هربت ليلة فرحها

لمحة نيوز

ثقيل.
مراد كان ثابت مكانه.
ملامحه هادئة...
بهدوء يخوف.
رفع عينه ببطء ناحية أمه.
وقال
في حاجة تحبي تنكريها؟
حاولت تتكلم...
لكن الكلمات اختفت.
لأول مرة...
ماعرفتش ترد.
أما مراد، فتنفس بعمق، ثم قال بصوت منخفض
يعني... أنا ظلمت إنسانة بريئة.
ونظر إلى نغم...
لكن نغم لم تنظر إليه.
كانت تنظر إلى الأرض، وهي تدرك أن الحقيقة ظهرت أخيرًا...
لكن الجرح الذي عاشته طوال تلك الأسابيع، لم يكن من السهل أن يلتئم بكلمة حقك معايا ساد الصمت داخل المكتب لدرجة إن صوت عقارب الساعة بقى مسموع.
مراد فضل واقف مكانه، وعينيه ثابتة على نغم.
كان بيحاول يفتكر كل كلمة قالها لها من أول ما دخلت الشركة.
كل اتهام.
كل نظرة احتقار.
وكل مرة وصفها فيها إنها هربت.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بهدوء
عم سيد... تقدر تستنى بره شوية؟
هز الرجل رأسه وخرج، ومعاه السكرتير، وقفلوا الباب.
لم يبق في المكتب سوى مراد، ونغم، ووالدته.
التفت مراد إلى والدته.
ليه؟
لم ترد.
كرر السؤال، لكن بصوت أقوى
ليه عملتي كده؟
تنهدت والدته وجلست على الكرسي.
ولأول مرة، اختفى عنها التماسك.
قالت بصوت منخفض
لأني كنت شايفة إنها مش مناسبة ليك.
مراد لم يتكلم.
أكملت
كنت عايزاك تتجوز بنت من عيلة رجال أعمال، الجواز ده كان هيكبر شغلك وعلاقاتك.
ولما لقيتك متمسك بكلمة أبوك الله يرحمه، وإنك هتتجوز بنت صفوان الهواري عشان الوعد القديم بينكم... قررت أتصرف.
نغم رفعت رأسها لأول مرة.
وعد؟
مراد بص لها، وقال بهدوء
أبوكي وأنا... أقصد أبويا... كانوا أصحاب عمر.
سكت لحظة.
قبل وفاة والدي، وصاني أوفي بكلمة اتقالت من سنين، إن لو الظروف سمحت، يكون بين العيلتين نسب.
نغم كانت تسمع وهي مش مستوعبة.
أما والدة مراد فأكملت
افتكرت إن مع الوقت هينسى، لكن يوم كتب الكتاب عرفت إنه مش هيتراجع.
أخذت نفسًا طويلًا.
فقررت أخلي الجوازة تنتهي من أول يوم.
مراد سألها
وده كان يستحق تكسري بنت ملهاش ذنب؟
لم تجد إجابة.
التفت مراد ناحية نغم.
صوته كان هادئًا، لكن مختلف عن أي مرة قبل كده.
أنا مدين لك باعتذار.
نغم رفعت يدها توقفه.
الاعتذار حقك تعمله... أو متعملوش.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
بس اللي اتكسر جوايا، مش هيرجع بسهولة.
مد مراد يده، وسحب عقد العمل من فوق المكتب.
مزقه نصفين.
نغم اتفاجئت.
قال
أنا مش هخلي شغلك مربوط بأي حاجة شخصية.
ثم فتح درجًا آخر، وأخرج عقدًا جديدًا.
ده عقد توظيف عادي، بنفس المرتب والمميزات اللي أي مترجم في الشركة بياخدها.
حطه قدامها.
لك كامل الحرية... تمضي أو ترفضي.
بصت له نغم، ثم للعقد.
كانت أول مرة منذ أسابيع تشعر إن حد بيديها حق الاختيار.
لكنها لم تمد يدها.
قالت بهدوء
ممكن أفكر؟
هز مراد رأسه.
