ابني الصغير

لمحة نيوز

سودة.
ونظارة شمس رغم إن مفيش ضوء.
رفع راسه شوية.
وقال بهدوء أخيرًا قررت تسمع.
إيزابيل كانت ورايا مش قادرة تتكلم.
توبي ظهر عند الباب رغم إنه كان على السرير.
وقف جنبنا.
كأنه مش مربوط بأي جهاز.
وبص للشخص وقال
إنت مش المفروض تكون هنا.
الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة.
ولا إنت كمان بس كلنا بنرجع لما الباب يتفتح غلط.
وبعدين مد إيده ناحية جيبه.
بس المرة دي ما طلعش موبايل.
طلع ظرف قديم.
متبقع بحبر غامق.
ورماه على الأرض بينا.
اقرأ وهتفهم ليه ابنك اتختار.
والصمت وقع.
والحقيقة بدأت تظهر لأول مرة انحنيت ببطء وأنا باخد الظرف من على الأرض.
إحساسه كان تقيل بشكل غريب كأنه مش ورق بس، كأنه شايل حاجة أقدم من كده.
إيزابيل همست ورايا ما تلمسوش
بس أنا فتحته.
جواه كان فيه ورقة واحدة بس.
قديمة، مصفرة، ومختومة بختم غريب نفس العلامة اللي ظهرت على معصمها قبل شوية.
بس اللي خلاني أتجمد مش الختم
الاسم المكتوب في أول الورقة
سمير الجارحي
رفعت عيني بسرعة ناحية الراجل.
إنت عايز مني إيه؟
هو ما اتحركش.
بس قال بهدوء مش أنا اللي عايز ده أنت اللي بدأت القصة من زمان، لما اختفيت وسبت الباب مفتوح.
توبي فجأة مسك دراعي بقوة غير طبيعية بالنسبة لسنّه.
بابا متسمعهوش.
إيزابيل كانت بتترعش إنتوا بتتكلموا عن إيه؟ باب إيه؟!
الراجل لف راسه ناحية إيزابيل لأول مرة.
إنتي متعرفيش جوزك كان بيشتغل إيه فعلًا؟
سكتت.
أنا حسيت إن الأرض تحت رجليا خفت.
الراجل كمل هو مش مجرد أب هو كان الحارس الأخير.
الظلام في الممر بدأ يتحرك كأنه بيتجمع حوالين الباب.
والعلامة اللي على الورقة بدأت تسخن في إيدي.
فجأة توبي صرخ هو بيقرب!
وبالفعل
في نهاية الممر، ظهر ظل تاني.
بس المرة دي مش واقف.
ماشي.
ناحية الأوضة.
ببطء شديد.
والراجل اللي قدامنا قال بهدوء أنا جبتلك الحقيقة القرار دلوقتي عليك.
ثم أضاف بصوت أخفض تقفل الباب أو تسيبه مفتوح وتفقد كل حاجة تانية.
الظل قرب أكتر.
وإيزابيل مسكت في هدومي اختار بسرعة!!
وتوبي كان بيصرخ بابا!!!
والورقة في إيدي بدأت تتمزق لوحدها من غير ما ألمسها كأنها بتختار مصيرها معايا.
وفي اللحظة دي
وصل الظل لحد باب الأوضة الظل وقف عند باب الأوضة.
مش داخل ومش واقف بعيد.
زي ما يكون واقف على الحد بالظبط، مستني الإذن أو اللحظة.
الهواء اتجمد تاني.
الورقة في إيدي اتشقت جزء صغير منها لوحده، والختم اللي عليها بدأ يلمع بشكل مزعج، كأنه بيستجيب لوجود الظل.
توبي شد إيدي أكتر وصوته بقى مخنوق لو دخل مش هيخرج لوحده.
إيزابيل بصتله بذهول إنت بتقول إيه يا توبي؟!
بس أنا كنت مركز مع الباب.
الظل بدأ يتحرك.
خطوة صغيرة للداخل.
وبمجرد ما قدمه دخلت عتبة الباب
النور في أوضة المستشفى كلها بدأ يطفي واحدة واحدة.
مش انقطاع مفاجئ لا
زي ما حد بيطفّي الدنيا بإيده.
واحدة واحدة واحدة
لحد ما بقينا في نص عتمة تقيلة.
الراجل اللي قدامنا ابتسم للمرة الأولى بشكل واضح وقال دلوقتي اتأكدت إنه صح.
بصيت له صح في إيه؟
رد بهدوء إنك ما قفلتش الباب القديم بس خليت حد تاني يدفع التمن.
توبي فجأة صرخ، وصوته اتغير كأنه مش جاي من طفل اقفل الباب! دلوقتي!
الظل بقى على بعد خطوة من السرير.
إيزابيل فقدت أعصابها أنا مش فاهمة حاجة! حد يقولي بيحصل إيه؟!
وفي اللحظة دي
سمعت صوت تاني.
جاي من ورا الباب اللي فتحته من شوية.
صوت الممرضة بس ضعيف جدًا، كأنه جاي من مكان بعيد في في حد في المستشفى بيتمشى في الأدوة بس مفيش حد شايفه
وبعدين صرخة.
