ضحيت ب22 سنه جواز

لمحة نيوز


سند.
بدأت أشعر أني أحلم.
فريدة كملت
وأول فرع هيبدأ يشتغل الشهر الجاي.
ملك أضافت وهي تبكي
وكل طفل يدخل المؤسسة دي هيعرف إن فيه حد ممكن يختاره ويحبه حتى لو مش من دمه.
في اللحظة دي ماقدرتش أمسك دموعي.
لأنني أدركت حاجة مهمة جدًا.
أنا كنت فاكر إني ربيت ثلاث بنات.
لكن الحقيقة...
إن الثلاث بنات دول كبروا وبقوا نور لناس كتير غيرهم.
وبعد سنة...
افتتحنا أول مركز.
وبعدها الثاني.
ثم الثالث.
وبقى اسم بيت نوح معروف في أماكن كتير.
وفي يوم وأنا ماشي في أحد الفروع، جريت بنت صغيرة عمرها حوالي سبع سنين.
حضنت رجلي وقالت
حضرتك بابا نوح؟
ضحكت ومسحت على شعرها.
وقلت
أيوه.
رفعت رأسها وقالت
أنا نفسي لما أكبر أبقى زيك.
وقتها فقط...
حسيت إن أعظم هدية خدتها في حياتي ماكانت لا بيت ولا محل ولا تكريم.
كانت إن رحلة بدأت بثلاث كراسي أطفال قدام باب شقة متواضعة...
انتهت بمئات الأطفال اللي لقوا بيتًا وأملًا وحياة جديدة.
وهنا فهمت معنى الجملة اللي كانت أم محمد بتقولها زمان
الخير عمره ما بيضيع يا ابني...
وفعلًا...
ولا ذرة من الخير ضاعت. لكن بعد سنتين من افتتاح بيت نوح...
حصل شيء قلب كل حاجة من جديد.
كنت قاعد في المكتب الصغير بتاعي في الفرع الرئيسي، أراجع أوراق التبرعات، لما السكرتيرة دخلت وقالت
في شاب برة مصمم يقابلك.
قلت
يبعت معاد.
قالت بتردد
بيقول لازم يشوفك النهاردة.
خرجت له.
كان شاب في أوائل العشرينات.
واقف ومتوتر.
وفي إيده ملف قديم.
أول ما شافني، وقف بسرعة وقال
حضرتك الأستاذ نوح؟
هززت رأسي.
ناولني الملف.
وقال
أنا جاي من طرف أبويا.
فتحت الملف.
ولقيت اسمًا جمد الدم في عروقي.
اسم أخويا.
رفعت عيني بسرعة.
الشاب قال
أنا ابنه.
سكتُّ.
كأن الزمن رجع يلف.
ابن أخويا؟
يعني أخو البنات من الأب.
قعدت قدامه وأنا مش مستوعب.
قال بصوت مكسور
أبويا مات من أسبوع.
ماعرفتش أرد.
رغم كل اللي حصل، الخبر هزني.
طلع الشاب ظرفًا أصفر قديمًا.
وقال
قبل ما يموت سلمني ده.
فتحت الظرف.
وكانت رسالة بخط أخويا.
يا نوح...
لو الرسالة دي

