بنتي مرجعتش البيت بقلم زيزي احمد
الشخص اللي كان آخر واحد شافته... قبل ما تختفي.
يتبع...الجزء السابع
كل العيون اتجهت ناحيتي.
الورقة كانت بترتعش بين صوابعي، ودموعي كانت مانعة الكلمات تخرج.
الضابط قال بهدوء
خدي وقتك... واقري.
أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت أقرأ بصوت متقطع
ماما... لو وصلتك الرسالة دي، يبقى يمكن أكون ماقدرتش أرجع في الوقت. آخر شخص شفته قبل ما أضيع في الغابة كان الأستاذ سامح، مشرف المجموعة. هو حاول يناديني وأنا كنت بجري، لكني كنت خايفة ومكملتش وقفت. لو حد اتهمه، قولي لهم إنه كان بيحاول يساعدني.
ساد صمت ثقيل.
الضابط أغلق عينيه للحظة وقال
يبقى أول معلومة مؤكدة عندنا... إن الأستاذ سامح ماكانش آخر شخص اختفى معاها، لكنه آخر شخص شافته هي.
اتصلوا بالأستاذ سامح فورًا.
وصل بعد ساعة، وملامحه كانت مرهقة، وكأنه عايش نفس الكابوس من سنة.
أول ما شاف الرسالة، انهار في البكاء.
قال
أنا فعلًا شفتها... كانت بتجري ناحية الغابة. فضلت أجري وراها وأنادي عليها، لكنها كانت مرعوبة. بعد دقيقتين اختفت بين الأشجار، ومن بعدها بلغت الإدارة وبدأنا ندور.
سأله الضابط
ليه ماقولتش التفاصيل دي من البداية؟
رد بصوت مكسور
قلت كل اللي فاكره... لكن محدش سألني عن اتجاه جريها بالتحديد، وأنا نفسي كنت فاكر إنها هتظهر بعد ساعات.
أخرج الضابط خريطة الغابة، وطلب منه يحدد المكان.
أشار سامح إلى نقطة بعيدة عن البحيرة القديمة بمئات الأمتار.
قال
هنا... آخر مرة شفتها.
نظر الضابط إلى الخريطة، ثم إلى العلامات التي تركتها مايا.
وفجأة قال
دي أول مرة كل الأدلة تبقى متوافقة مع بعضها.
قرر فريق البحث العودة في صباح اليوم التالي إلى تلك المنطقة، باستخدام أجهزة حديثة لم تكن متوفرة وقت اختفاء مايا قبل عام.
وفي نهاية اليوم، بينما كنت أنا وصوفي بنستعد نرجع البيت...
رن هاتف الضابط.
استمع لثوانٍ، ثم التفت إلينا وقد تغيرت ملامحه.
قال بصوت منخفض
الأجهزة رصدت... تجويفًا تحت الأرض في المكان اللي حدده سامح.
ثم أضاف
وبكرة أول حاجة هنعمله... إننا نفتحه.
يتبع...الجزء الثامن
في صباح اليوم التالي، كانت سيارات الشرطة والإسعاف واقفة عند أطراف الغابة قبل شروق الشمس.
وقف الجميع حول المكان اللي حددته أجهزة المسح.
بدأت معدات الحفر تزيل طبقات التربة ببطء شديد، خوفًا من إتلاف أي دليل.
كنت واقفة جنب صوفي، ماسكة إيدها بقوة.
ولا واحدة فينا كانت قادرة تتكلم.
بعد حوالي نصف ساعة...
صاح أحد أفراد الفريق
وقفوا الحفر!
اقترب الضابط بسرعة.
ظهر غطاء خرساني قديم، مخفي تحت التراب والأعشاب.
كان أشبه بباب يؤدي إلى غرفة صغيرة تحت الأرض، يبدو أنها كانت جزءًا من منشأة قديمة تُركت منذ سنوات.
بعد توثيق المكان، رفعوا الغطاء بحذر.
اندفعت رائحة الرطوبة.
سلط أحد الضباط كشافه إلى الداخل.
كان المكان خاليًا...
إلا من بطانية قديمة، وزجاجات مياه فارغة، وبعض علب الطعام.
قال خبير الأدلة فورًا
واضح إن حد استخدم المكان لفترة... لكنه غادر من وقت ليس ببعيد.
وبينما كان الفريق يفتش الأركان...
وجد أحدهم حقيبة صغيرة مغلقة.
فتحها بحذر.
كان بداخلها دفتر آخر، لكن هذه المرة لم يكن لمايا.
بل كان دفترًا يدون فيه شخص مجهول تواريخ دخوله إلى الغابة وخروجه منها، مع ملاحظات عن أماكن المياه والممرات القديمة.
