عدت من السعودية بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

في دمه.
وفي آخر أنفاسه...
رفع إيده ناحيتي.
وأشار على الفلاشة اللي مع سارة.
وقال بصوت متقطع
مت... متفتحهاش... إلا... قدام... النيابة...
وبعدها...
سكت تمامًا.
أما سارة...
فحضنت الفلاشة بإيديها، وهمست وهي بترتعش
يا أحمد... لو اللي عليها طلع حقيقي... مش بس حياتنا اللي هتتغير...
وسكتت وهي تبص على أمي.
...فيه حد مننا... عايش باسم مش اسمه الحقيقي الكلمة دي خلت كل اللي في الصالة يبصوا لبعض.
عايش باسم مش اسمه الحقيقي؟!
بصيت لسارة وأنا مش فاهم.
إنتِ قصدك مين؟
هزت راسها وقالت
مش عارفة... بس الراجل قبل ما يموت كان بيكرر نفس الجملة وهو بيسلملي الفلاشة.
الظابط مد إيده وقال
الفلاشة دي لازم تتحرز.
سارة بصتلي.
أنا هزيت راسي بالموافقة.
طلعتها من كم فستانها، وسلمتها للظابط.
الظابط نادى على خبير الأدلة الجنائية اللي كان وصل مع القوة.
وصلوا الفلاشة باللاب توب.
كلنا وقفنا حوالين الشاشة.
ظهر مجلد واحد.
اسمه
لو أحمد رجع.
فتحه.
كان فيه فيديو واحد.
تاريخ تسجيله من خمس سنين.
ضغط تشغيل.
وفجأة...
ظهر أبويا.
كان قاعد في نفس أوضته، وشكله تعبان جدًا.
بص للكاميرا وقال
يا أحمد... لو الفيديو ده وصل لك، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
دموعي نزلت لوحدها.
أبويا كمل
أنا مش خايف على نفسي... أنا خايف عليك.
من اللحظة اللي سافرت فيها السعودية، اكتشفت إن فيه ناس حوالينا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان الفلوس.
وبعدين قال جملة خلت أمي تنهار في البكاء
أمك غلطت... لكنها ما كانتش صاحبة الخطة.
كلنا بصينا لأمي.
كانت بتستخبى بوشها بين إيديها.
أبويا كمل
اللي كان بيهددها كل السنين دي... شخص من دمنا.
وفجأة...
الفيديو وقف.
الشاشة اسودت.
وبعدين ظهرت رسالة مكتوبة
أدخل الرقم السري لإكمال الفيديو.
الخبير حاول مرة...
واتنين...
ومفيش فايدة.
قال
الفيديو متقفل بكلمة سر.
في اللحظة دي...
جيمي، اللي كان واقف ساكت طول الوقت، قرب من اللاب توب.
وقال ببراءة
أنا أعرف الرقم.
كلنا بصينا له في نفس اللحظة.
قلت باستغراب
تعرفه إزاي يا حبيبي؟
رد وهو باصص للشاشة
جدو كان كل ما يشوفني يقولي...
وسكت ثواني.
...لو احتجت تفتح سر العيلة، اكتب تاريخ ميلاد الشخص اللي محدش يعرف إنه لسه عايش.
سكت المكان كله.
حتى الظابط.
لأن السؤال الوحيد اللي دار في دماغ الجميع كان
مين هو الشخص اللي العيلة كلها فاكرة إنه مات... لكنه في الحقيقة ما زال على قيد الحياة؟جيمي كان واقف قدام اللاب توب، وكل العيون عليه.
قلتله بهدوء
مين قالك الكلام ده يا حبيبي؟
رد من غير تردد
جدو.
قلبي انقبض.
إنت شوفت جدو إمتى؟
بص حواليه، كأنه مستغرب إننا مستغربين.
وقال
كان بيجيلي بالليل.
أمي شهقت.
وأختي قالت بسرعة
الولد بيتهيأله.
لكن جيمي هز راسه بعصبية.
لا... كان بيجي كل شهر تقريبًا. وكان يجيبلي شوكولاتة، ويقولي أوعى تحكي لحد إني جيت.
أنا وسارة بصينا لبعض.
إزاي؟
لو أبويا مات من ست سنين... مين اللي كان بيزور جيمي؟
الظابط قرب من جيمي وسأله
تقدر توصفه؟
جيمي ابتسم.
كان عنده عصاية، وبيعرج في رجله اليمين... وكان عنده خاتم فضة عليه نسر.
في اللحظة دي...
محمود، توأم أبويا، شحب وشه.
وبصلي وقال
الخاتم...
سألته بسرعة
ماله؟
رد وهو بيبلع ريقه
الخاتم ده كان مع أخويا فعلًا... لكنه اختفى يوم وفاته.
