عدت من السعودية بقلم زيزي احمد
عدت من السعودية من غير ما أقول لحد بعد 5 سنين غربة وتعب... ولقيت مراتي وابني جعانين وعايشين ورا القصر اللي أنا دافع تمنه، وأمي وأختي عاملين حفلة جواه!
بعد خمس سنين شغل في السعودية... رجعت مصر من غير ما أقول لحد.
لا أمي.
ولا أختي.
ولا حتى مراتي.
خمس سنين شغل تحت شمس تحرق الحجر، وتعب يكسر الضهر، وغربة ووحدة، وكل همي إني أبني بيت يليق بمراتي سارة وابني جيمي، وأخليهم يعيشوا مرتاحين.
كل شهر كنت بحول لأمي مبلغ كبير، وأوصيها نفس الوصية
خلي بالك من سارة... ومتخليش جيمي يحتاج أي حاجة.
وكان ردها كل مرة واحد
سارة نازلة السوق.
سارة في الكوافير.
مشغولة وهتكلمك بعدين.
وكنت بصدقها... أصل الواحد بيصدق أهله حتى لو قلبه بيقوله إن فيه حاجة غلط.
العقد بتاعي خلص بدري، فقلت أعملهم مفاجأة.
اشتريت شوكولاتة مستوردة، وسلسلة دهب رقيقة لسارة، وكرتونة ألعاب كبيرة لجيمي اللي بقى عنده ست سنين.
طول الطريق كنت متخيل لحظة ما أفتح الباب...
مراتي تجري عليا.
لكن أول ما وصلت قدام الفيلا... حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية.
المزيكا عالية.
الأنوار مولعة كلها.
وصوت الضحك مالي المكان.
واضح إن أمي وأختي كانوا عاملين حفلة جديدة، ومستضيفين ناس أغنيا جوه البيت اللي أنا بنيته بعرقي.
ماحبيتش أدخل من الباب الرئيسي.
لفيت من ورا ناحية باب المطبخ.
الدنيا كانت ضلمة.
وريحة أكل بايت وزبالة مالية المكان.
وفجأة...
سمعت صوت طفل بيعيط.
وبعدين قال بصوت مكسور
يا ماما... أنا جعان... عايز آكل من الفراخ اللي جوه.
وقفت مكاني.
وبعدين سمعت صوت ست بتحاول تخبي دموعها.
اسكت يا حبيبي... لو تيتة سمعتنا هتزعل علينا تاني... كل الرز ده، أنا غسلته عشان الريحة الوحشة تروح.
قلبي وقع.
قربت واحدة واحدة وبصيت من شباك المطبخ.
واتصدمت...
سارة.
مراتي.
قاعدة على كرسي بلاستيك قديم، لابسة فستان مقطوع، وشكلها هزيل بشكل يخض.
قدامها طبق مكسور فيه شوية رز بايت... وبتأكل منه ابني.
وجيمي...
كان بياكل بهدوء غريب... كأنه اتعود يجوع ومبقاش يطلب.
بصيت حواليهم...
لقيت كل اللي يملكوه
مخدة رفيعة.
حلة صغيرة.
ودلو بلاستيك.
وطقم هدوم واحد.
ساعتها الحقيقة ضربتني في وشي...
مراتي وابني ماكانوش عايشين جوه الفيلا.
كانوا عايشين وراها...
في أوضة الخدمة.
مستخبيين...
كأنهم عار لازم الضيوف مايشوفوهوش.
وفجأة...
باب المطبخ اتفتح.
دخلت أختي وهي شايلة صينية مليانة فراخ مشوية، ولابسة أفخم فستان.
بصت لسارة باحتقار وقالت
إوعي حد فيكم يمد إيده على أكل الضيوف... لما الحفلة تخلص لو فضل حاجة ابقوا كلوها.
سارة وطت راسها.
وجيمي حضن الطبق بإيده الصغيرة.
وفي اللحظة دي...
حسيت إن كل حاجة جوايا اتكسرت.
رميت الشنط من إيدي.
