ابوها جوزها بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

وكتب ببطء
المذكرات... لازم تتراجع صفحة صفحة.
هزت ندى رأسها بالموافقة.
وفي صباح اليوم التالي، اجتمعوا في مكتب الحاجة فريدة.
كانت المذكرات على المكتب، والملفات كلها مرتبة.
بدأوا يقلبوا الصفحات من أولها، وكل صفحة كانت تحمل تاريخًا وتوقيعًا بخط محمود المنشاوي.
لكن عند الصفحة رقم 146، توقفت الحاجة فريدة فجأة.
قالت
استنوا...
ندى قربت منها.
الصفحة دي كان لونها أفتح شوية من باقي الورق.
والحبر كان جديد نسبيًا مقارنة بباقي الصفحات.
المحامي شريف لبس نظارته، ودقق فيها، ثم قال
دي فعلًا اتكتبت في وقت مختلف.
ندى قرأت السطور المكتوبة فيها.
كانت تتكلم عن تعديل إداري في الشركة، لكن التوقيع الموجود أسفلها ماكانش مطابقًا تمامًا لتوقيع محمود في الصفحات السابقة.
الحاجة فريدة تنهدت وقالت
الحمد لله إننا لاحظناها قبل ما نعتمد أي حاجة مكتوبة فيها.
آدم مد إيده بصعوبة، وأشار إلى الصفحة اللي بعدها.
لما قلبوها...
لقوا ظرفًا رفيعًا مخبأ بين الورقتين.
فتحته ندى بحذر.
كان بداخله خطاب قصير
إذا وجدتم هذه الرسالة، فاعرفوا أن الصفحة السابقة ليست من كتابتي، ولذلك أخفيت هذا التنبيه بعدها مباشرة. لا تعتمدوا أي قرار مبني عليها حتى يتم التحقق من أصلها.
ساد الصمت في الغرفة.
قال المحامي بهدوء
يبقى أول خطوة دلوقتي هي فحص الصفحة عند خبير خطوط ومستندات، عشان نعرف مين أضافها ومتى.
الحاجة فريدة أومأت بالموافقة.
وهنمشي بالقانون في كل حاجة.
ابتسمت ندى لأول مرة منذ دخلت هذا القصر.
شعرت أن الحقيقة بدأت تظهر، لكن من غير ظلم لحد ولا اتهام بلا دليل.
وفي أثناء جمع الأوراق، وقع من آخر المذكرات مفتاح نحاسي صغير جدًا، مربوط بخيط أزرق.
وعليه بطاقة باهتة مكتوب فيها
غرفة الأرشيف القديمة.
رفع آدم عينيه إلى جدته، ثم إلى ندى.
واكتفى بابتسامة خفيفة...
كأنه كان يعرف أن السر التالي لا ينتظرهم في الخزنة هذه المرة، بل في غرفة لم تُفتح منذ سنوات طويلة تجمد الجميع في أماكنهم بعد صوت ارتطام الباب.
ندى جرت ناحيته وضغطت على المقبض بكل قوتها.
ما اتحركش.
الحاجة فريدة حاولت تدخل الرقم السري مرة تانية من اللوحة الداخلية، لكن الشاشة أضاءت برسالة واحدة
وضع الأمان مفعل.
تنهد المحامي شريف وقال بهدوء
واضح إن النظام اتبرمج من زمان... أول ما الخزنة تتفتح، الباب يقفل تلقائيًا لحد ما المهمة تخلص.
ندى بصت له باستغراب.
يعني إيه المهمة؟
أشار إلى الرسالة اللي في إيد آدم.
آدم فتحها ببطء، لكن التعب خلاه يناولها لندى.
بدأت تقرأ بصوت مسموع
إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أن الأمانة لم تكن المال، بل الحقيقة. لا تسمح للخوف أن يفرق بينكم، ولا تتهم أحدًا قبل أن تظهر الأدلة. من يفتح هذه الخزنة يجب أن يحافظ على العائلة، لا أن يمزقها.
سكتت لحظة، ثم كملت
داخل الدرج السفلي ستجدون ملفات تثبت ملكية بعض الأوقاف والمشروعات الخيرية التي أوصيت باستمرارها، فلا تُهملوها.
الحاجة فريدة مسحت دمعة من عينها.
الله يرحمك يا محمود... حتى وهو راحل كان همه الخير.
ندى فتحت الدرج السفلي للخزنة.
كان مليان ملفات مرتبة بعناية، وعقود قديمة، ومفاتيح صغيرة عليها بطاقات تعريف.
وفي آخر الدرج، كان فيه دفتر جلدي أسود.
أول ما آدم شافه، أشار إليه بسرعة.
فتحته ندى.
في أول صفحة كان مكتوب
مذكرات محمود المنشاوي.
قلبت الصفحات، فوجدت تسجيلًا يوميًا لكل ما يخص إدارة العائلة والشركة، وأسباب اتخاذه لقرارات كثيرة.
لكن صفحة واحدة كان عليها شريط أحمر مكتوب فوقه
تُقرأ بعد استقرار حالة آدم الصحية.
قبل أن يفتحها أحد، انطفأت أنوار الغرفة لثوانٍ.
ثم اشتغلت من جديد.
وفي نفس اللحظة، صدر صوت إلكتروني هادئ
تم التحقق من إتمام المرحلة الأولى... يمكن الآن فتح الباب.
صدر صوت طَق من القفل.
ندى فتحت الباب بحذر.
كان كبير الحرس واقف بالخارج بقلق شديد.