وانقطع الصوت.
الراجل اللي بالبدلة السودة قال بهدوء اتأخرنا.
وبصلي مباشرة لو ابنك اتشاف بالكامل مش هيبقى ابنك لوحده تاني.
توبي بدأ يتشنج بشكل أقوى، ووشه بقى شاحب بطريقة مخيفة.
والظل قرب.
بقى على حافة السرير.
ومد إيده ناحية صدر توبي.
وفي نفس اللحظة
العلامة اللي على الورقة في إيدي انفجرت نور أبيض الضوء الأبيض اللي خرج من الورقة كان حاد لدرجة إنّي غمّضت عيني غصب عني.
صوت صراخ توبي اختفى فجأة.
كأن الصوت نفسه اتسحب من الأوضة.
لما فتحت عيني تاني، كل حاجة كانت ثابتة.
الظل واقف مكانه.
إيده في الهوا على بعد سنتيمتر من صدر توبي.
إيزابيل كانت متجمدة، عينيها مفتوحة من غير رمش.
والراجل بالبدلة السودة
كان باصص للورقة اللي في إيدي لأول مرة بجدية.
وقال بصوت واطي فعلًا لسه ماسكها.
الورقة بدأت تتحول في إيدي.
الحواف بتاعتها بقت سودة، كأن النار ماشية فيها بس من غير لهب.
توبي فتح عينه ببطء.
بس المرة دي كان طبيعي.
صوته طلع هادي بابا هو واقف بيننا دلوقتي.
الظل ما اتحركش.
لكن ظهره بدأ يتفصل عن الأرض.
كأنه بيتسحب مش بيروح بيتسحب لمكان تاني.
الراجل بالبدلة قال الباب بيقفل بس محتاج حد يثبت القفل.
بصلي.
وإنت الوحيد اللي يقدر.
إيزابيل صرخت إنتوا عايزين منه إيه؟! ابني بيتعالج! مش حرب!
الراجل رد بهدوء ابنك اتحط في النص من غير ما يقصد زي ما حصل زمان.
توبي شد إيدي وقال بصوت ضعيف بابا لو قفلت الباب مش هتشوفني تاني زي ما أنا.
وقفت لحظة.
الظل بدأ يختفي تدريجيًا، لكن قبل ما يختفي كامل لف راسه ناحيتي.
كأنه بيبتسم من تحت حاجة مش مرئية.
الورقة في إيدي بدأت تتحول لرماد.
والراجل قال آخر جملة القرار مش دلوقتي القرار من زمان.
وبعدها مباشرة
كل حاجة سكتت.
النور رجع مرة واحدة.
الظل اختفى.
الباب اتقفل لوحده.
والراجل بالبدلة السودة
مبقاش موجود.
لكن توبي فضل واقف.
وبصلي وقال بهدوء غريب هو مش راح هو بس اتبدّل مكانه.
وفي نفس اللحظة
سمعنا خبط جديد.
مش من الباب.
من جوا الحيطة الخبط من جوا الحيطة كان تقيل منتظم كأنه حد بيتحرك ببطء في مكان مش مفروض يكون فيه حد أصلاً.
إيزابيل رجعت لورا وهي ماسكة توبي اقفلوا أي حاجة! أنا مش عايزة أسمع صوت ده!
لكن الصوت ماكنش بيتوقف.
تك تك تك
أنا قربت من الحيطة، وحطيت إيدي عليها.
باردة.
بس مش برد مستشفى.
برد معدن.
توبي بصلي وقال بهدوء غريب هو ما دخلش الأوضة هو دخل الحيطة.
إيزابيل بصت له بصدمة إنت بتقول إيه؟!
بس قبل ما يكمل كلامه
الخبط وقف فجأة.
سكون كامل.
حتى أجهزة المستشفى اللي حوالينا رجعت تشتغل طبيعي، من غير أي إنذار.
كأن مفيش حاجة حصلت من الأساس.
الدكتور دخل بسرعة مع فريق إحنا سمعنا أصوات غريبة الطفل لازم يتنقل عناية مركزة فورًا.
بدأوا ياخدوا توبي على الترولي.
إيزابيل كانت ماسكة إيده وبتبكي خليك معايا متسبنيش
توبي بصلي آخر نظرة.
نظرة هادية جدًا.
وقال هو مش هيسيبه بسهولة بس دلوقتي عرف إنك شايفه.
وبعدها الترولي اتحرك بيه في الممر.
وقفت أنا وإيزابيل لوحدنا.
الدنيا رجعت طبيعية على الورق.
لكن مفيش حاجة جوايا رجعت طبيعية.
في جيبي، لقيت حاجة صغيرة لسه موجودة.
مش الورقة
جزء صغير متفحم منها.
وعليه نفس العلامة.
بس المرة دي
العلامة كانت بتنبض.
زي قلب.
وفي آخر الممر، قبل ما الأضواء تهدى تمامًا
شفت الظل واقف بعيد جدًا.
مش بيقرب.
بس المرة دي
مش بيراقب توبي.
كان بيراقبني أنا.
وكأنه أخيرًا فهم القرار الحقيقي.
وقبل ما يختفي
ابتسم.
ونور المستشفى انطفى مرة واحدة للأبد.

تم نسخ الرابط