صغعت امي ابني

لمحة نيوز

ببطء
في غرفة مقفولة عندكم؟
ما قدرتش أرد فورًا.
لكن الذكرى بدأت تطلع لوحدها
باب قديم
في آخر الممر
مقفول دايمًا ومحدش كان بيقرب منه.
واللي كنت فاكراه عادي طول عمري
بدأ يتغير شكله في دماغي لأول مرة السكوت اللي جوا العربية كان بيضغط على صدري أكتر من أي صوت.
عين العسكري ما كانتش بتفارقني.
في غرفة مقفولة عندكم؟
سؤاله اتقال بهدوء بس كان زي إبرة بتدخل في الذاكرة.
حاولت أتكلم، بس صوتي ما طلعش الأول.
مصطفى في حضني اتحرك أكتر، كأنه حس إن في حاجة بتتفتح جوه الكلام ده.
أنا أنا مش فاكرة حاجة مهمة.
قلت الجملة وأنا مش مقتنعة بيها حتى.
العسكري ما ردش، لكن بص للمرآة الأمامية، كأنه بيحاول يقيس صدقي من انعكاسي.
الموبايل رن تالت مرة.
نفس الرقم.
بس المرة دي ما ردش.
قفل الخط بسرعة.
وقال بصوت أخفض
إحنا مش بس بنوصل لطفل تاني إحنا بنوصل لسبب اختفائه.
قلبي نفض.
اختفائه.
الكلمة دي ما كانتش مكتوبة في أي ورقة قبل كده لكنها دلوقتي بقت تقيلة كأنها حقيقة قديمة كانت مستنية تتقال.
هناء من ورا بدأت تبكي بصوت مكتوم
كفاية إحنا مش عايزين مشاكل إحنا عيلة عادية
لكن صوتها كان بيتهدّ كل ثانية.
أمي ما زالت ساكتة.
وده كان أسوأ من أي رد فعل.
العربية بدأت تتحرك تاني ببطء بعد ما الطريق اللي قدامنا اتحركت منه العربية الغريبة فجأة من غير ما نلمح مين اللي جواها.
كأنها ما كانتش موجودة من الأساس.
لكن العسكري ما ارتاحش.
دي كانت رسالة مش عائق.
بصيت له
رسالة إيه؟
رد وهو بيكمل السواقة
إننا قريبين.
قريبين من إيه؟
ما لحقش يكمل
لأن في نفس اللحظة
نور العربية خفّ فجأة.
وبعدين الشاشة اللي قدام السواق فصلت.
العربية كلها دخلت في عتمة لحظة واحدة.
ومع العتمة
سمعنا صوت خبط خفيف جدًا من شنطة العربية الخلفية.
مرة.
وبعدين تانية.
كأن في حاجة جواها بتحاول تصحى الخَبطة الثالثة ما كانتش زي اللي قبلها.
كانت أقوى.
العربية كلها اهتزّت كأن حاجة من جوّاها اتدفعت بقوة في الباب الخلفي.
العسكري فرمل فجأة، ولفّ بسرعة
محدش يتحرك.
بس أنا كنت أصلاً مش قادرة أتحرك.
مصطفى صحى فجأة في حضني
ماما في إيه؟
حضنته أكتر
مفيش يا حبيبي نام تاني.
لكن صوت الخبط رجع تاني منتظم شوية كأنه مش عشوائي.
كأنه بيحاول يلفت انتباهنا.
هناء من ورا صرخت
افتحوا الشنطة! يمكن في حد فيها!
العسكري ما ردش عليها، لكن نزل بسرعة من العربية، وفتح الباب الخلفي بحذر.
اللحظة اللي بعدها كانت أطول لحظة في الليلة كلها.
سكون.
وبعدين
صوت معدن بيتحرك.
ثم
يا رب
كلمة اتقالت من العسكري نفسه لأول مرة بنبرة مش مفهومة.
أنا وقفت في مكاني، قلبي بيضرب بسرعة مش طبيعية.
فتح شنطة العربية بالكامل.
ووقف.
ما اتحركش.
هناء صرخت
في إيه؟!
العسكري لفّ لنا ببطء.
ووشه كان أبيض بشكل غريب.
مفيش حد
سكت ثانية.
وبعدين كمل
بس فيه حاجة متقفلة جوا.
قلبي نفض.
يعني إيه متقفلة جوا؟
هو ما ردش مباشرة.
بس مد إيده وطلع حاجة صغيرة من الشنطة.
مفاتيح قديمة.
مش مفاتيح عربية.
مفاتيح بيت.
ومربوطة فيهم بطاقة صفراء باهتة.
قلبت فيهم لحظة وبعدين قرأ بصوت منخفض
غرفة الغسيل البيت القديم
رجلي لانت.
غرفة الغسيل.
نفس الكلمة اللي مصطفى قالها في المستشفى.
نفس المكان اللي ابني اتحبس فيه.
نفس البيت.
لكن المفاجأة اللي كسرت كل حاجة جوايا
إن المفتاح ما كانش قديم بس.
كان عليه اسم محفور.
اسمي أنا.
وقتها العسكري رفع عينه ناحيتي وقال
واضح إن الغرفة دي ما كانتش مقفولة عشان الأطفال.
سكت.
