انا ضميري مانبني بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

رسميًا على إنه حريق عرضي، كان فيه تفاصيل كتير متخبية عن الناس.
وفيه أطفال اختفوا بعدها.
وأسماء اتغيرت.
وأوراق رسمية اتبدلت.
لكن قبل ما أوصل للتفاصيل، وقعت من الدفتر قصاصة صغيرة.
كانت صورة جريدة قديمة.
العنوان الرئيسي فيها كان
مصرع أسرة كاملة في حريق غامض.
لكن الغريب إن عدد الضحايا المكتوب في الخبر ماكانش مطابق للأسماء الموجودة في الدفتر.
فيه أشخاص كانوا المفروض ماتوا...
لكن أسماؤهم موجودة بعد الحادث بسنوات.
يعني حد كذب.
حد زوّر الحقيقة.
وأثناء ما أنا غارقة في التفكير، لاحظت حاجة غريبة في الحائط الخلفي للسرداب.
علامة محفورة في الطوب.
نفس العلامة اللي كانت مرسومة على الخريطة.
قربت منها.
ولما ضغطت على جزء من الطوب، سمعت صوت حركة خافتة.
وفجأة جزء من الحائط اتحرك.
ورا الحائط كان فيه ممر ضيق جدًا.
كأن حد بناه مخصوص للهروب.
دخلت وأنا ماسكة كشاف الموبايل.
الممر كان طويل ومظلم.
لحد ما وصل لغرفة تانية أصغر.
وفي الغرفة دي كان فيه صندوق معدني كبير عليه قفل مكسور.
واضح إن حد فتحه قبل فترة قريبة.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قربت.
فتحت الغطاء.
واتصدمت.
الصندوق كان فاضي...
إلا من ملف واحد فقط.
ملف عليه اسم أخويا بالكامل.
أخويا الوحيد.
فتحت الملف بسرعة.
أول ورقة كانت شهادة ميلاد.
لكن مش الشهادة اللي نعرفها.
شهادة تانية مختلفة تمامًا.
اسم أم مختلف.
واسم أب مختلف.
وتاريخ مختلف.
أما الورقة الثانية فخلت أنفاسي تتوقف.
لأنها كانت خطابًا مكتوبًا بخط اليد يقول
إذا وصل هذا الملف إلى أي فرد من العائلة، فاعلموا أن الأخ الأكبر ليس أول من أُخذ من أسرته... بل آخر واحد بقي حيًا.
فضلت أحدق في الجملة.
وأحاول أفهم معناها.
لكن قبل ما أستوعب...
وصلني صوت اهتزاز من هاتفي.
رسالة مجهولة وصلت في تلك اللحظة.
فتحتها.
وكان فيها صورة حديثة جدًا.
صورة لشخص واقف أمام بيتنا.
الشخص ده كان نفس الولد المقصوص من الصورة القديمة.
لكن لم يعد طفلًا.
أصبح رجلًا في الأربعينات.
وتحت الصورة مكتوب
وجدناه أخيرًا... لكنه عرف الحقيقة قبلنا بخطوة إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الورقة.
فضلت أبص على الخط الأحمر.
الشخص الأول كان أخويا.
أما الشخص التاني...
فكان الراجل اللي ظهر في الصورة الحديثة.
الولد المقصوص من الصورة القديمة.
يعني كل الأسرار دي مرتبطة بلقائهم هما الاتنين.
لكن ليه؟
وإيه الحقيقة اللي ممكن تظهر بعد 42 سنة كاملة؟
قلبت الورقة.
وكان فيه سطر صغير مكتوب بخط باهت
لا تثقوا في الرواية الرسمية للحريق.
للمرة المية أرجع لنفس النقطة.
الحريق.
كل الخيوط بترجع للحريق.
وفي أسفل الورقة كان فيه عنوان جديد.
عنوان لمبنى قديم خارج المدينة.
وتحته موعد محدد.
بعد يومين بالضبط.
كأن حد مرتب كل حاجة من سنين ومستني اللحظة دي.