الهدايا وقعت على الأرض واتكسرت.
الصوت خلا الكل يلف يبص.
أختي اتجمدت أول ما شافتني.
وفي نفس اللحظة...
أمي ظهرت من الباب.
بصت على الهدايا...
وبعدين بصتلي...
وبعدين بصت لسارة وابني.
وشفت لون وشها وهو بيختفي قدام عيني.
وأنا واقف في المطبخ...
ماكنتش عارف أبص لمين.
لمراتي اللي دمروها؟
ولا لأهلي اللي خانوني خمس سنين كاملة؟
وفي اللحظة دي...
وأنا سامع ضحك الضيوف جاي من جوه، وابني ماسك طبق رز بايت بإيد مرتعشة...
عرفت إن اللي هيحصل بعد كده...
هيقلب البيت ده كله جحيم ووو
بقلم_زيزي_احمد
كنت ببص لأمي... وهي بتبصلي بنظرة عمرها ما بصتهالي قبل كده.
مش خوف.
دي كانت فضيحة.
أختي أول واحدة اتكلمت، وحاولت تضحك وهي بتقول قدام الضيوف اللي بدأوا يطلعوا على الصوت
ياااه! أحمد! نورت مصر! كنت تقول إنك جاي.
لكن صوتها كان بيرتعش.
ما رديتش.
عديت من جنبها كأنها مش موجودة.
وركعت قدام جيمي.
الولد بصلي باستغراب... وكأنه بيحاول يفتكر ملامحي.
خمس سنين كانوا كفاية يخلو طفل ينسى أبوه.
مديت إيدي ألمسه...
لكن جيمي اتراجع لورا بسرعة.
وقال الجملة اللي قسمت ضهري نصين
ماما... مين الراجل ده؟
الدنيا اسودت قدام عيني.
سارة انفجرت في العياط لأول مرة.
حضنت جيمي وهي بتقول
ده باباك يا حبيبي... باباك اللي كان بيتعب علشانك.
الولد فضل باصصلي كام ثانية...
وفجأة حضني بكل قوته.
فضل يعيط ويقول
هو إنت رجعت بجد؟... مش هتمشي تاني؟
وأنا حاسس إن روحي بترجعلي.
لكن في اللحظة دي...
سمعت أمي بتزعق.
كفاية تمثيل! الناس واقفة تتفرج!
لفيت ناحيتها ببطء.
وسألتها سؤال واحد
الفلوس اللي كنت ببعتهالك كل شهر... كانت بتروح فين؟
اتلخبطت.
وقالت بسرعة
كلها كانت عليهم... بس مراتك مبذرة.
سارة رفعت راسها لأول مرة.
وقالت بهدوء
أحلفي.
أمي سكتت.
أختي دخلت بسرعة وقالت
هي اللي كانت رافضة تعيش معانا جوه... دماغها تعبانة.
ابتسمت.
أول ابتسامة من ساعة ما وصلت.
بس كانت ابتسامة خلتهم يتوتروا.
طلعت موبايلي.
وفتحت تطبيق البنك.
وريته لأمي.
عارفة ده إيه؟
وشها اصفر.
دي كل التحويلات اللي بعتها في خمس سنين... بالأرقام.
أختي بلعت ريقها.
وأنا كملت
الغريب... إن آخر تحويل بعد ما وصل بيومين... اتكتب في رسالة البنك إنه اتسحب بالكامل.
أمي قالت بسرعة
كنت ببني البيت.
هزيت راسي.
البيت خلص من تلات سنين... وأنا فضلت أحول بعدها سنتين كاملين.
الصمت نزل على المكان.
حتى الضيوف بقوا واقفين يسمعوا.
وفجأة...
واحد من الضيوف قرب مني وقال باستغراب
حضرتك صاحب الفيلا؟
بصيتله وقلت
أيوه.
الراجل اتصدم.
وقال وهو بيشاور على أمي
إحنا كنا فاكرين إن الست دي هي المالكة... لأنها قالت إن ابنها مات في السعودية وسابلها كل حاجة.
