هربت ليلة فرحها

لمحة نيوز

نفسه الباب اللي هيواجهها بالماضي كله مرة واحدة وصلت نغم قبل ميعاد المقابلة بنص ساعة.
المبنى كان ضخم، كله واجهات زجاج، والاستقبال منظم بشكل يخلي أي حد يحس إنه داخل شركة عالمية.
أخدت رقمها، وقعدت في قاعة الانتظار وسط أكتر من عشرين متقدمة.
كل واحدة ماسكة ملفها، وكلهم باين عليهم التوتر.
كانت نغم كل شوية تبص في الورق، وتحاول تراجع اللغات اللي اتعلمتها، لكن الحقيقة إن عقلها كان في حتة تانية.
كانت بتسأل نفسها...
يا ترى مراد عرف اللي حصل؟
ولا لسه فاكر إني فعلاً هربت؟
قطع أفكارها صوت موظفة الاستقبال.
أستاذة نغم صفوان الهواري... الدور على حضرتك.
قامت بسرعة، وعدلت حجابها، وخبطت على الباب.
اتفضلي.
دخلت بخطوات هادئة.
المكتب كان واسع، لكن الكرسي الرئيسي كان لافف بضهره ناحيتها.
سمعت صوت رجولي ثابت.
السيرة الذاتية.
قدمت الملف وهي مطمنة إن اللي هيقابلها مجرد مدير موارد بشرية.
الرجل فتح الملف، وبدأ يقلب الصفحات في هدوء.
ثم لف الكرسي ببطء...
وفي اللحظة دي...
اتجمدت نغم مكانها.
الملامح... نفس الصورة اللي شافتها في بطاقة الرقم القومي يوم كتب الكتاب.
العينين السوداوتين.
والبدلة الكحلي.
هو...
مراد زيدان.
أما مراد، فأول ما رفع عينه على وشها، ملامحه اتبدلت للحظة.
الصدمة كانت واضحة في عينيه...
لكنه أخفاها بسرعة، ورجع وشه جامد كأنها واحدة غريبة.
فضل يبصلها كام ثانية من غير ما ينطق.
بعدها قال بهدوء
اقفلي الباب.
قفلت الباب وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها.
فتح أول صفحة في ال، وقال من غير ما يبصلها
اسمك... نغم صفوان الهواري.
ثم رفع عينه عليها.
واضح إن الدنيا صغيرة أوي.
بلعت ريقها، ولسه هتتكلم...
لكن التليفون الأرضي على مكتبه رن.
ضغط الزر ورد باختصار
أيوة.
وبعد ثواني، اتغيرت ملامحه لأول مرة.
إيه؟... دخلت الشركة؟
ساد صمت قصير.
ثم قال ببرود
خلوها تطلع.
رفع السماعة من على ودنه ببطء، وبص لنغم نظرة غامضة.
وقال
واضح إن المقابلة النهارده مش هتكون بيني وبينك بس...
وفي نفس اللحظة، سُمع خبط قوي على باب المكتب، قبل أن يُفتح دون انتظار للإذن اتفتح الباب، ودخلت سيدة في أوائل الخمسينات، لابسة تايير غالي ونظارة شمس رفعتها فوق شعرها.
أول ما عيون نغم وقعت عليها، وشها اصفر.
هي دي...
والدة مراد.
نفس الست اللي نزلتها من العربية ليلة الفرح، وخدت دهبها وموبايلها، وسابتها في الشارع.
أما والدة مراد، فما كانتش متوقعة تشوفها.
وقفت مكانها ثانية، لكن سرعان ما رجعت لثباتها، وقالت وهي بتبص لمراد
هي دي البنت؟
مراد عقد حواجبه.
تعرفيها؟
ابتسمت ابتسامة مصطنعة.
أعرفها؟ دي البنت اللي هربت ليلة فرحها وكسرت قلب ابني.
نغم شهقت وقالت بسرعة
كذب! حضرتك عارفة الحقيقة.
التفتت والدة مراد لها بعصبية.
اسكتي! كفاية فضايح.
مراد رفع إيده، طالبًا الصمت.
وبص لأمه.
هي بتقول إنك إنتِ اللي نزلتيها من العربية.
ضحكت الأم ضحكة قصيرة.
أنا؟ يعني أسيب عروسة ابني في الشارع؟
ثم التفتت لنغم.
إنتِ مش قولتي إنك مش عايزة الجوازة؟ أهو خدتي اللي إنتِ عايزاه.
نغم كانت بترتعش من القهر.
أنا عمري ما قلت كده. حضرتك خدتي دهبي وموبايلي، وسيبتيني في الشارع. حتى السواق شاف كل حاجة.
لأول مرة، اسم السواق اتكرر قدام مراد للمرة التانية.
مراد سأل بهدوء
اسمه إيه؟
نغم هزت رأسها.
معرفش اسمه... لكن العربية كانت سودا، وهو راجل كبير، وكان ساكت طول الطريق.
الأم ردت بسرعة
أي كلام. السواق ده ساب الشغل من زمان، ومحدش يعرف هو فين.
مراد لاحظ إنها جاوبت بسرعة زيادة.
وبص لها نظرة طويلة.
غريبة... هي مقالتش إنه ساب الشغل. إزاي عرفتي إننا مش هنعرف نوصله؟
اتلخبطت الأم للحظة، لكن تمالكت نفسها.
أنا... قصدي يعني...
قبل ما تكمل، خبط الباب مرة تانية.
دخل سكرتير مراد وقال
أستاذ مراد، في راجل بره مُصر يقابلك. بيقول اسمه حسن، وإن الموضوع يخص مدام نغم.
نغم رفعت رأسها فجأة.
وعيونها لمعت.
عم حسن!
