انا ضميري مانبني بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

أنا ضميري مانبني وتعبانة من اللي حصل لمرات أخويا...
كل يوم أصحى من النوم وأنا شايفة وشها قدامي. البنت اللي دخلت بيتنا وهي فاكرة إنها لقت عيلة، وخرجت منه وهي متهمة ومكسورة من غير ما تفهم ذنبها إيه.
إحنا أربع بنات ولينا أخ واحد، وكان نور عين أمي. لما اتجوز، ربنا رزقه ببنت محترمة ومتعلمة، الكل كان بيشهد بأخلاقها.
لكن بعد الجواز بفترة قصيرة بدأت المشاكل.
أمي كانت متغيرة معاها بشكل غريب.
في الأول افتكرنا إنها غيرة حمات عادية، لكن مع الوقت الموضوع بقى أكبر من كده.
كل ما مرات أخويا تقرب من أمي أو تسألها عن أي حاجة تخص العيلة، أمي كانت تتوتر بشكل ملحوظ.
ولو فتحت أي سيرة عن الماضي، كانت أمي تقفل الكلام فورًا.
ومع الوقت بدأت الاتهامات.
مرة إنها قليلة الأدب.
ومرة إنها بتتدخل في اللي ميخصهاش.
ومرة إنها بتدور ورا أسرار الناس.
لحد ما أخويا اقتنع إن مراته سبب خراب البيت.
وفي الآخر طلقها.
عدت الشهور، وبعدها بدأت المصايب تنزل على بيتنا واحدة وراء التانية.
أختي الكبيرة اتهمها جوزها ظلم.
أختي التانية خسرت بيتها.
وأخويا نفسه بقى مش مرتاح ولا سعيد.
كأن لعنة نزلت على البيت كله.
وفي يوم كنت بدور على أوراق قديمة تخص والدي الله يرحمه.
فتحت صندوق خشب قديم عمره عشرات السنين.
ولقيت ظرف أصفر متخبي تحت القاع.
الظرف كان عليه اسم شخص ماعرفوش.
جواه شهادة ميلاد قديمة.
لكن الاسم اللي كان مكتوب في خانة الأم خلاني أحس إن قلبي وقف.
لأن الاسم ماكانش اسم أمي.
وقتها افتكرت كلام مرات أخويا قبل طلاقها بأيام.
لما قالت لأمي
الحقيقة مهما اتدفنت هتطلع.
وأمي يومها فقدت أعصابها بشكل مخيف.
بدأت أفتش أكتر.
لحد ما اكتشفت السر اللي أمي كانت بتحارب عشان يفضل مدفون.
اكتشفت إن أخويا...
مش ابن أمي الحقيقي.
وإنه اتربى وسطنا من وهو رضيع بعد حادثة قديمة محدش يعرف عنها حاجة.
والأخطر من كده...
إن مرات أخويا كانت أول شخص يكتشف الحقيقة بالمصادفة.
ولما حاولت تفهم وتعرف التفاصيل، أمي خافت.
خافت إن السر يخرج للنور بعد أكتر من أربعين سنة.
ومن يومها بدأت الحرب عليها.
لكن ده ماكانش أخطر اكتشاف.
لأن الورقة الأخيرة اللي كانت جوه الصندوق كشفت إن صاحب شهادة الميلاد ما ماتش زي ما الكل كان فاكر...
وإنه عايش لحد النهارده.
وإنه من شهور قليلة بس...
كان بيسأل عن ابنه الحقيقي.
ابنه اللي عايش وسطنا من غير ما يعرف الحقيقة.
وفي اللحظة اللي كنت بقرأ فيها الورقة الأخيرة...
رن جرس الباب.
ولما فتحت...
لقيت راجل كبير في السن واقف قدامي.
وبصلي وقال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي
أنا جاي آخد ابني... بعد أربعين سنة من البحث عنه اتجمدت مكاني وأنا ببص للراجل.
كان شكله مرهق، شعره كله أبيض، وإيده ماسكة ملف قديم متآكل من الأطراف كأنه شايله بقاله سنين.
قلت له بصوت متقطع
حضرتك مين؟
بص حواليه قبل ما يدخل عينه جوه البيت وقال
مش هينفع أتكلم على الباب.
مش عارفة ليه، بس خوفت.
خوفت من نبرة صوته أكتر من الكلام نفسه.
دخل وقعد في الصالة، وأنا حاسة إن البيت كله بقى أضيق من إنه يستحمل اللي جاي.
فتح الملف بهدوء وطلع صورة قديمة.
الصورة كانت لطفل صغير.
ولأول وهلة ماخدتش بالي.
لكن بعد ثواني حسيت إن قلبي وقع.
الطفل ده كان شبه أخويا بشكل مرعب.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
حتى علامة صغيرة جنب الحاجب الشمال.
قال الراجل
الصورة دي متصورة سنة 1984.
سألته وأنا بتوتر
حضرتك بتقول إيه بالظبط؟
رد
بقول إن الطفل ده ابني.
قبل ما ألحق أستوعب الكلام، سمعنا صوت مفتاح الباب.
أمي رجعت.
أول ما دخلت وشافت الراجل...
اللون اختفى من وشها بالكامل.
لدرجة إنها مسكت طرف الترابيزة عشان ما تقعش.
والراجل وقف مكانه وقال
أخيرًا قابلنا بعض تاني.
ساعتها عرفت إنهم يعرفوا بعض.
ويعرفوا بعض كويس جدًا.
لكن أمي عملت حاجة محدش توقعها.
صرخت فيه
اطلع بره!
كان صوتها مليان رعب أكتر من الغضب.
الراجل هز رأسه وقال
بعد العمر ده كله؟
أمي بدأت ترتعش.