رجعت البيت آخر الليل.
أول ما دخلت لقيت الشرطة لسه موجودة.
وأمي قاعدة في الصالة.
شكلها كان متغير.
مرهقة.
وخايفة.
وأول ما شافتني وقفت فجأة.
وقالت
إنتي رحتي فين؟
لكن قبل ما أرد، وقع بصرها على الدفتر اللي كنت مخبياه تحت جاكتي.
اللون اختفى من وشها.
وعرفت إنها فهمت.
عرفت إني وصلت لحاجات كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان ما أوصلهاش.
في الليلة دي محدش نام.
وأنا كمان ما نمتش.
قعدت أراجع كل ورقة وكل صورة وكل اسم.
ولما قرب الفجر...
اكتشفت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.
في كل المستندات القديمة كان فيه توقيع واحد بيتكرر.
نفس الإمضاء.
نفس الخط.
سواء في شهادات الميلاد.
أو أوراق التبني.
أو ملفات الحريق.
شخص واحد كان موجود في كل الأحداث.
لكن الاسم كان شبه مطموس.
استخدمت ضوء أقوى.
وحاولت أفك الحروف.
لحد ما ظهر الاسم كاملًا.
وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي وقف.
لأن الاسم كان لشخص نعرفه كلنا.
شخص ما زال حيًا.
وبيزور بيتنا باستمرار.
وشخص فوق الشبهات تمامًا.
الشخص ده كان...
المحامي القديم للعائلة.
الرجل اللي كان بيعتبر نفسه صديق والدي الله يرحمه.
والأغرب من كده...
إنه اختفى فجأة من شهرين.
محدش عرف سافر فين.
ولا ليه قفل مكتبه واختفى.
وفي صباح اليوم التالي مباشرة...
وصلني طرد بدون اسم مرسل.
جواه فلاشة صغيرة فقط.
مافيش أي ورقة.
ولا أي رسالة.
وصلتها بالكمبيوتر.
ظهر فيديو واحد.
مدته دقيقتين.
الفيديو كان متسجل من كاميرا مراقبة قديمة.
والتاريخ الموجود عليه يرجع لليلة الحريق نفسها.
ليلة الحادث اللي غير حياة الجميع.
بدأ الفيديو يهتز.
دخان.
ناس بتجري.
وصراخ.
ثم ظهرت سيارة سوداء تقف خلف المبنى.
نزل منها ثلاثة رجال.
أحدهم حمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه.
والثاني حمل طفلًا آخر.
أما الثالث...
فلما رفع رأسه ناحية الكاميرا للحظة واحدة فقط...
اتجمد الدم في عروقي.
لأن ملامحه كانت مطابقة تمامًا لملامح أخويا.
مش شبهه...
بل نسخة منه.
كأن الزمن انقسم نصفين.
وكأن أخويا كان واقف هناك بنفسه قبل اثنين وأربعين سنة.
وفي نهاية الفيديو مباشرة ظهر إطار واحد فقط قبل انقطاع التسجيل.
إطار سريع جدًا.
لكن كان كافيًا عشان أقف من مكاني مصدومة.
لأن الطفلين اللي خرجوا من المبنى...
لم يكونا طفلين مختلفين.
كانا توأمين.
ومن يومها لأول مرة بدأت أفكر في سؤال مرعب
هل أخويا كان طول عمره يبحث عن أخيه التوأم... دون أن يدري؟قعدت قدام الشاشة مش قادرة أبعد عيني عن آخر لقطة في الفيديو.
رجعتها مرة.
واتنين.
وعشرة.
وفي كل مرة كنت أتأكد أكتر إن الطفلين فعلًا توأم.
نفس الملامح.
نفس الملابس.
حتى نفس الشامة الصغيرة تحت العين.
إزاي محدش اكتشف ده طول السنين دي؟
وإزاي أخويا نفسه ما عرفش؟
في الصباح نزلت أقابل أخويا.
أول ما شافني عرف إن في حاجة كبيرة حصلت.
قفل باب أوضته وقال
قولي الحقيقة.