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة.
مات؟!
بصيت لأمي...
لقيتها مش قادرة ترفع عينها في عيني.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه مستخبية.
لأن راجل كبير كان واقف وسط الضيوف، قرب مني وهو متردد، وقال بصوت واطي
لو إنت أحمد فعلًا... يبقى لازم تعرف إن فيه ورق اتعمل باسمك من أربع سنين... والورق ده لو طلع حقيقي، فإنت رسميًا... مبقاش عندك لا بيت... ولا حتى جنيه واحد باسمك.
وساعتها...
حسيت إن الكابوس لسه ما ابتداش أصلاً...وقفت مكاني...
الكلام كان بيلف حواليا، لكن وداني مسكت جملة واحدة
الورق اتعمل باسمك.
بصيت للراجل وقلت بسرعة
ورق إيه؟
بص حواليه، واتأكد إن أمي وأختي مش قريبين، وقال بصوت واطي
أنا محاسب... والست والدتك جتلي من أربع سنين مع توكيل، وقالت إنك باعتلها حق التصرف في كل أملاكك وإدارة حساباتك.
قلبي دق بعنف.
مستحيل... أنا عمري ما عملت توكيل.
الراجل هز راسه وقال
عشان كده أول ما شوفتك اتصدمت... لأن اللي فهمناه وقتها إنك مريض ومش هتعرف تنزل مصر.
لفيت ناحية أمي.
كانت واقفة ساكتة... لكن إيديها بتترعش.
صرخت فيها
فين التوكيل؟!
قبل ما ترد...
أختي جريت ناحيتها وهمست في ودنها
متتكلميش... خلي المحامي يتصرف.
أول ما سمعت كلمة المحامي عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد سرقة فلوس.
في اللحظة دي...
سارة شدتني من إيدي لأول مرة.
وقالت بصوت واطي
أحمد... بلاش تتكلم هنا.
استغربت.
ليه؟
بصت ناحية الضيوف، وبعدين همست
فيه ناس منهم متورطة... مش كلهم ضيوف.
الكلمة خلتني ألف أبص في وشوش الناس.
وفجأة...
لمحت راجل لابس بدلة سودا.
أول ما عينينا اتقابلت...
لف وشه بسرعة، وطلع موبايله، وخرج يجري برا الفيلا.
جريت وراه.
لكنه ركب عربية سودا كانت مستنياه.
قبل ما العربية تتحرك، نزل منها ظرف أبيض واترمى على الأرض.
العربية اختفت.
جريت جبت الظرف.
فتحته...
لقيت جواه صورة قديمة ليا وأنا في السعودية.
وعليها بخط أحمر مكتوب
لو عايز تعرف مين سرق عمرك... دور في أوضة أبوك المقفولة.
اتجمدت.
أبويا مات من ست سنين...
ومن يوم جنازته، أوضته مقفولة، وأمي كانت مانعة أي حد يدخلها.
رفعت عيني ناحية البيت...
فلقيت أمي واقفة في البلكونة.
أول ما شافت الظرف في إيدي...
صرخت لأول مرة برعب حقيقي
متفتحش الأوضة دي... لو دخلتها حياتنا كلنا هتضيع!صرخة أمي كانت عالية لدرجة إن الضيوف كلهم سكتوا.
لكن الغريب...
إنها ما قالتش
متدخلش الأوضة.
قالت
حياتنا كلنا هتضيع.
يعني فيه سر... وهي عارفة إنه لو اتكشف، مش هيوقعها لوحدها.
بصيت لسارة.
لقيتها شاحبة، لكنها هزت راسها وقالت
ادخل.
طلعت السلم بسرعة.
أمي جريت تحاول تمنعني، لكن لأول مرة في حياتي زقيت إيدها بعيد.
وصلت قدام أوضة أبويا.
القفل كان عليه طبقة تراب سميكة.
واضح إن محدش فتحه من سنين.
لكن...
لما قربت بالمفتاح اللي كان لسه متعلق في