يوم فرحي

لمحة نيوز

عرفت أن ما بداخله سيغير حياة الجميع الست فضلت باصة للظرف كأنه قنبلة هتنفجر.
كل الموجودين مستنيين تفتحه، لكنها هزت راسها وقالت بعصبية
مش هفتحه.
ابتسم زوجها وقال
يبقى أنا اللي هفتحه.
قطع الختم بهدوء، وطلع ورقة رسمية، وبعدها حطها قدامها على الترابيزة.
قال بصوت واضح
دي أوراق الطلاق.
شهقة واحدة خرجت من نص القاعة.
ميرنا جريت على أبوها وهي بتقول
بابا! إنت بتهزر؟
هز راسه بالنفي.
أنا عمري ما بهزر في الكرامة.
وبص ناحيتي وقال
يا بنتي... أنا بعتذرلك قدام كل الناس. اللي حصل النهارده لا يرضي ربنا ولا يرضي راجل عنده ذرة شرف.
حماتي... أو بالأصح مرات أبو طارق... فقدت أعصابها.
صرخت وقالت
كل ده عشان واحدة لسه داخلة العيلة؟!
رد عليها بحدة
لا... عشان إنسانة اتهانت في يوم عمرها، وإنتِ كنتِ السبب.
المعازيم بدأوا يسقفوا للرجل، بينما هي كانت واقفة مش قادرة تستوعب إن كل خططها انهارت.
أما ميرنا، فرمت الفستان الأبيض على الأرض وهي بتعيط، وقالت
أنا عملت كل ده علشان ألفت انتباهكم... عمري ما حسيت إنكم بتحبوني.
ساد صمت للحظات.
أبوها رد عليها بهدوء
الاهتمام عمره ما يتاخد بإهانة غيرك.
كنت لسه واقفة، ولسه جوايا وجع كبير.
طارق قرب مني بخطوات بطيئة، وقال
أنا عارف إن مفيش كلمة هتصلح اللي حصل... لكن والله ندمت.
بصيت له، وما رديتش.
لأن الاعتذار بعد كسر الثقة بيكون صعب جدًا.
وفي اللحظة دي، مدير القاعة قرب مننا وقال
إحنا قدرنا نجهز تورتة جديدة، والقاعة كلها تحت أمركم لو حبيتم تبدأوا الفرح من الأول.
كل الأنظار اتجهت ناحيتي.
كان القرار قراري أنا وحدي...
هل أكمل الفرح مع شخص سكت على إهانتي؟
ولا أمشي وأقفل الصفحة دي للأبد؟
وساعتها... أخدت نفسًا عميقًا، ورفعت رأسي، واستعديت أقول الكلمة اللي هتحدد مصير الليلة كلها...بصيت حواليّ...
بصيت للفستان اللي كنت بحلم بيه من وأنا صغيرة، وللتورتة الجديدة اللي جابها مدير القاعة، وللمعازيم اللي بقوا مستنيين كلمة مني.
مسكت الميكروفون، وإيدي كانت بتترعش، لكن صوتي خرج ثابت.
قلت
أنا كنت جاية النهارده أبدأ حياة جديدة... مش أبدأها بالإهانة.
سكتت لحظة، وكل القاعة كانت ساكتة.
اللي وجعني مش اللي عملته ميرنا... لأن أي حد ممكن يغلط. اللي وجعني إن الإنسان اللي المفروض يكون سندي، وقف يتفرج.
بصيت لطارق، وكانت الدموع مالية عينيه.
قال وهو بيقرب
اديني فرصة أصلح كل حاجة.
هزيت راسي بهدوء.
فيه حاجات بتتصلح... وفيه حاجات أول ما بتتكسر، عمرها ما بترجع زي الأول.
قلعت الطرحة بهدوء، وحطيتها على الترابيزة.
المكان كله اتجمد.
حماتي السابقة كانت مبتسمة، فاكرة إني انهرت.
لكنها اتفاجئت لما قلت
أنا مش ماشية مهزومة... أنا ماشية لأن كرامتي أغلى من أي فرح.