وفي آخر صفحة...
كانت هناك جملة واحدة فقط
الطفلة خرجت من هنا قبل وصولي بدقائق.
ساد الصمت.
قال الضابط
إذن... من كتب الدفتر لم يكن يحتجزها، لكنه كان موجودًا في المكان بعد مرورها.
أصبح واضحًا أن هناك شخصًا آخر مر بهذا المخبأ في نفس الفترة، وأن القضية أكثر تعقيدًا مما بدت عليه.
وقبل أن يغادر الفريق...
لفت انتباه أحد الضباط شيء عالق بين شقوق الحائط الحجري.
مد يده وسحبه بحذر.
كان عقدًا صغيرًا على شكل نجمة.
شهقت صوفي فور أن رأته.
وقالت وهي تبكي
ده العقد اللي أنا ومايا كنا قسمناه نصين... هي كانت لابسة النص ده يوم سافرت.
أمسك الضابط بالعقد ووضعه في كيس الأدلة.
ثم قال وهو ينظر إلى الجميع
كل دليل بيقربنا من الحقيقة... لكن لسه أهم سؤال من غير إجابة.
سألته وأنا أكاد أختنق من التوتر
إيه هو؟
رد بهدوء
إذا كانت مايا خرجت من هذا المكان... فأين ذهبت بعد ذلك؟
يتبع...النهاية
بعد العثور على العقد، قررت الشرطة توسيع دائرة البحث لتشمل القرى والمزارع القديمة المحيطة بالغابة.
وبعد مراجعة مئات البلاغات القديمة، ظهر تقرير لم ينتبه إليه أحد من قبل.
في يوم اختفاء مايا، كانت سيدة مسنة تعيش في مزرعة معزولة قد اتصلت بالإسعاف، وقالت إنها عثرت على طفلة تائهة في حالة إعياء شديد داخل الغابة.
لكن عندما وصلت سيارة الإسعاف، كانت الطفلة قد استعادت وعيها وخرجت وحدها قبل وصولهم بلحظات، وهي تقول إنها تريد العودة إلى المعسكر.
ولأن البلاغ لم يتضمن اسم الطفلة، ولم يكن قد أُعلن عن اختفاء مايا بعد، أُغلق الملف دون أن يربطه أحد بالقضية.
قاد هذا الخيط الشرطة إلى طريق قديم بين الغابة والطريق العام.
وبعد مراجعة تسجيلات كاميرات إحدى محطات الوقود القريبة، ظهرت فتاة تشبه مايا تسير وحدها في ذلك اليوم.
الصورة لم تكن واضحة، لكنها كانت كافية لتحديد اتجاه سيرها.
استمرت عمليات البحث عدة أيام.
وفي النهاية، عثر فريق الإنقاذ على بقايا ملابس وحقيبة إسعافات صغيرة داخل منطقة صخرية وعرة بعيدة عن مسارات البحث الأولى.
أكدت التحاليل أن الملابس تعود إلى مايا.
واتضح من آثار المكان أن الطفلة ظلت تحاول الوصول إلى الطريق الرئيسي، لكنها سلكت طريقًا خاطئًا داخل المنطقة الجبلية الوعرة، ولم يتمكن أحد من العثور عليها في الوقت المناسب.
أما الصندوق الذي أخفته صوفي...
فاعترفت وهي تبكي أنها وجدته داخل حقيبة مايا عندما عادت أغراض المعسكر إلى الأسرة.
كانت قد قرأت رسالة أختها، لكنها كانت طفلة ف
الثانية عشرة، وظنت أن إخفاء الصندوق هو تنفيذ لوصية مايا حتى يأتي الوقت المناسب.
ولم تتكلم طوال عام كامل لأنها كانت تخشى أن يلومها الجميع.
احتضنتها أمها بقوة وهي تقول
أنتِ ما غلطتيش... كنتِ طفلة بتحاولي تحافظي على آخر أمانة من أختك.
أُغلقت القضية رسميًا بعد عام من الغموض.
وتبين أن ما حدث لم يكن جريمة ولا اختطافًا، بل سلسلة من الظروف المؤلمة والقرارات الصغيرة التي قادت مايا بعيدًا عن طريق العودة.
وفي الذكرى الثانية لاختفائها، زرعت الأسرة شجرة عند مدخل الغابة، وعلقت عليها لوحة صغيرة كُتب عليها
مايا... تركتِ لنا وجعًا لا يزول، لكنكِ علمتِنا أن الأمل لا يموت، وأن الحقيقة تستحق أن نبحث عنها حتى آخر خطوة.
تمت.