وريت له الفيديو.
في البداية افتكر إني غلطانة.
لكن بعد دقيقة واحدة بس، لقيته شاحب اللون.
قاعد يبص للشاشة من غير ما ينطق.
وفجأة قال جملة غريبة
أنا شفته قبل كده.
رفعت رأسي بسرعة.
مين؟
أشار للرجل اللي ظهر في الصورة الحديثة.
نفس الرجل اللي كنا فاكرينه الطفل المقصوص من الصورة.
وقال
شوفته من حوالي سنة.
اتجمدت مكاني.
أخويا كمل كلامه
كان واقف قدام الشركة اللي بشتغل فيها في إسبانيا.
سألته بذهول
وكلمك؟
هز رأسه بالنفي.
فضل يبصلي فترة طويلة... وبعدها مشي.
كل حاجة بدأت تتركب مع بعضها.
واضح إن الراجل ده كان يعرف الحقيقة من زمان.
وكان بيراقب أخويا.
لكن ليه ما كشفش نفسه؟
وليه استنى كل السنين دي؟
في نفس اللحظة سمعنا صوت سيارة تقف قدام البيت.
بصينا من الشباك.
وكانت المفاجأة.
سيارة سوداء قديمة.
نفس موديل السيارة اللي ظهرت في فيديو الحريق.
نزل منها رجل كبير في السن.
وفي إيده حقيبة جلدية.
أمي أول ما شافته صرخت.
صرخة مليانة خوف.
وقالت
لا... مستحيل يكون رجع!
الرجل دخل البيت من غير ما يستأذن.
كأنه صاحب المكان.
وحط الحقيبة فوق الترابيزة.
وبص لأمي مباشرة وقال
انتهى الوقت.
ماحدش فهم حاجة.
لكن أمي بدأت تبكي.
أما الرجل ففتح الحقيبة.
وأخرج منها دفترًا آخر.
أقدم من كل الدفاتر اللي لقيناها.
ثم أخرج شريط كاسيت قديم جدًا.
وقال
التسجيل ده اتعمل قبل الحريق بساعات.
البيت كله سكت.
حتى النفس كان مسموع.
الرجل أكمل
وصاحبه أوصاني ما يطلعش للنور إلا لو مات كل اللي شاركوا في الاتفاق.
ثم نظر لأمي.
وأضاف
أو لو حد خان الاتفاق.
ارتعشت أمي.
وعرفت وقتها إن السر الحقيقي لسه ما اتقالش.
الرجل وضع جهاز تسجيل صغير.
وأدخل الشريط.
بدأ صوت تشويش قديم يملأ الغرفة.
ثم خرج صوت رجل مجهول.
صوت متعب ومذعور.
وقال
إذا حد بيسمع التسجيل ده... يبقى كل حاجة انتهت.
توقف التسجيل لحظة.
ثم أكمل الرجل
الناس كلها فاكرة إن اللي حصل كان حريق...
سكت ثانية.
ثم قال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد في مكانه
لكن الحقيقة إن الحريق كان مجرد غطاء... لأن اللي اختفى تلك الليلة لم يكونوا أطفالًا فقط ساد الصمت في البيت.
حتى صوت أنفاسنا اختفى.
كلنا مركزين مع التسجيل.
الرجل الموجود في الشريط أخذ نفسًا طويلًا، ثم قال
الأطفال كانوا جزءًا من القصة... لكنهم ماكانوش الهدف الحقيقي.
ظهر تشويش للحظات.
ثم عاد الصوت أوضح من قبل
الهدف كان الملف.
نظرت لأمي.
ولأول مرة رأيت الرعب الحقيقي في عينيها.
الرجل أكمل
في سنة الحريق، مجموعة من الأشخاص اكتشفت حاجة ماكانش المفروض حد يعرفها.
صمت قليلًا.
اكتشفوا مكان أرشيف كامل من المستندات القديمة... مستندات كانت قادرة تغيّر مصير عائلات وأملاك وأسماء ناس كبار.
بدأ قلبي يدق
تم نسخ الرابط