وصلت لك، يبقى أنا ما بقيتش موجود.
عارف إني ضيعت حقي عندك.
وعارف إنك عملت للبنات اللي ماعملتوش أنا.
لكن فيه حاجة عمري ما قدرت أقولها.
بدأت يدي ترتعش.
أنا كنت برجع أشوفكم من بعيد.
كل سنة تقريبًا.
أشوف البنات داخلين المدرسة.
أشوفك خارج من الشغل.
وأرجع أمشي.
كنت جبان كل مرة.
بلعت ريقي بصعوبة.
وأكملت.
وفي كل مرة كنت أقتنع أكثر إن ربنا اختار الأب الصح ليهم.
دموعي نزلت دون ما أشعر.
لكن آخر سطر هو اللي صدمني.
أنا سايب كل اللي أملكه باسم مؤسسة بيت نوح.
رفعت رأسي للشاب.
وهو قال
دي الحقيقة.
اكتشفت بعدها أن أخويا عاش حياة بسيطة جدًا.
وكان بيوفر جزءًا من دخله لسنوات طويلة.
ليسدد ديونًا قديمة.
ويترك ما يستطيع للأطفال المحتاجين.
مش تعويضًا كافيًا...
لكن محاولة متأخرة لفعل شيء صحيح.
في المساء جمعت ملك وفريدة ونور.
وقرأت لهم الرسالة كاملة.
سكتوا طويلًا.
ثم قالت نور
يمكن اتأخر جدًا.
وقالت ملك وهي تمسح دموعها
لكن واضح إنه ندم.
أما فريدة فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
وأنت علمتنا إن المسامحة مش معناها ننسى... معناها مانفضلش عايشين جوه الوجع.
بصيت لهم.
وحسيت بالفخر.
لأن البنات الصغيرين اللي كنت بخاف عليهم من الدنيا...
بقوا هم اللي بيعلموني.
وفي تلك الليلة...
خرجت إلى الحديقة.
جلست تحت شجرة الليمون نفسها.
ورفعت رأسي للسماء.
وقلت بهدوء
اطمن...
البنات بخير.
وهبت نسمة خفيفة بين الأغصان.
فابتسمت.
لأول مرة منذ اثنين وعشرين عامًا...
لم أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.
وكان ذلك أجمل ختام للحكاية. لكن الحياة...
نادراً ما بتديك نهاية وتقفل الكتاب.
بعد خمس سنين كمان...
بقى بيت نوح عنده فروع في محافظات كتير.
ومئات الأطفال لقوا مكان آمن يبدأوا منه من جديد.
أما أنا فبقيت راجل عجوز شوية.
شعري كله بقى أبيض تقريبًا.
والمشي بقى أبطأ.
لكن كل ما طفل جديد يدخل البيت ويضحك...
كنت بحس إني أصغر عشر سنين.
وفي صباح هادئ من شتا يناير...
وصلتني رسالة غريبة.
مفيهاش غير سطر واحد
في حاجة لازم تعرفها عن أم البنات.
اتجمدت مكاني.

