة إنطلاق الكوليكشن الجديد، وبعده اجتماع مع مستثمرين. وهي لسه عندها 28 سنة بس، وقدرت تكبر شغل العيلة وتخليه اسم معروف في السوق.
مدّت إيديها تمسك التابلت...
وفجأة سمعت صوت ضحك.
ضحك جاي من قريب جدًا.
رفعت راسها باستغراب.
التلفزيون
يبقى الصوت جاي منين؟
وفجأة قلبها وقع...
ده صوت حماتها
يا أحمد يا ابني، أنا شكلي رزقي واسع النهارده! مراتك هتحولي خمسين ألف كمان بكرة!
وقالتها وهي بتضحك ضحكة مستفزة.
منى اتخشبت مكانها.
بصت للتليفون بسرعة.
الشاشة كانت لسه منورة.
المكالمة ما اتقفلتش.
حلو أوي... كام المرة دي؟ جه صوت أحمد.
منى حست إن قلبها وقف ثانية.
أحمد؟!
إزاي؟
مش المفروض يكون في الشغل؟
بيعمل إيه عند أمه دلوقتي؟
خمسين ألف زي كل مرة. والله البنت دي قلبها أبيض أوي، ومصدقة حكاية المرض تصديق أعمى!
يا أمي إنتِ جامدة والله! حكاية الخشونة والتقارير دي كانت فكرة عبقرية!
التليفون كان هايقع من إيد منى.
فكرة؟!
إيه يعني فكرة؟
طب والأشعات؟
والتقارير؟
والروشتات؟
كل ده كان تمثيل؟
يا ابني، العبقرية مش أنا... العبقرية هي مراتك. طيبة أوي لدرجة إنها بتصدق أي حاجة.
وقالوا الجملة دي واتنينهم انفجروا من الضحك.
ضحكة وجعت منى أكتر من أي كلمة.
المهم استغلي الموضوع قبل ما تفوق كملت أم أحمد.
ماتقلقيش. أنا أصلًا ناوي أجيب عربية جديدة. عربية محترمة كده بخمسة مليون ولا حاجة.
يا لهوي! خمسة مليون مرة واحدة؟
أمال إيه؟ هو أنا اتجوزت صاحبة شركة ناجحة عشان أعيش عيشة عادية؟
الجملة دي نزلت على منى زي السكينة.
أنا اتجوزت صاحبة شركة ناجحة...
بس.
دي كانت الحقيقة كلها.
ولا حب.
ولا مشاعر.
ولا أي حاجة.
الراجل اتجوزها عشان فلوسها وبس.
غطت بقها بإيديها عشان ماتصرخش.
افتكرت أول مرة شافته.
افتكرت كلامه الحلو.
نظراته.
طلبه للجواز.
دموع الفرح اللي نزلت منها يوم كتبوا الكتاب.
طلع كله فيلم.
فيلم متقن أبطاله أحمد وأمه.
بس خلي بالك يا ابني قالت أم أحمد لو شكت في حاجة هنروح في داهية.
يا أمي اهدّي. منى بتحبني بجنون. لو قولتلها العربية للشغل هتصدق. ولو قولتلها القمر أخضر هتصدق.
وضِحكوا تاني.
المرة دي الضحكة كانت كأنها
وأنا لسه قلقانة. لو أصرت تيجي معايا للدكتور؟
يا أمي بلاش خوف زيادة. منى ما عندهاش وقت أصلًا. وبعدين هي هتفهم في الطب يعني؟ التقارير المزورة اللي عملناها مكفياها.
التقارير المزورة...
الكلمتين دول خلّوا كل حاجة تبقى واضحة.
المرض كدب.
العلاج كدب.
الدموع كدب.
حتى كلمة يا بنتي كانت كدب.
الدنيا كلها كانت بتتهز تحت رجليها.
لكن الغريب إنها ما انهارتش.
ما عيطتش.
ما صرختش.
بالعكس...
وشها بقى هادي بشكل يخوف.
لأنها أخيرًا فهمت اللعبة.
ولو أحمد وأمه فاكرين إنهم ضحكوا عليها...
يبقى لسه ما يعرفوش إن الست لما قلبها بيتكسر، ممكن تبقى أخطر بكتير مما يتخيلوا...
ووووو
أكمل
صلوا على حبيبنا و شفيعنا محمد ﷺ
لايك و كومنت بتم وتابع الباقي في التعليقات منى فضلت قاعدة مكانها، إيديها لسه على بُقها، بس عينها بقت ثابتة على نقطة واحدة في الفراغ.
