من وهي عندها 9 سنين بقلم جيجي

لمحة نيوز

لا يجرؤ أحد على لمسه.
بصت جورى لياسين وقالت
المكان اللي محدش يجرؤ يلمسه... يقصد إيه؟
وقبل ما يفكروا أكثر...
سمعوا صوت فحيح أفاعٍ يقترب.
لكن الغريب أن الفحيح لم يكن من كل الجهات، بل من ركن واحد فقط.
اقتربت جورى بحذر، ولاحظت أن الأفاعي ملتفة حول تمثال حجري صغير على شكل نسر.
تراجعت بخوف.
قال ياسين
مستحيل نقرب... هتلدغنا.
وفي اللحظة دي، تذكرت جورى كلام عم ناصر
الخوف أحيانًا بيحرس الحقيقة.
ركزت نظرها، فاكتشفت أن الأفاعي ليست حقيقية.
كانت مجرد مجسمات مطاطية متصلة بخيوط وأسلاك قديمة، تتحرك بفعل آلية مخفية.
ابتسمت لأول مرة وقالت
دي كانت وسيلة يخوفوا بيها أي حد يدخل.
أبعدت المجسمات بحذر، فظهر تجويف صغير داخل التمثال.
مدت إيدها إلى الداخل...
وأخرجت مفتاحًا ذهبيًا لامعًا.
لكن في اللحظة نفسها سمعوا تصفيقًا بطيئًا يتردد في الغرفة.
التفتوا بسرعة...
فوجدوا الرجل الملثم واقفًا عند الباب، وخلفه سلوى، وعلى وجهها ابتسامة ماكرة.
خلع الرجل القناع عن وجهه، فاندهشت جورى بشدة.
كان رجلاً تعرفه جيدًا...
إنه عادل، تاجر الخردة الذي كانت تبيع له ما تجمعه كل يوم، والذي كان دائمًا يبدو طيبًا ويساعدها أحيانًا.
ابتسم عادل وقال
أحسنتِ يا جورى... أنتِ وفرتِ عليَّ سنوات من البحث. دلوقتي معايا المفتاح... وباقي بس الصندوق.
وشد عصاه خطوة للأمام، بينما سلوى قالت بثقة
قلتلك يا عادل... البنت هي اللي هتوصلنا للسر في الآخر.
أما جورى، فقبضت على الصندوق بقوة، ونظرت حولها تبحث عن أي طريق للهرب، بينما كان ياسين يقف بجوارها، مستعدًا للدفاع عنها مهما كان الثمن تقدم عادل خطوة وهو يمد يده ناحية جورى.
وقال بصوت هادئ لكنه حازم
هاتي الصندوق يا جورى... ومش هيمسكم سوء.
ضمت جورى الصندوق إلى صدرها وقالت بثبات
لا... لأنك لو كنت عايز الخير، ماكنتش خدعتنا.
ابتسم عادل ابتسامة باردة، ثم أشار لاثنين من الرجال الذين كانوا يختبئون خلف الباب.
بدأوا يقتربون ببطء.
في تلك اللحظة، همس ياسين
جورى... بصي فوق.
رفعت رأسها، فوجدت حبلًا قديمًا يتدلى من سقف الغرفة، مربوطًا بجرس نحاسي كبير.
تذكرت أنها رأته عندما دخلت المكان أول مرة.
بسرعة شديدة قفز ياسين وجذب الحبل بكل قوته.
رن الجرس رنة قوية هزت المكان كله.
وفجأة...
بدأت أبواب حديدية قديمة تنزل من السقف، وأغلقت الممرات واحدًا تلو الآخر.
صرخ أحد رجال عادل
الحقوا... المخرج بيتقفل!
في ثوانٍ انقسمت الغرفة إلى جزأين.
بقي عادل وسلوى في جهة، بينما كانت جورى وياسين في الجهة الأخرى، ومعهما الصندوق والمفتاح.
صرخ عادل بغضب
افتحوا الأبواب! بسرعة!
لكن الآلية القديمة كانت قد بدأت تعمل بالكامل، ولم يستطع أحد إيقافها.
أخرجت جورى المفتاح الذهبي، ونظرت إلى الصندوق.
قال ياسين
افتحيه... يمكن نلاقي حاجة تنقذنا.
أدخلت المفتاح ببطء...
ودار مرة واحدة.
صدر صوت تك.
انفتح الغطاء ببطء شديد.
لكن الصدمة...
الصندوق لم يكن مليئًا بالذهب أو المجوهرات كما توقع الجميع.
كان بداخله دفتر جلدي قديم، وخريطة مرسومة يدويًا، ورسالة مختومة بالشمع الأحمر.
فتحت جورى الرسالة بسرعة، وقرأت أول سطر منها
إذا وصلت هذه الأمانة إلى الوريث الحقيقي، فلا تبحث عن كنز من الذهب... فالكنز الحقيقي محفوظ في مكان آخر، وما هذا إلا الدليل الأول.
وقبل أن تكمل القراءة...
سمعوا صوت عم ناصر ينادي من خلف أحد الجدران
أحسنتم... نجحتم في أول اختبار.