لأن بعد كل السنين دي...
افتكرت إن مفيش أسرار فاضلة.
الرسالة كان معاها عنوان.
عنوان بيت قديم في مدينة بعيدة.
بعد تردد طويل...
قررت أروح.
وصلت البيت بعد ساعات.
وكان بيت متواضع جدًا.
فتحت الباب ست عجوز عمرها يمكن تعدى السبعين.
أول ما شافتني...
دموعها نزلت.
وقالت
أخيرًا جيت يا نوح.
استغربت.
حضرتك تعرفيني؟
هزت رأسها.
وقالت
أنا خالة أم البنات.
حسيت إن قلبي دق بقوة.
دخلت.
وقعدت قدامها.
طلعت صندوق خشب قديم.
وقالت
البنت الله يرحمها كانت مسيباه عندي.
فتحت الصندوق.
لقيت صور.
وخطابات.
ودفاتر صغيرة.
وأخيرًا...
ظرف مكتوب عليه
إلى نوح.
بصيت للاسم وكأن الزمن وقف.
فتحت الظرف.
وكانت رسالة من أم البنات نفسها.
مكتوبة قبل وفاتها بأشهر.
يا نوح...
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجودة.
بدأت دموعي تنزل.
يمكن تستغرب ليه بكتب لك أنت.
لكن طول عمري كنت عارفة إن لو حصل أي شيء في الدنيا، أنت أكتر إنسان هيحافظ على بناتي.
وقفت القراءة للحظة.
مش قادر أكمل.
لكن كملت.
كنت دايمًا أقول لجوزي إنك أصلب وأحنّ منه.
ضحكت وسط دموعي.
وهي أول ضحكة طلعت مني وقتها.
الرسالة انتهت بجملة قصيرة جدًا
لو كبروا يومًا وصاروا نساء صالحات... فده لأنك كنت موجود.
قفلت الرسالة.
وسكت.
دقايق طويلة.
لا بتكلم.
ولا بفكر.
بس حاسس بدفء غريب جوايا.
كأن حد بعد سنين طويلة جدًا...
أكد لي حاجة كنت محتاج أسمعها.
وأنا راجع بالقطار في الليل...
بصيت من الشباك.
وشفت انعكاس وشي في الزجاج.
وشفت العمر كله.
الشاب اللي كان خايف من ثلاث رضيعات.
والرجل اللي ضحى بأحلامه.
والأب اللي ما خلفش أبناء...
لكن ربّى عائلة كاملة.
ولما وصلت البيت...
لقيت ملك وفريدة ونور مستنييني.
سألوني
الرحلة كانت عاملة إيه؟
ابتسمت.
وحضنتهم كلهم.
وقلت
أمكم كانت عارفة.
استغربوا.
لكنهم فهموا من دموعي.
وفي تلك الليلة...
جلسنا معًا حتى الفجر.
نحكي ذكريات عمر كامل.
ونضحك.
ونبكي.
ولأول مرة...
لم تكن الذكريات مؤلمة.
كانت جميلة فقط.
جميلة كما تستحق أن تُحكى. مرّت سنوات أخرى.
..
وكنت كل مرة أقول لنفسي خلاص، دي آخر صفحة.
لكن الحياة كانت كل شوية تفتح صفحة جديدة.
في يوم من الأيام، كنت قاعد في الحديقة تحت شجرة الليمون، أحتسي الشاي، لما سمعت صوت عربية تقف قدام البيت.
نزلت أشوف.
لقيت ملك وفريدة ونور نازلين من العربية، ومعاهم ثلاثة أطفال صغار.
كل واحدة شايلة طفل.
وقفت أضحك وقلت
إيه ده؟ حضانة متنقلة؟
فريدة ضحكت وقالت
لا يا بابا... دول أحفادك.
الكلمة ضربت قلبي بطريقة غريبة.
أحفادي؟
كنت أعرف طبعًا إنهم اتجوزوا وخلفوا، لكن أول مرة أشوف الأطفال الثلاثة مع بعض.
ولد صغير جري ناحيتي وسأل
إنت بابا نوح؟
ضحكت.
وقلت
أيوه.
قال بثقة
ماما قالت إنك أشجع راجل في الدنيا.
نظرت إلى ملك.
فوجدتها تبتسم والدموع في عينيها.
بعدها دخلنا البيت.
وكان الأطفال يجرون في كل مكان.
يكسرون الهدوء الذي اعتدت عليه.
لكنني اكتشفت أن البيت لم يكن محتاجًا للهدوء أصلًا.
كان محتاجًا للحياة.
في المساء، بينما الجميع يجلس حول السفرة، رفعت نور كوب العصير وقالت
عايزين نقول حاجة.
نظرت إليهم.
قالت
إحنا قررنا نعمل تقليد جديد في العيلة.
سألت
إيه هو؟
قالت
كل طفل في العيلة، أول ما يكبر ويفهم، لازم يعرف قصتك.
اعترضت فورًا
يا بنتي سيبوا العيال في حالهم.
لكن فريدة قالت
لا.
وأضافت ملك
عشان يعرفوا إن العيلة مش بس دم.
ثم أكملت نور
العيلة اختيار... ومسؤولية... وحب.
سكتُّ.
لأنني لم أجد ما أقوله.
وبعد سنوات أكثر...
في عيد ميلادي الثمانين...
امتلأ البيت.
بناتي.
وأزواجهن.
وأحفادي.
وأطفال بيت نوح الذين كبروا.
وحتى بعض العاملين القدامى في المؤسسة.
البيت كله كان ضحكًا وصخبًا.
جلست أراقبهم فقط.
وفجأة أحسست بيد صغيرة تمسك يدي.
التفت.
فوجدت أصغر حفيدة لي.
قالت
جدو نوح.
ابتسمت.
وقالت
لما أكبر... أنا كمان هساعد الناس زيك.
ربتُّ على رأسها.
ونظرت حولي.
إلى البيت.
إلى العائلة.
إلى كل تلك الوجوه.
وعرفت وقتها شيئًا واحدًا
أن الرجل لا يُقاس بما جمعه لنفسه...
بل بما تركه في قلوب الآخرين.
والطفل الذي أمسك إصبعي منذ عشرات
السنين...
لم يكن ينقذ نفسه فقط.
كان ينقذني أنا أيضًا.
ومن تلك اللحظة...
لم أعد أفكر في ما ضحيت به.
بل في كل ما كسبته. 
وهكذا استمرت الحكاية... جيلًا بعد جيل ومع مرور السنين...
بقى اسم بابا نوح أكبر من مجرد اسم شخص.
بقى حكاية.
وحكاية بتتحكي في بيوت كتير.
لكن في ليلة هادئة...
بعد عيد ميلادي
 

تم نسخ الرابط