بعد عزا جوزي

لمحة نيوز

حياتي.
العزا بتاع جوزي "مصطفى" كان هادي وكله حزن، رغم إن الجو كان دافي وشمس شهر خمسة حامية. الناس كلها كانت بتقدم لي واجب العزا، كلام مواساة، ولحظات سكات، وبصات من ناس مش عارفة تقول إيه في الموقف ده. كنت فاكرة إن أكبر وجع في حياتي هو إني بودع مصطفى.
بس طلعت غلطانة.
الغل والوجع الحقيقي جالي وأنا لسه في المدافن مخرجتش منها.
مرات ابني "شيماء" قربت مني وبابتسامة صفراء ومصطنعة تيتشت في ودني وقالت:
* ما تضيعيش دموعك دي أوي... هتحتاجيها لما البيت ده يروح منك.
ابني "أحمد" كان واقف جنبها. طلع ضحكة خطف كأنه سمع نكتة سرية بينهم. أنا جسمي اتخشب في مكاني. كنت حاسة بالغل والمشاكل اللي بيننا وبينهم بقالها شهور، خصوصاً من ساعة ما صحة مصطفى بدأت تتدهور. بس عمري ما تخيلت إني هسمع كلام بالقسوة والجرأة دي – وفي يوم زي ده!
رجعت البيت لوحدي. كنت مهدودة وتعبانة لدرجة إني ما فتحتش حتى الشبابيك. تاني يوم، التليفونات بدأت ما تبطلش رن: من البنك، شركة التأمين، ومكتب المحامي. ورق وإجراءات وتخليص حاجات تانية كتير تخص جوزي بعد ما فارق الدنيا. مصطفى كان دايماً منظم وكل حاجة عنده بالورق والقلم، فكنت فاكرة إن مفيش أي مفاجآت هتقابلني.
بس كلام شيماء كان عمال يروح وييجي في دماغي ومش سايبني.
"البيت ده هيروح منك."
إزاي واثقة أوي كده؟ هما عارفين إيه أنا ما اعرفوش؟
بعدها بتلات أيام، وأنا راجعة من الفرن وجايبة العيش، لقيت راجل في الخمسينات من عمره واقف لي. كان ماسك في إيده شنطة ورق تقيلة، وباين على وشه إنه عارف هو جاي لمين بالظبط.
سألني: "الحاجة كريمة؟"
هزيت راسي بحذر وقلت له: "أيوة".
* جوزك الله يرحمه أمنّي إني أسلمك الحاجة دي بإيدي شخصياً. بس بعد وفاته.
ناولني مظروف بني تقيل. كان مكتوب عليه اسمي بخط مصطفى اللي يبكّي، خطه المميز اللي كان بيظبط بيه ورق البيت وبيكتب لي بيه طلبات البيت على الثلاجة.
حسيت بغصة في حلقي ودموعي حستها هتنزل.
سألته بصوت واطي: "إيه ده؟"
* دي عقود وأوراق. وتوجيهات كمان. جوزك كان عاوز يضمن إنك تبقي جاهزة لأي حاجة ممكن تحصل، وماتحتاجيش لحد.
الراجل سكت لحظة وكمل كلامه:
* وطلب مني ما أقولش لأي مخلوق عن الموضوع ده.
وأنا حاطة المظروف تحت باطي ومطبقة عليه، فجأة كل حاجة نورت في دماغي وبقيت شايفاها بوضوح. البصات الغريبة، الكلام اللي كان بيتقال نص نص، ولمضة أحمد وشيماء فجأة وبقوا عاوزين "يساعدوا" في تخليص ورق مصطفى – كل الخيوط بدأت تتربط ببعضها.
في نفس اليوم بعد الظهر، قعدت لوحدي على طبلية المطبخ وفتحت المظروف.
جوه لقيت عقود ملكية، كشوفات حسابات من البنك، أوراق قانونية، وجواب مكتوب بخط إيد جوزي.
قريت الجواب الأول.
"حبيبتي كريمة،
لو بقيتي تقري الكلام ده، فده معناه إني ما بقتش موجود عشان أحميكي بنفسي زي ما كنت دايماً بحب وأتمنى. بس إنتي دلوقتي معاكي كل حاجة تخليكي تقفي على رجليكي وتكملي طريقك من غير ما تمدي إيدك أو تحتاجي لأي حد – وخصوصاً الناس اللي هيعملوا نفسهم عاوزين يخدموكي وهمّ في الأصل بيدوروا على مصلحتهم."
ما كتبش أسامي.
ما كانش محتاج يكتب... أنا عرفتهم خلاص.
السر اللي كان مخبيه مصطفى بقاله سنين
مصطفى كمل الجواب وهو بيشرح لي إنه قبل ما يتعب ويتشخص بـ سنة كاملة، اكتشف إن ابننا واقع في ضيقة مالية ومصيبة كبيرة. أحمد كان مضى على عقود فيها مخاطرة مع شركة استثمار خاصة من غير ما ياخد رأينا ولا يرجع لنا.
وشيماء مش بس كانت عارفة كل حاجة، لا... دي كمان –زي ما مصطفى كاتب– كانت بتزن عليه وعاوزه تسرع في حل المشاكل دي بأي طريقة. والحل ده كان ببساطة إنه ياخد البيت بتاعنا.
جوزي قعد فترة طويلة بيحاول يتصرف في الليلة دي لوحده. كان عشمام إنه يظبط كل حاجة قبل ما أنا أعرف. بس للأسف، المرض نهش فيه وأكل جسمه أسرع من ما أي حد فينا يتخيل.
وسط الأوراق، لقيت وصية متعدلة ومكتوبة قبل شهرين بالظبط من ما مصطفى ينام على السرير وميقدرش يتحرك.
وهنا بقى اكتشفت حاجة شقلبت التربيزة والموضوع كله.
البيت كان متأمن قانونياً بطريقة تخلي مستحيل أي بيع، أو نقل ملكية، أو حتى رهن يتم من غير إمضائي أنا شخصياً.
وشوية من الفلوس اللي كنا شايلينها على جنب، اتنقلت لحساب باسمي أنا وبس، ومفيش أي مخلوق تاني يقدر يمد إيده عليه أو يوصل له.

 

تم نسخ الرابط