ثم تحرك جزء من الحائط ببطء، وظهر عم ناصر سالمًا، وهو يحمل في يده مفتاحًا آخر مختلف الشكل.
ابتسم وقال
ما وجدتموه اليوم ليس النهاية... بل بداية رحلة أكبر بكثير، ورحلة البحث عن الحقيقة بدأت الآن أخذت جورى نفسًا عميقًا وهي ما زالت ممسكة بالدفتر والخريطة.
قالت لعم ناصر باستغراب
اختبار؟! يعني كل اللي حصل كان مقصود؟
هز عم ناصر رأسه وقال
جزء منه فقط. أما عادل وسلوى، فهما كانا يبحثان عن الكنز منذ سنوات، لكنهما لا يعرفان الحقيقة كاملة.
فتح الدفتر بحذر، فظهرت في أول صفحة صورة قديمة بالأبيض والأسود.
كانت الصورة لرجل وزوجته... وبينهما طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها السنة.
تجمدت جورى وهي تحدق في الصورة.
همست
البنت دي... شبهي!
ابتسم عم ناصر وقال
لأنها أنتِ.
اتسعت عيناها من الدهشة.
مستحيل... أنا أبويا كان بيجمع خردة، وأمي ماتت وأنا صغيرة.
أخرج عم ناصر ظرفًا قديمًا من جيبه وقال
الرجل الذي ربّاك كان فعلًا يجمع الخردة، لكنه لم يكن والدك الحقيقي. وجدكِ رضيعة في ظروف غامضة، ومعك هذا الظرف، وقرر يربيك كابنته، ولم يخبر أحدًا بالحقيقة حتى لا يطمع فيك أحد.
ارتجفت يدا جورى وهي تفتح الظرف.
كان بداخله شهادة ميلاد قديمة، ورسالة قصيرة مكتوب فيها
من يجد هذه الطفلة، فليحافظ عليها حتى تبلغ الخامسة عشرة. عندها فقط ستستطيع معرفة سر عائلتها.
شهق ياسين وقال
يعني... جورى مش يتيمة؟
رد عم ناصر
بل لها عائلة... لكن اختفت آثارها منذ سنوات طويلة، وما زالت هناك أسرار لم تُكشف.
في هذه اللحظة، دوى صوت ارتطام قوي.
نظروا ناحية الباب الحديدي.
كان عادل ورجاله يحاولون كسره بالفؤوس.
صرخت سلوى من الخارج
افتحوا... الورق ده من حقنا!
تنهد عم ناصر وقال
ما عندناش وقت. الخريطة تشير إلى مكان ثانٍ، ولو سبقونا إليه، ممكن يضيع كل شيء.
أشار إلى آخر الغرفة، حيث بدأ جدار حجري يتحرك ببطء، كاشفًا عن نفق لم يكن موجودًا من قبل.
دخلت جورى وهي تمسك الدفتر والخريطة، وسار ياسين بجوارها، بينما أغلق عم ناصر المدخل خلفهم.
وبعد دقائق من السير داخل النفق...
بدأوا يسمعون صوت مياه جارية.
ولما خرجوا من آخر الممر، وقفوا مذهولين.
أمامهم كانت مغارة واسعة، يتوسطها نهر صغير، وعلى الضفة المقابلة مبنى حجري قديم نصفه مدفون في الأرض.
وفوق بابه لوحة حجرية نُقشت عليها عبارة واحدة
هنا تبدأ الحقيقة... وتنتهي الأكاذيب.
وتحت العبارة كان نفس الرمز المرسوم على الخريطة، لكن بجواره شيء جديد...
بصمة كف صغيرة، بحجم كف جورى تمامًا وقفت جورى قدام الباب الحجري، وهي بتبص لبصمة الكف المنقوشة عليه.
قال ياسين بخوف
متحطيش إيدك... يمكن يكون فخ.
لكن عم ناصر قرب من الباب وقال بهدوء
الرسالة كانت واضحة... المكان ده لا يفتحه إلا الوريث الحقيقي.
بصت جورى إلى كفها، ثم رفعتها ببطء، وحطتها فوق البصمة.
في البداية... ما حصلش أي حاجة.
وفجأة...
سمعوا صوت اهتزاز قوي تحت أقدامهم.
بدأت الأحجار تتحرك، والباب الحجري انفتح ببطء، وهو بيطلع صوتًا مرعبًا كأنه ما اتفتحش من مئات السنين.
دخل الثلاثة بحذر.
كان المكان أشبه بمكتبة قديمة جدًا.
رفوف خشبية مليانة دفاتر، وخرائط، وصناديق صغيرة، لكن اللي لفت نظر جورى أكتر من أي حاجة، كانت لوحة كبيرة معلقة على الحائط.
اللوحة كانت فيها صور ناس كتير، وتحت كل صورة اسم.
وبين الصور...
صورة أبوها اللي رباها.
جورى قربت بسرعة وهي مش مصدقة.
ده... ده أبويا!