المكالمة لسه شغالة وصوت أنفاسهم وضحكهم بيوصلها كأنه بيطلع من جوا دماغها هي.
وفجأة
سمعت صوت الكرسي بيتسحب من الناحية التانية.
يلا يا أمي نقفل بقى، شكلها خلصت الفلوس كده.
ضحك خفيف.
وبعدها صوت إغلاق الباب.
وبعد ثواني
صوت تِك خفيف.
المكالمة اتقفلت.
سكون.
سكون تقيل كأنه بيكتم الهوا في الأوضة.
منى بصت للتليفون.
الشاشة مطفية دلوقتي.
بس اللي جواها كان مولّع.
قامت ببطء، كأن كل حركة محتاجة مجهود مش طبيعي، ومشت ناحية المراية اللي في الصالة.
وقفت قدامها.
بصت لنفسها.
ست 28 سنة ناجحة اسمها بيتقال في السوق الناس بتغبطها على حياتها.
بس في اللحظة دي
ماكانش فيها أي حاجة من الكلام ده.
كان فيها واحدة اتباعت.
بأبسط طريقة ممكنة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا مش فرح، أقرب لعدم تصديق.
خمسين ألف خمسين ألف كل شهر
همست بيها كأنها بتجرب الكلمة على لسانها.
وبعدين سكتت.
وفجأة
رجعت خطوتين لورا.
قعدت على طرف الكنبة.
فتحت
وبهدوء غريب
بدأت تكتب.
مش إيميل شغل.
مش تصميم جديد.
ولا خطة كولكشن.
لا
كانت بتفتح ملف جديد بعنوان
حسابات أحمد
أول سطر كتبته كان
دخل شهري صفر من غيري
وقفت إيدها لحظة فوق الكيبورد
وبعدها كملت
المصاريف اللي اتدفعت باسم المرض الوهمي
سكتت تاني.
وبصت قدامها.
وبصوت واطي جدًا قالت
تمام بما إن دي كانت لعبة يبقى لازم تتلعب صح للنهاية.
قفلت اللابتوب فجأة.
وقامت.
لبست جاكتها بهدوء.
وخدت مفاتيح العربية.
بس قبل ما تخرج من الشقة
وقفت عند الباب.
وبصت للأوضة اللي كانت فيها أيام الحب والاهتمام.
وقالت جملة واحدة بس
كانت أهدى من أي تهديد
أنا ما اتضحكش عليّا مرتين.
وبعدها خرجت وسابت الباب يقفل وراها.
بس المرة دي
مش هي اللي اتقفلت في وشها اللعبة.
دي اللعبة اللي ابتدت تتقفل عليهم هماالشارع برا كان هادي بشكل غريب كأن الدنيا نفسها مستنية اللي جاي.
منى ساقت عربيتها من غير ما تبص وراها مرة واحدة. ملامحها ثابتة، بس عقلها شغال أسرع من أي وقت فات.
مش غضب بس
لا.
ده نوع تاني أخطر هدوء ما قبل الحساب.
وصلت مكتبها.
الشركة كانت فاضية نسبيًا في الوقت ده، بس فيه كام موظفة لسه شغالين على تجهيزات الكوليكشن الجديد.
لما دخلت، الكل وقف لحظة.
مساء الخير يا مدام منى.
هزت راسها بهدوء
عايزة ملف الشراكات وكل التحويلات الكبيرة آخر 3 شهور.
السكرتيرة اتلخبطت
دلوقتي؟ في وقت متأخر كده؟
منى بصت لها نظرة قصيرة بس كفاية
دلوقتي.
خلاص.
مفيش نقاش.
بعد نص ساعة
كل الورق قدامها.
أرقام.
تحويلات.
مصاريف علاج.
تقارير مستشفى.
أسماء دكاترة.
ومن أول نظرة
كل حاجة بدأت تتفكك في دماغها زي لعبة اتفكت خيوطها.
مزور همست.
ورقة بعد ورقة
ولا حاجة كانت راكبة على بعض.
قامت وقفت قدام الشباك الكبير اللي بيطل على المدينة.
وقالت لنفسها بهدوء
يبقى اللعبة مش بس نصب دي منظمة.
رجعت تاني للمكتب.
مسكت التليفون.
وبعتت رسالة قصيرة جدًا لرقم مش محفوظ عندها
عايزة أقابل محامي شاطر في قضايا النصب العائلي. حالًا.
وبعدها
اتصلت برقم تاني.
رقم أحمد.
بيرن
بيرن
بيرن
ولا رد.
ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها.
طبيعي فاكر