وأول مرة في حياتي أشوفها بالشكل ده.
كأن الشخص اللي قدامها مش مجرد راجل من الماضي.
كأنه شبح رجع من قبره.
وفجأة...
أمي فقدت وعيها.
الدنيا اتقلبت.
جرينا عليها.
واتصلنا بالدكتور.
أما الراجل فجمع أوراقه بهدوء قبل ما يمشي.
لكن قبل ما يخرج، حط ظرف صغير فوق الترابيزة.
وقال
لما تفوق... خليها تفتحه.
ومشى.
بعد ساعات أمي فاقت.
لكن أول حاجة سألت عنها كانت الظرف.
لما شافته قدامها، بدأت تبكي.
بكاء عمرنا ما سمعناه منها قبل كده.
وبعد دقائق طويلة قالت جملة خلتنا نبص لبعض في ذهول
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
سألتها
مين الراجل ده؟
لكنها رفضت ترد.
ولما ضغطنا عليها أكتر، قالت
لو الحقيقة طلعت... ناس كتير هتتدمر.
في الليلة دي محدش نام.
أما أنا...
ففتحت الظرف بعد ما الكل دخل أوضته.
كان جواه مفتاح معدني قديم.
ومكتوب على ورقة صغيرة
الخزانة رقم 27.
بس مفيش عنوان.
ولا اسم بنك.
ولا أي تفسير.
فضلت أبص للمفتاح ساعات.
لحد ما اكتشفت حاجة غريبة.
كان محفور على ظهره اسم مدينة بعيدة جدًا عن بلدنا.
المدينة اللي الغريب إن مرات أخويا سافرتها قبل طلاقها بشهر واحد بس...
وكأنها هي كمان كانت بتدور على نفس السر فضلت أبص للمفتاح طول الليل.
كل ما أحاول أقنع نفسي إنها صدفة، أفتكر إن مرات أخويا راحت نفس المدينة قبل طلاقها بفترة قصيرة.
السؤال اللي كان بيقتلني
هي كانت تعرف إيه؟
وليه أمي كانت مرعوبة منها بالشكل ده؟
مع أول ضوء للنهار، قررت أتحرك.
من غير ما أقول لحد.
أخدت صورة للمفتاح، وجمعت شوية أوراق من الصندوق القديم، وسافرت.
طول الطريق كنت حاسة إني داخلة على حاجة أكبر مني.
ولما وصلت المدينة، بدأت أسأل عن اسم المكان المحفور على المفتاح.
بعد ساعات من البحث، وصلت لمبنى قديم جدًا.
كان شكله أشبه بمخزن مهجور.
لكن اللافتة المعدنية الصدئة على الباب كانت مكتوب عليها نفس الاسم الموجود على المفتاح.
قلبي بدأ يدق بعنف.
دخلت وسألت الموظف العجوز الموجود هناك.
أول ما شاف المفتاح، رفع عينه ناحيتي فجأة.
وقال
إنتِ تبقي مين لصاحب المفتاح؟
قلت بتوتر
قريبته.
فضل ساكت شوية.
وبعدين سحب دفتر ضخم من درج قديم.
وقلب في صفحاته الصفراء.
وفجأة وقف عند صفحة معينة.
وشه اتغير.
وبصلي وقال
الخزانة دي محدش فتحها من أكتر من أربعين سنة.
حسيت بقشعريرة في جسمي كله.
سألته
وجواها إيه؟
هز رأسه.
معرفش.
وبعدين أضاف بصوت منخفض
بس كل سنة كان بيوصل تحويل مالي باسم مجهول عشان إيجارها يفضل مدفوع.
وقتها اتسعت عيني من الصدمة.
أربعين سنة كاملة؟
مين يدفع إيجار خزانة مقفولة كل المدة دي؟
وليه؟
بعد إجراءات طويلة، وافق يفتحها.
نزلنا بدرج حجري قديم تحت الأرض.
كان المكان بارد بشكل غريب.
وصلنا لممر طويل مليان خزائن حديدية.
لحد ما وقفنا قدام رقم 27.
نفس الرقم المكتوب في الورقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح.
ولما الباب اتحرك أخيرًا...
حبست نفسي.
كنت متوقعة ذهب.
فلوس.
مستندات.
أي حاجة.
لكن اللي كان جوا الخزانة خلاني أتجمد.
كان صندوق خشبي صغير فقط.
وفوقه صورة قديمة.
الصورة كانت لأمي.
لكن مش لوحدها.
كانت واقفة جنب الراجل الغريب.
وبينهم طفل صغير.
الطفل نفسه اللي شوفته في الصورة القديمة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في ظهر الصورة.
كان مكتوب بخط اليد
الصورة الأخيرة قبل الحادث بثلاثة أيام.
الحادث؟
إيه الحادث؟
فتحت الصندوق بسرعة.
لقيت عشرات الخطابات المرتبة بعناية.
وأول خطاب كان مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا اختفى أحدنا.
بدأت أقرأ.
ومع كل سطر كان نفسي يتقطع.
الخطابات كانت بتحكي عن ليلة معينة.
ليلة حصل فيها شيء خطير جدًا.
شيء خلّى ناس تختفي.
وأسماء تتغير.
وأطفال يتربوا وسط عائلات ليست عائلاتهم الحقيقية.
لكن قبل ما أكمل الخطاب الأول...
رن هاتفي.
كان أخويا.
أول ما رديت سمعته بيصرخ
ارجعي فورًا!
قلبي وقع.
سألته
فيه إيه؟
رد بصوت مرتجف
الراجل اللي جه البيت... لقوه الصبح.
سكت فجأة.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل حاجة
لقوه مقتول... والبوليس لقى اسمك مكتوب

تم نسخ الرابط