صفق عدد كبير من المعازيم.
خالتي جريت حضنتني، وبابا مسك إيدي وهو رافع راسه بفخر.
أما طارق، فوقع على الكرسي وهو حاطط وشه بين إيديه.
خرجت من القاعة، لكن قبل ما أوصل للعربية، سمعت حد بينادي عليّا.
لفيت.
لقيت والد طارق بيجري ورايا.
وقف قدامي وقال
استني يا بنتي.
ناولني ظرفًا صغيرًا.
وقال
ده حقك... وأنا مسؤول عنه.
فتحت الظرف، لقيت فيه شيك بكل المبلغ اللي اتدفع في الفرح، ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط إيده
الاعتذار الحقيقي مش كلام... الاعتذار الحقيقي إن كل واحد يتحمل نتيجة غلطه.
بعدها بأسبوع، وصلني خبر إن طارق ساب بيت أبوه، وقطع علاقته بمرات والده وميرنا، وحاول يتواصل معايا أكتر من مرة، لكني كنت محتاجة وقت طويل عشان أقرر إذا كانت الثقة ممكن ترجع ولا لأ.
أما ميرنا، فبقت كل ما حد يجيب سيرة اللي حصل، تنزل راسها من الكسوف، لأنها اكتشفت متأخر إن سرقة الأضواء من غيرك، ممكن تخليك تخسر احترام الناس كلهم.
وأنا...
مكنتش فاكرة الفرح اللي اتلغى.
كنت فاكرة الدرس اللي اتعلمته...
إن اللي يحمي كرامتك في أول اختبار، هو الوحيد اللي يستحق يكمل معاك بقية العمر اتجمدت إيدي في الهوا.
بصيت للموبايل وبعدين بصيت لطارق.
وشه اصفر أول ما لمح صورة الإيصال.
قلت بهدوء مخيف
إيه ده يا طارق؟
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال
أقسم بالله الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
رفعت الموبايل قدامه.
المبلغ ده خرج من حسابي ليلة الفرح واتحول لحساب باسمك. تقدر تفسر؟
والده بص له باستغراب وقال
إيه الكلام ده؟
طارق أخد نفسًا طويلًا، وقعد على الكرسي وكأنه شايل جبل فوق كتفه.
أنا كنت ناوي أقولك الحقيقة لو وافقتِ تسمعيني.
قلت بحدة
قولها دلوقتي.
طلع من محفظته كشف حساب، وحطه قدامي.
أيوه الفلوس اتحولت لحسابي.
قلبي وقع.
لكن قبل ما أتكلم، قلب الصفحة اللي بعدها.
وفي نفس الليلة خرجت من حسابي بالكامل.
بصيت في الورقة.
المبلغ فعلًا خرج بعدها بدقائق.
راح لمين؟
سكت لحظة، وقال
راح للمستشفى.
استغربت.
مستشفى؟
هز راسه.
والدتي الحقيقية كانت داخلة عملية قلب مفتوح بشكل عاجل، والتأمين رفض يغطي جزء من التكلفة.
قلت بانفعال
وده يديك الحق تاخد فلوسي؟
صرخ لأول مرة
لأ وعلشان كده أنا غلطان.
سكت، وبعدين كمل بصوت منخفض.
أنا كنت ناوي أرجعهولك تاني يوم الصبح قبل ما تعرفي لكن اللي حصل في الفرح قلب الدنيا، وبعدها بقيت كل يوم أقول بكرة هشرح لحد ما بقى الوقت متأخر.
والده ضرب بإيده على الترابيزة.
إنت استلفت من مراتك من غير إذنها؟!
قال وهو منزل راسه
كنت يائس وخفت أقولها فتسيبني.
أنا كنت ببص له، ومش عارفة أصدق ولا أكذب.
في اللحظة دي، رن موبايل والده.
رد بسرعة.
وبعد ثواني، قال
إحنا جايين حالًا.
قفل المكالمة، وبص لنا.
المستشفى.
قلبي اتقبض.