أما مراد، فبص بينها وبين السكرتير، وقال بهدوء
خليه يدخل بعد أقل من دقيقة، دخل عم حسن بخطوات هادئة.
أول ما شاف نغم، ابتسم باطمئنان وقال
الحمد لله... أخيرًا لقيتك يا بنتي.
نغم وقفت بسرعة، ودموعها نزلت.
عم حسن...
مراد كان بيراقب المشهد كله من غير ما يقاطع.
أشار لعم حسن يقعد، وقال
اتفضل... حضرتك تعرفها منين؟
عم حسن قعد بهدوء وقال
أنا سواق تاكسي. ليلة فرحها لقيتها قاعدة على الرصيف بفستان الفرح، لوحدها، لا معاها موبايل ولا شنطة ولا جنيه واحد.
مراد شبك صوابعه قدام بعض.
كمل.
كنت فاكر في الأول إن حصل لها حادث أو ضاعت من أهلها. لما اتكلمت معاها، كانت منهارة، لكن كانت بتكرر جملة واحدة...
بص لنغم بحنان.
...كانت بتقول إن حد نزلها من العربية وسابها.
ساد صمت ثقيل.
مراد التفت ناحية أمه.
ملامحها بدأت تتغير، لكنها حاولت تحافظ على هدوئها.
قالت بسرعة
وده يثبت إيه؟ يمكن كانت بتمثل عليه.
رد عم حسن بهدوء
لو كانت بتمثل، كانت طلبت مني فلوس أو أي مصلحة. لكنها رفضت حتى أوصلها في الأول، وكانت خايفة تروح القسم عشان أهلها ميظلموهاش.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
أنا احتفظت بحاجة يمكن تفيد.
فتح الظرف، وأخرج بطاقة صغيرة.
دي بطاقة الجمعية اللي وصلتها ليها يومها. المسؤولة هناك كتبت التاريخ والوقت أول ما دخلت.
مراد أخذ البطاقة.
قرأ التاريخ.
كان نفس تاريخ ليلة الزفاف.
ونفس التوقيت تقريبًا الذي أخبرته فيه والدته أن نغم هربت.
رفع رأسه ببطء.
نظر إلى أمه.
ثم إلى نغم.
ثم عاد ينظر إلى البطاقة مرة أخرى.
ولأول مرة منذ بدأت المقابلة...
ظهر التردد الحقيقي في عينيه.
لكن والدته قالت بسرعة وهي تحاول إنهاء الحديث
يا مراد... أي حد يقدر يجيب ورقة.
رد مراد بهدوء شديد، وهو ما كان يخيف أكثر من الغضب
ممكن.
ثم ضغط زر الهاتف الداخلي.
أستاذ سامح...
جاءه صوت السكرتير
أفندم.
قال مراد
هاتلي ملف الموظفين القدامى... وخصوصًا ملف السواق اللي كان شغال معانا وقت الفرح.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد
حضرتك... الملف موجود، وفيه عنوانه ورقم تليفونه الجديد كمان.
رفعت والدة مراد رأسها فجأة، واتسعت عيناها دون أن تشعر.
أما مراد...
فلاحظ نظرة القلق التي مرت على وجهها في لحظة، دون أن تنطق بكلمة.
وأغلق سماعة الهاتف ببطء، وهو يقول
واضح إن في حد هيحكي اللي حصل... من أوله لآخره بعد عشر دقائق، دخل السكرتير وهو ماسك ملفًا قديمًا.
حطه قدام مراد وقال
ده ملف الأستاذ سيد، السواق اللي كان شغال مع الشركة وقتها.
فتح مراد الملف بسرعة.
كان فيه صورة السواق، وعنوانه، ورقم هاتفه.
أمسك الهاتف واتصل قدام الجميع.
رن مرة...
واتنين...
وفي التالتة، جه صوت راجل كبير
ألو.
قال مراد بنبرة ثابتة
عم سيد؟ أنا مراد زيدان.
سكت الراجل ثواني.
أستاذ مراد؟ خير يا ابني.
عايز أقابلك حالًا. في الشركة.
سمعوا من السماعة تنهيدة طويلة.
وبعدين الراجل قال
كنت مستني اليوم ده من زمان.
مراد عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
رد عم سيد
في كلام لازم يتقال... وضميري تعبني بقاله سنين.
أغلق مراد المكالمة، وبص لأمه.
لأول مرة، شاف الخوف الحقيقي في عينيها.
بعد أقل من ساعة، وصل عم سيد.
كان شعره كله أبيض، لكن مراد عرفه أول ما دخل.
وقف قدامه وقال
اتفضل... احكي.
بص عم سيد لنغم، وطمنها بابتسامة خفيفة.
ثم قال
اللي هقوله النهارده، ربنا شاهد عليا.
ساد الصمت في المكتب.
قال عم سيد
ليلة الفرح، إحنا وصلنا أطراف إسكندرية. الهانم... وأشار باحترام ناحية والدة مراد، ...طلبت مني أوقف العربية.
والدة مراد صرخت
إوعى تكمل!
لكن مراد قال بحدة
ولا كلمة.
أكمل عم سيد
الهانم نزلت العروسة من العربية، وخدت منها الدهب والموبايل، وقالتلي اتحرك.
مراد قبض على إيده بقوة.
لكن فضل ساكت.
أنا رفضت في الأول... قلت مينفعش نسيب البنت لوحدها.
بلع ريقه وكمل
لكن الهانم قالتلي نفذ اللي بقولك عليه، وإلا هتترفد.
نغم أغمضت عينيها.
كل كلمة كانت بترجعها لليلة عمرها ما نسيتها.
عم سيد قال بحزن
كنت محتاج الشغل... وخفت على بيتي... فنفذت.
نزل رأسه للأرض.
وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
ساد صمت
تم نسخ الرابط