جوزي بيرفض بقلم اماني سيد
وده يبرر اللي عملته؟
سكت.
فصاحت
يبرر إنك تعيشني العمر ده كله في كدب؟
قبل ما يرد...
طلع صوت من فوق.
صوت خبط قوي.
الكل رفع رأسه.
في الدور الرابع.
شقة سامح.
وفي ثانية...
انفتح البلكون بعنف.
وظهر شاب في أواخر الثلاثينات.
وشه شاحب وعينيه مليانة غضب.
كان سامح نفسه.
لكن اللي صدم الجميع...
إنه كان ماسك مجموعة أوراق في إيده.
وأول ما شافهم واقفين تحت...
صرخ بأعلى صوته
خلاص! انتهى السكوت!
ثم رفع الأوراق في الهواء.
وقال
الحقيقة كلها هنا!
كلها!
الزوج صرخ
سامح! لأ!
لكن سامح ما سمعش.
بل بدأ يمزق أول ورقة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وأوراق كثيرة بدأت تتطاير من البلكونة فوق رؤوسهم.
الناس في الشارع بدأت تتجمع.
والزوج جرى ناحية العمارة بجنون.
لكن قبل ما يدخل...
نزلت ورقة عند قدمي الزوجة الأولى.
انحنت وأخذتها.
كانت صورة قديمة جدًا.
صورة بالأبيض والأسود.
فيها والد زوجها.
وبجواره امرأة لا تعرفها.
وبينهما طفل صغير.
لكن خلف الصورة كان مكتوب بخط يد قديم
إلى ابنيَّ العزيزين... سامح و...
وتوقفت الكلمات بسبب تمزق جزء من الصورة.
لكن ما تبقى منها كان كافيًا ليكشف أن السر الذي أخفوه عشرات السنين...
لم يكن مجرد ميراث.
بل حقيقة عائلية كاملة، لو ظهرت للنور، ستجعل الجميع يعيدون النظر في كل ما عرفوه عن هذه العائلة...!الزوجة الأولى فضلت ماسكة الصورة بإيد مرتعشة، وعينيها بين الورقة وبين سامح اللي واقف في البلكونة.
الشارع كله بقى متجمع.
والكل مستني يعرف الحقيقة.
بعد دقائق نزل سامح بنفسه.
كان شكله مرهق وكأنه شايل حمل سنين طويلة فوق كتافه.
وقف قدام الجميع وقال
كفاية كدب بقى.
ثم بص للزوج وقال
قولهم... أو أقول أنا.
الزوج قعد على أول كرسي قابله وكأنه فقد كل قوته.
وأخيرًا قرر يتكلم.
الحقيقة كانت أبسط وأقسى مما توقع الجميع.
سامح كان فعلًا أخوه من الأب.
وجدهم أخوه قبل سنوات بالصدفة عن طريق أوراق قديمة تركها والدهما قبل وفاته.
ولما تأكد من الحقيقة اكتشف أن سامح كان يعيش ظروفًا صعبة جدًا، وأن حقه في الميراث ضاع بسبب إخفاء وجوده كل هذه السنين.
قرر يساعده ويعيد له حقه.
لكن المشكلة أن القضية كانت معقدة، ولو عرف بعض الأقارب بالأمر مبكرًا كانوا سيحاولون تزوير أوراق أو الاستيلاء على أجزاء من التركة قبل صدور الأحكام.
لذلك أخفى الموضوع عن الجميع.
أما الزوجة الثانية...
فكانت الحقيقة أنها تزوجها بالفعل منذ سنوات دون أن يخبر زوجته الأولى، بحجة أنه سيؤجل المصارحة حتى تستقر الأمور.
لكن الأيام تحولت إلى شهور، والشهور إلى سنوات.
وكل كذبة كانت تحتاج كذبة أكبر منها.
أما الرسائل التي قرأتها الزوجة الأولى فكانت حقيقية.
الزوجة الثانية كانت تدير جزءًا كبيرًا من أمواله، وهو سمح لها بالتدخل في مصروف البيت الأول بشكل خاطئ وظالم.
وهنا انفجرت الزوجة الثانية بالبكاء وقالت
أنا غلطت... كنت فاكرة إنه عارفها بكل حاجة. ولما عرفت إنه مخبي الحقيقة خفت أواجهه وأخسر بيتي.
أما والدها فوقف وقال بغضب
اللي اتبنى على الكذب عمره ما يستريح.
ثم أخذ ابنته وغادر المكان.
بعد أسابيع قليلة انتهت قضية الميراث.
وحصل سامح على حقه كاملًا.
أما الزوجة الأولى فطلبت من زوجها أن يترك لها الوقت لتقرر مصير حياتها بنفسها.
ولأول مرة منذ سنوات فتحت حسابات البيت بنفسها، وعرفت كل التفاصيل التي كانت مخفية عنها.
واكتشفت أن المشكلة لم تكن في المال فقط.
بل في الثقة التي انهارت.
مرّت شهور طويلة من المحاولات والاعتذارات.
وكان على الزوج أن يثبت بالأفعال لا بالكلام أنه فهم حجم ما فعله.
وفي النهاية، وبعد جلسات طويلة بين العائلتين، قررت الزوجة الأولى ألا تتخذ قرارها وهي غاضبة.
اشترطت شروطًا واضحة
أن يكون كل شيء معلنًا وصريحًا.
أن تدير مصروف بيتها بنفسها.
وأن لا يُتخذ أي قرار يخصها أو يخص أولادها دون علمها.
وافق الزوج على كل شيء.
ليس لأنه أُجبر...
بل لأنه أدرك متأخرًا أن أكبر خسارة كاد يتعرض لها لم تكن المال ولا الميراث...
بل الأسرة التي كادت تضيع منه بسبب سنوات من الكذب.
أما سامح، فبعد حصوله على حقه، احتفظ بالصورة القديمة التي جمعت والده وأخاه.
ووضعها في إطار داخل بيته.
لتبقى ذكرى بأن الحقيقة قد تتأخر سنوات طويلة...
لكنها في النهاية تجد طريقها إلى النور. تمت.