لما كان عندي عشر سنوات بقلم زهرة الربيع
ابتسامة صغيرة، وفتح الملف على صفحة معينة كأنه كان متوقع الحركة دي.
وقال بهدوء في قواعد أي تردد طويل في الموقف ده بيتسجل كقبول مشروط. خصوصًا لما يبدأ فتح الملف.
قلبي دق بسرعة.
أول مرة أحس إن الورق بيتكلم بدل الإنسان.
من ورا الباب، الصوت بقى أوضح
فيه واحد مصاب! حد يجيب إسعاف!
وأبويا صوته عالي وهو بينادي باسم حد من الحارة.
الصحفي رجع يجري ناحية الباب تاني، لكن رجع يبص عليا وهو محتار يكمل خبر ولا يكمل اللحظة دي.
أمي وقفت في النص مرة تبص للباب، ومرة تبصلي، وكأنها بين حاجتين بيتمزقوا جواها.
وقالت بصوت متكسر نادية إلحقِي أبوكي
الجملة دي وقعت فيا بشكل مختلف.
أبويا اللي كان دايمًا بيبقى بعيد، أو سابقني، أو شايفني مش موجودة.
والراجل بتاع الاتحاد كمل كأنه بيقفل الباب عليا الخطوة الجاية تدريب مغلق. سفر خلال 72 ساعة. مفيش تراجع بعد التوقيع الإداري النهائي.
إداري؟ همست.
رد إحنا اعتبرنا فتح الملف قبول مبدئي في ظروف طارئة.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير صوت.
يعني حتى قراري اتفسر.
من برا، صوت حاجة اتكسرت تاني والناس بدأت تتزاحم أكتر.
وفجأة
بصيت للموتوسيكل القديم.
كان واقف مكانه زي ما هو بس الإحساس الأولاني اختلف.
مش موتوسيكل بيجري قدامي.
ده كان شاهد على كل مرة اتساب فيها ورا.
رجعت بصيت للملف.
وبعدين لباب البيت اللي مفتوح على مصراعيه.
الراجل قال آخر جملة بهدوء لو خرجتي دلوقتي مش هتلحقي ترجعي قبل ما القرار يتقفل رسمي.
وفي اللحظة دي
سمعت صوت أبويا من بعيد، لأول مرة مش بيأمر بيصرخ
نادية! تعالي بسرعة!
وقف الزمن ثانية.
ما بين باب بينده وملف بيحبس.
وخطوة واحدة بس هي اللي هتحدد مين فيهم هيبقى الماضي ومين هيبقى المستقبل وقفت لحظة بس اللحظة دي كانت أطول من كل السنين اللي فاتت.
صوت أبويا كان بيقرب، متقطع وسط الزحمة
نادية! بسرعة!
وأنا بصيت للموتوسيكل القديم وبصيت للملف المفتوح وبصيت للباب اللي منه الدنيا كلها بتتشقلب.
وبعدين خدت نفس واحد عميق.
مش نفس جري ولا نفس خوف.
نفس حد قرر.
قفلت الملف بهدوء، ورفعته بإيدي وناوله للراجل بتاع الاتحاد.
قالت وأنا بصوت ثابت أنا مش هقرر وأنا واقفة بين صريخ ومستقبل بيتفرض عليا.
الراجل اتفاجئ يعني إيه؟
قلت يعني لما الدنيا تهدى هبقى أنا اللي أختار، مش الورق.
سكت لحظة.
برا، حد صرخ تاني، وأبويا ظهر عند الباب وهو لسه بياخد نفسه بصعوبة.
بصلي وكأنه لأول مرة شايفني مش طفلة.
أمي وقفت وراه، ساكتة.
والصحفي وقف بعيد، مش قادر يكتب ولا يصور.
الراجل بتاع الاتحاد قفل الملف ببطء وقال دي أول مرة حد يقول كده.
هزيت راسي، ومشيت ناحية الباب.
عديت جنب أبويا.
ما شتمش ما أمرش ما قالش حاجة.
بس عينه كانت مليانة حاجة غريبة زي الندم اللي اتأخر سنين.
وقفت لحظة عند الباب، وبصيت للموتوسيكل القديم آخر مرة.
وبعدين خرجت.
برا كانت الحارة مولعة بصوت الإسعاف والناس.
وجوايا
كان في هدوء لأول مرة شبه الانتصار.
ومش لأن حد اختارني
لكن لأن المرة دي، أنا اللي اخترت نفسي.