قبل ما حد يتكلم...
أحد أفراد الأدلة الجنائية صاح
لقيت حاجة!
كان بيفتش في جيوب الجاكيت الأسود بتاع الراجل اللي مات برة.
طلع ظرف صغير.
مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح بحضور أحمد فقط.
فتحته بإيد مرتعشة.
كان جواه مفتاح نحاس قديم، وورقة مكتوب فيها
لو وصلت للمفتاح، يبقى هم سبقوني. متدورش على الحقيقة في الفيلا... دور تحتها.
رفعت عيني باستغراب.
تحتها؟
محمود بص للفيلا من الشباك، وقال بصوت منخفض
أبوك كان بيقول دايمًا إن أساس البيت هو اللي شايل السر.
وقبل ما نستوعب الكلام...
سمعنا صوت مكتوم.
دب... دب... دب...
الصوت كان جاي من تحت الأرض.
مش من الشارع...
ولا من الجنينة.
كان طالع من تحت أرضية الفيلا نفسها.
كلنا سكتنا.
والصوت اتكرر.
دب... دب... دب...
وكأنه...
في حد بيخبط من تحت النهاية
الدنيا سكتت تمامًا.
حتى الضيوف نسوا الخوف، وكل واحد بقى يبص في الأرض وهو سامع صوت الخبط.
دب... دب... دب...
الظابط أمر رجال المباحث يكسروا جزء من أرضية الصالة.
بعد دقائق من التكسير...
ظهر باب حديد قديم، مخفي تحت الرخام.
فتحوه بالمفتاح النحاس اللي كان معايا.
الباب نزل على سلم ضيق.
نزلنا كلنا.
أنا... والظابط... وسارة... ومحمود.
وفي آخر السلم...
كانت أوضة خرسانية صغيرة.
جواها خزنة كبيرة.
ولما فتحناها...
لقينا كل حاجة.
عقود الأراضي الأصلية.
إيصالات تحويلاتي من السعودية.
تسجيلات صوتية.
وكاميرات مراقبة كانت متوصلة بالفيلا من سنين.
والصدمة الكبرى...
كان فيه خطاب بخط أبويا.
كتب فيه
لو وصلتوا للمكان ده، يبقى الحقيقة انتصرت. أنا كنت عارف إن أخوكم الأكبر، سامح، هيحاول يسرق كل حاجة بعد موتي. استعان بأمكم، وهددها بأختكم، وزور أوراق كتير. أمكم أخطأت، لكنها كانت خايفة، أما العقل المدبر الحقيقي فهو سامح.
اتجمدت.
سامح...
أخويا الكبير، اللي سافر من أكتر من عشر سنين، وكلنا فاكرينه مقطوع من العيلة.
في اللحظة دي، دخلت قوة شرطة مسرعة.
الضابط ابتسم وقال
وصلنا خبر حالًا... قبضنا على سامح في المطار وهو بيحاول يهرب بجواز سفر مزور.
بدأت التحقيقات.
واعترفت أمي بكل حاجة وهي بتبكي.
قالت إن سامح هددها بأنه هيقتل سارة وجيمي لو قالت الحقيقة، وكان بياخد كل الفلوس اللي كنت ببعتها، ويخليها تدي مراتي وابني الفتات عشان يفضلوا تحت سيطرته.
أما أختي...
فاعترفت إنها كانت تعرف، لكنها سكتت طمعًا في الفلوس.
بعد شهور...
صدر الحكم.
سامح نال عقوبة مشددة بتهم التزوير والاحتيال والاستيلاء على الأموال وتهديد الأسرة.
وأختي عوقبت لمشاركتها في إخفاء الأدلة.
أما أمي...
فطلبت السماح وهي منهارة.
بصيت لها طويلًا.
وقلت
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل... لكني مش هورث ابني الكراهية.
استأجرت لها شقة صغيرة تعيش فيها بكرامة، لكن بعيدًا عن حياتنا.
أما الفيلا...
فبعتها.
لأن كل ركن فيها كان بيفكرني بالخيانة.
اشتريت بيتًا بسيطًا.
كان أصغر من الفيلا...
لكنه كان مليان دفء.
في أول ليلة هناك...
جيمي نام وهو شبعان.
وسارة كانت بتضحك لأول مرة من سنين.
بصيت لهم، وحمدت ربنا.
وافتكرت إن الغربة ما كانتش أصعب حاجة عديت بيها...
أصعب حاجة كانت إن أقرب الناس ليا خانوا الأمانة.
لكن في النهاية...
الحق أخد طريقه.
والبيت الحقيقي عمره ما كان قصرًا من حجر...
البيت الحقيقي هو المكان اللي تعيش فيه مع الناس اللي بيحبوك بصدق. تمت.

تم نسخ الرابط