أول ما شافهم خرجوا، قال
الحمد لله إنكم بخير... الكهرباء فصلت عن جزء من القصر لدقائق، وكنا خايفين تكونوا محبوسين.
الحاجة فريدة سلمته الملفات وقالت
دول أمانة... يتحفظوا في مكتبي لحد ما نراجعهم كلهم.
لكن ندى، وهي بتقفل الدفتر الجلدي، لاحظت ورقة صغيرة سقطت من بين صفحاته من غير ما حد ياخد باله.
التقطتها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط مختلف عن باقي الدفتر
ليس كل ما في المذكرات كُتب بقلم محمود... هناك صفحة أُضيفت بعد وفاته.
ندى أخفت الورقة في جيبها، ونظرت إلى آدم.
هو أيضًا كان ينظر إليها... وكأنه فهم أن سرًا جديدًا بدأ يظهر، وأن الحقيقة لم تكتمل بعد خرجوا من غرفة الأرشيف وكل واحد فيهم شارد في التسجيل اللي سمعوه.
لكن ندى ماقدرتش تبطل تفكر في حاجة واحدة
فين التسجيل رقم 1 ورقم 2؟
في المساء، كان آدم جالس في شرفة أوضته، والأطباء أكدوا إن حالته بتتحسن يومًا بعد يوم.
قعدت ندى جنبه وقالت
واضح إن جدك كان مرتب كل حاجة... مستحيل التسجيلين يكونوا اختفوا بالصدفة.
آدم هز رأسه بالموافقة، وأخذ الورقة والقلم، وكتب
ابحثي... في المكتب القديم.
ندى افتكرت إن في آخر الأرشيف كانت فيه أوضة صغيرة مقفولة، مكتوب عليها مكتب الإدارة القديم.
في صباح اليوم التالي، استأذنت من الحاجة فريدة، فرحبت بالفكرة، وراحوا كلهم معًا.
كان الباب يفتح بصعوبة من أثر الزمن.
الأثاث كما هو، وكأن صاحبه خرج منه بالأمس.
مكتب خشبي كبير.
مكتبة صغيرة.
وخزنة حديدية مفتوحة وفارغة.
ندى بدأت تنظر في الأدراج.
في أول درج وجدت أقلامًا قديمة وبعض الأوراق.
وفي الثاني، دفتر مواعيد.
أما الدرج الأخير...
فكان لا يفتح.
جربت مرة واتنين، لكنه كان عالقًا.
قال كبير الحرس
يمكن الخشب ورم مع الوقت.
أحضر أداة صغيرة، وضغط برفق.
وفجأة انفتح الدرج.
لم يكن بداخله إلا صندوق معدني صغير.
فتحوه...
فوجدوا شريط تسجيل قديم مكتوب عليه
التسجيل رقم 2.
ابتسمت الحاجة فريدة وقالت
الحمد لله... لقينا واحد.
شغلوه على نفس المسجل.
وانطلق صوت محمود المنشاوي
إذا وصلتم للتسجيل ده، فاعرفوا إن بعض الأوراق المهمة اتنقلت قبل مرض آدم بفترة قصيرة، حفاظًا عليها. كل حاجة موثقة رسميًا، ومكانها معروف في سجلات الشركة. لا تصدقوا أي ورقة مجهولة المصدر، وراجعوا الأصول دائمًا.
انتهى التسجيل.
قال المحامي شريف
الرسالة واضحة... أي مستند نراجعه لازم يكون له أصل محفوظ.
ندى نظرت إلى المسجل، ثم قالت
فاضل تسجيل واحد.
وقبل أن يرد أحد، دخل أحد العاملين في القصر وهو يحمل ظرفًا صغيرًا.
قال
يا هانم... أثناء تنظيف غرفة الضيوف القديمة، لقينا الظرف ده واقع خلف إحدى الخزائن.
تناولت الحاجة فريدة الظرف.
كان مغلقًا، وعلى وجهه عبارة قصيرة بخط محمود المنشاوي
يُسلَّم إلى آدم عندما يستطيع الوقوف على قدميه بنفسه.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى آدم.
هو مازال يتعافى، لكنه كان كل يوم يخطو خطوة جديدة.
ابتسمت ندى وقالت برفق
يبقى الظرف هيفضل أمانة... لحد اليوم اللي تقوم فيه بنفسك، وتستلمه بإيدك في اليوم التالي، وبعد ما سمح الدكتور لآدم يتحرك على كرسي متحرك لفترة قصيرة، قررت الحاجة فريدة إنهم يروحوا كلهم لغرفة الأرشيف.
كانت الغرفة في آخر ممر قديم، بعيد عن باقي أجنحة القصر.
الباب الخشبي كان مغطى بطبقة سميكة من التراب، وكأن محدش دخله من سنين.
ندى مسكت المفتاح النحاسي.
لفّته ببطء...
صدر صوت خفيف، وانفتح الباب.
أول ما دخلوا، ظهرت أرفف طويلة مليانة ملفات وصناديق خشبية وصور قديمة.
الجو كان هادئًا، وريحة الورق القديم مالية المكان.
قالت الحاجة فريدة
آخر مرة دخلت هنا كانت مع محمود... قبل وفاته بفترة.
بدأوا يفتشوا بهدوء.
ندى كانت بتمرر إيدها على عناوين الصناديق، لحد ما لفت انتباهها صندوق صغير مكتوب عليه
وثائق عائلية خاصة.
فتحته بحذر.
كان جواه ألبومات صور قديمة، وشهادات تكريم، ورسائل متبادلة
تم نسخ الرابط