تحت الصورة كان مكتوب
حسن... أمين الأمانة الرابع.
دمعت عيناها.
قالت
يعني بابا كان يعرف كل ده؟
أجاب عم ناصر
نعم... لكنه أقسم إنه ما يقولش الحقيقة إلا إذا جاء اليوم المناسب.
وقبل أن يكمل كلامه، سقط من داخل أحد الكتب ظرف قديم.
فتحته جورى، فوجدت رسالة بخط مألوف.
كان خط والدها.
بدأت تقرأ وهي تبكي
يا جورى...
إذا كنتِ تقرئين رسالتي، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا، وأنك وصلتِ إلى المكان الذي تمنيتُ أن تريه يومًا.
أنا لم أكن غنيًا، ولم أترك لكِ مالًا كثيرًا، لكني تركت لكِ شيئًا أثمن من أي كنز... الحقيقة.
تذكري دائمًا أن الكنز الحقيقي ليس الذهب، بل الأمانة والعدل، وأن من يطمع في المال وحده يخسر كل شيء.
مسحت
جورى دموعها وهي تضم الرسالة إلى صدرها.
لكن في نفس اللحظة...
دوّى انفجار خفيف عند مدخل المغارة.
نظر الجميع للخلف.
كان عادل ورجاله قد تمكنوا من فتح طريق آخر إلى المكان.
ابتسم عادل وهو يدخل ببطء وقال
أخيرًا وصلنا... والمرادي مفيش باب هيمنعنا.
رفع عم ناصر عصاه واستعد للدفاع عن جورى وياسين، بينما أمسكت جورى بالدفتر والخريطة والرسالة، وأدركت أن المواجهة الحاسمة قد بدأت، وأن السر الذي ظل مخفيًا لسنوات أصبح على وشك أن ينكشف ابتسم عادل بثقة وهو يدخل إلى القاعة، وخلفه رجاله.
وقال
انتهت اللعبة يا جورى... هاتي الدفتر والخريطة، وأنا هسيبكم تمشوا.
وقفت جورى أمام ياسين، تخفيه خلفها، وقالت
مش هتاخد حاجة.
ضحك عادل وقال
لسه فاكرة إنك تقدري تمنعيني؟
وفجأة...
تقدم عم ناصر خطوة إلى الأمام وقال بصوت قوي
قبل ما تمد إيدك على أي ورقة، بص حواليك كويس.
نظر عادل باستغراب.
كانت جدران القاعة كلها مليئة بعبارات منقوشة، وفي منتصفها لوحة حجرية كبيرة مكتوب عليها
من يحاول أخذ الأمانة بالقوة... يُغلق المكان عليه إلى الأبد.
سخر عادل وقال
خرافات قديمة.
ثم اندفع نحو جورى، وانتزع الدفتر من يدها.
وفي اللحظة نفسها...
اهتزت الأرض بعنف.
بدأت الحجارة تتساقط من السقف، وانغلقت المداخل الحجرية واحدًا تلو الآخر.
صرخ أحد رجال عادل
المكان بيقفل!
حاولوا الجري، لكن الأبواب الحجرية سقطت أمامهم.
أما جورى وعم ناصر وياسين، فكانوا واقفين فوق دائرة حجرية مضيئة ظهرت فجأة تحت أقدامهم.
قال عم ناصر بسرعة
اقفوا مكانكم... متتحركوش!
تحركت الدائرة ببطء، كأنها مصعد قديم، وبدأت تهبط بهم إلى أسفل.
كانوا يسمعون صرخات عادل ورجاله وهم يحاولون الخروج، لكن الأصوات أخذت تبتعد تدريجيًا.
بعد لحظات توقفت الدائرة.
وجدوا أنفسهم في غرفة صغيرة مضاءة بضوء يدخل من فتحة في السقف.
وفي منتصف الغرفة كان صندوق زجاجي، بداخله مفتاح فضي ورسالة أخيرة.
فتحت جورى الرسالة، وقرأت
إذا وصلت إلى هنا، فقد أثبتَّ أن الشجاعة أهم من الطمع.
هذه ليست نهاية الرحلة، بل بداية مسؤولية جديدة.
احمِ الحقيقة، ولا تستخدمها للإضرار بأحد، ولا تجعل الكنز سببًا للخصام.
ثم رفعت نظرها إلى عم ناصر وقالت
يعني... مفيش كنز من الذهب أصلًا؟
ابتسم عم ناصر وقال
كان فيه كنز فعلًا، لكنه استُخدم منذ سنوات طويلة لبناء مدرسة ومستشفى وبئر مياه لقرى فقيرة، تنفيذًا لوصية أصحاب الأمانة.
الكنز اللي فضّل لحد النهارده هو الوثائق والأسرار اللي تثبت الحقيقة وتحمي حقوق أصحابها.
ابتسمت جورى لأول مرة منذ بدأت الرحلة.
وأدركت أن أغلى ما وجدته لم يكن صندوقًا مليئًا بالمال، بل رسالة من والدها، وحقيقة ماضيها، وأشخاصًا وقفوا بجانبها.

تم نسخ الرابط