وبعدين كمل الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي
كانت مقفولة عشانك إنتِ.الهواء في العربية اتسحب كأن حد فتح باب في صدري.
المفتاح اللي في إيد العسكري كان ثابت قدام عيني، واسم زينب محفور عليه بوضوح كأنه ما كانش مستني حد يكتشفه غير دلوقتي.
مقفولة عشانّي أنا؟
الكلمة طلعت مني مش صوت أقرب لارتجاف.
العسكري ما ردش فورًا. كان بيقلب في البطاقة الصفراء تاني، كأنه بيحاول يربط حاجات كتير في دماغه.
هناء من ورا كانت بتنهار
ده جنان إحنا في عربية بوليس ولا في فيلم؟
أمي لأول مرة صوتها خرج، لكن كان مكسور
رجّعونا البيت كفاية!
لكن العسكري ما اتحركش.
بصّ لي مباشرة
الاسم ده مش مكتوب عبط. ده معاه تاريخ فتح وإغلاق وأكتر من توقيع.
قلبي بدأ يدق بشكل مؤلم.
توقيع مين؟
هو سكت لحظة.
وبعدين قال
توقيعك.
سكت العالم.
حتى مصطفى في حضني ما اتحركش.
إزاي؟ أنا عمري ما
وقفت الجملة في حلقي.
لأن صورة بدأت تطلع في دماغي مش كاملة، مش واضحة بس موجودة.
باب خشب قديم
ممر ضيق
صوت مفتاح بيتقفل من بره
وصوت بنت صغيرة بتعيط مش متأكدة هي أنا ولا حد تاني.
حطيت إيدي على صدري غصب عني.
أنا ما افتكرش.
العسكري هز راسه ببطء
أحيانًا الذاكرة ما بتختفيش بتتخزّن.
هناء صرخت فجأة
كفاية! زينب بتلعب دور الضحية دلوقتي؟!
لكن العسكري رفع إيده يسكّتها
مش وقت كلام ده.
لفّ ناحيتي تاني
المفتاح ده معناه إنك كنتِ جوه النظام ده قبل كده مش خارجه منه.
سكت ثانية.
وبعدين كمل الجملة اللي خلت كل حاجة تقع
وإنتِ الوحيدة اللي قدرتي تفتحيه أو حد فتحه بإسمك.
في اللحظة دي
الموبايل اللي في جيب العسكري رن تاني.
بس المرة دي الشاشة ما كانتش فيها رقم.
كانت كلمة واحدة بس ظهرت
الغرفة اتفتحت.
العسكري بصّ لها وبعدين ليا
وبصوت منخفض جدًا قال
إحنا متأخرين العسكري ما كملش جملته.
العربية نفسها اهتزّت اهتزاز خفيف كأن في حاجة جوّا النظام كله اتفكت مرة واحدة.
الموبايل وقع من إيده على الأرض، والشاشة اللي كانت منوّرة بكلمة الغرفة اتفتحت فصلت فجأة.
هناء صرخت، وأمي مسكت صدرها، لكن مفيش حد كان قادر يتحرك فعلاً.
أنا بس اللي حسّيت إن في حاجة بتشدّني من جوّا مش من العربية، من الذاكرة.
مصطفى فتح عينه على صوتي وهو بيهمس
ماما إحنا فين؟
حضنته بقوة، ودي كانت أول مرة من بداية الليلة أحس إن القرار واضح جوايا.
خلاص يا حبيبي هنخرج من هنا.
العسكري فتح الباب بسرعة
انزلوا فورًا!
نزلنا على الأرض، والهواء كان مختلف تقيل، كأنه محمّل بحاجة قديمة.
وبعدين
من بعيد، في نفس الشارع اللي جه منه الطريق المقفول
شافناه.
بيت قديم.
نفس ملامح الصورة اللي كانت في دماغي طول الوقت، بس دلوقتي واقف قدامنا بوضوح مرعب.
بابه مفتوح.
مش مكسور مفتوح كأنه مستني.
العسكري تمتم
مستحيل ده المفروض متسجلش موجود أصلًا.
وقتها المفتاح اللي كان معاه وقع على الأرض لوحده.
وإيده ارتجفت
الملف الأزرق كان مش بيكشف الماضي.
سكت.
وبعدين قال الجملة الأخيرة
كان بيرجعنا له.
سكتنا كلنا.
وبعدين مصطفى شدّ إيدي وقال بهدوء طفولي
ماما ده بيتنا القديم؟
وقفت.
وبصيت للبيت.
والذاكرة رجعت مرة واحدة كاملة.
مش كطفل.
كمكان.
كصوت باب بيتقفل من بره.
كاسم طفل تاني كان بيعيط جوا الغرفة.
كإمضاء بإيدي
بأني كنت هناك.
وبدون ما أتكلم مشيت ناحية الباب.
العسكري حاول يوقفني
ما تدخليش!
لكن باب البيت اتفتح أكتر لوحده.
ومن جوّه
كان في نور صغير.
وصوت طفل بيقول بهدوء
أخيرًا رجعتي يا زينب.
ونهاية

تم نسخ الرابط