في إيه؟
رد
والدة طارق فاقت من الغيبوبة وأول طلب طلبته إنها تشوفك إنتِ.
أنا بصيت لطارق باستغراب.
أنا؟
قال والده
لأنها عرفت الحقيقة كلها وفي حاجة مخبياها بقالها سنين، ومصممة تقولها قدامك قبل أي حد.
ركبنا العربية بسرعة.
وطول الطريق، محدش نطق بكلمة.
لكن أول ما وصلنا المستشفى، لقينا قدام أوضة العناية المركزة شخصًا لم يكن أحد يتوقع وجوده.
كانت ميرنا.
لكنها لم تكن تبكي على أمها.
كانت تحاول تمنع أي حد يدخل الغرفة.
وأول ما شافتنا، صرخت
محدش يدخل لأنها لو اتكلمت، حياتنا كلنا هتتدمر!وقفنا كلنا قدام باب غرفة العناية، وميرنا واقفة تمنعنا تدخل.
والد طارق زعق فيها
ابعدي.
لكنها وقفت قدامه وهي بتعيط
لو دخلتوا... كل حاجة هتضيع.
في اللحظة دي خرج الدكتور، وقال
المريضة طلبت تشوفهم خمس دقايق بس.
دخلنا الغرفة.
كانت والدة طارق الحقيقية تعبانة جدًا، لكنها أول ما شافتني مدت إيديها ناحيتي.
مسكت إيدها، فقالت بصوت ضعيف
سامحيني... ابني غلط، لكنه مش حرامي.
ثم أشارت إلى درج الكومودينو.
والد طارق فتحه، وطلع ظرفًا مغلقًا.
كان مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا حصلت مصيبة يوم الفرح.
فتح الظرف.
كان فيه إيصال تحويل بنفس قيمة المبلغ اللي خرج من حسابي، لكن باسمي أنا، وتاريخ التحويل بعده بثلاثة أيام.
ومعاه خطاب بخط يد طارق
لو حصل أي حاجة بينا قبل ما أقدر أشرح، يبقى الفلوس دي حقها ترجع كاملة، حتى لو خسرت كل اللي أملكه.
بصيت لطارق، ولقيته منزل رأسه.
قال
أنا غلطت لما أخدت الفلوس من غير إذنك، وده ذنب هفضل ندمان عليه. لكن عمري ما كنت ناوي أسرقك.
ابتسمت والدته ابتسامة خفيفة، وقالت
الزواج مش بيعيش بالحب لوحده... بيعيش بالصدق. وأول كذبة هي بداية أول شرخ.
أغمضت عينيها، وبعد لحظات خرجنا من الغرفة، والدكتور طمّنا إن حالتها استقرت.
وقفت في ممر المستشفى، وبصيت لطارق.
قلت
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل.
هز رأسه وقال
وأنا مش بطلب تنسي.
كملت
لكن لو في يوم هنبدأ من جديد... هيكون بعقد جديد، وثقة جديدة، ومن غير تدخل أي حد في حياتنا.
اغرورقت عيناه بالدموع وقال
أوافق... حتى لو استنيت العمر كله.
أما ميرنا، فاعترفت قدام والدها إنها هي صاحبة فكرة سرقة الأضواء في الفرح، وإنها كانت بتغير مني، لأن حياتها كانت دايمًا مقارنة
بأي عروسة تدخل العيلة.
اعتذرت وهي تبكي، لكن الاعتذار لم يمحُ ما فعلته، بل كان بداية تحملها للمسؤولية.
وبعد عدة أشهر، لم نُقم حفل زفاف جديد.
قررنا أن نبدأ بداية بسيطة، بحضور عدد قليل من الأشخاص الذين كانوا يتمنون لنا الخير فعلًا.
تعلمت من التجربة أن الفرح الحقيقي لا يصنعه فستان ولا قاعة ولا تورتة...
بل يصنعه شخص يحمي كرامتك، ويقف بجانبك عندما يحاول الجميع أن يسلبك حقك.
تمت.

تم نسخ الرابط