طبعًا.
وقفت نغم، وأخذت حقيبتها.
وقبل ما تخرج، استدارت وقالت
في حاجة واحدة هطلبها.
اتفضلي.
دهبي... لو لسه موجود... أنا عايزة آخده. لأنه حق أبويا، ومش هسيبه.
ساد الصمت في المكتب.
ثم تحولت أنظار الجميع إلى والدة مراد... التي شحب وجهها فجأة، وكأن طلب نغم أعاد فتح سر آخر كانت تخفيه منذ ليلة الزفاف والدة مراد بلعت ريقها، وحاولت تحافظ على هدوئها.
قالت وهي بتتجنب النظر لنغم
الدهب... مش عندي.
عقد مراد حاجبيه.
يعني إيه مش عندك؟
ردت بسرعة
بعته.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
نغم اتسعت عينيها.
بعتيه؟!
قالت الأم وهي تحاول تبرر
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى، وإنك مش هترجعي تاني.
مراد قرب منها خطوة.
بعتي دهب مش ملكك؟
سكتت.
فلوسه راحت فين؟
تنهدت وقالت بصوت خافت
كنت داخلة في جمعية كبيرة... وكان عليا مبلغ لازم أدفعه، وإلا كنت هتعرض لمشاكل. قلت هعوضه بعدين.
مراد فضل باصص لها ثواني، وكأنه مش قادر يصدق.
يعني ظلمتي بنت بريئة... وخدتي حقها... وصرفتيه.
نزلت الأم رأسها.
أنا غلطت.
رد مراد بحزم
دي مش غلطة... دي مسؤولية.
ثم التفت لنغم.
أنا هضمن إن حقك يرجع كامل، سواء الدهب نفسه أو قيمته الحالية.
نغم قالت بهدوء
أنا مش عايزة حد يتفضل عليّ. أنا عايزة حقي وبس.
هز مراد رأسه.
وده اللي هيحصل.
في اليوم التالي، اجتمع مراد مع المدير المالي للشركة ومحامي العائلة.
طلب تقييم قيمة الدهب بالسعر الحالي، وتجهيز مستند يثبت حق نغم في استلام المبلغ كاملًا إذا تعذر استرجاع المشغولات نفسها.
وبعد ساعات، دخل المحامي إلى مكتبه ومعه تقرير.
قال
في حاجة مهمة يا أستاذ مراد.
اتفضل.
أثناء مراجعة الأوراق القديمة، لقينا ظرف كان محفوظ مع عقد الجواز.
فتح مراد الظرف.
كان فيه خطاب بخط يد والده.
قرأ أول سطر، فتغيرت ملامحه.
ناول الخطاب لنغم.
أخذته بتردد، وبدأت تقرأ.
يا مراد... لو بتقرأ الجواب ده، يبقى كتب الله إنك تتم جوازك من بنت صفوان. أوصيك تعاملها بالعدل والرحمة، لأنها بنت طيبة، وأبوها وقف جنبي يوم محدش وقف معايا. ولو حصل أي خلاف بينكم، اسمع منها قبل ما تحكم عليها... لأن الحقيقة ساعات بتكون أبعد من اللي بنشوفه بعنينا.
انتهت نغم من القراءة، وسكتت.
أما مراد، فأغمض عينيه للحظة.
همس بصوت مليان ندم
يا ريتني قريت الجواب ده قبل ما أقابلك.
لكن نغم لم ترد.
وضعت الخطاب على المكتب برفق، وقالت
الندم بيغير اللي فات... ولا بيخلينا نتعلم للي جاي؟
مراد نظر إليها طويلًا، ولم يجد إجابة.
أما نغم، فأخذت نفسًا عميقًا، وأمسكت بعقد العمل الجديد، لكنها لم توقّع بعد.
كانت تعرف أن استرداد حقها شيء... واستعادة ثقتها فيمن ظلمها شيء آخر تمامًا مرّت ثلاثة أيام.
لم تعد نغم إلى الشركة.
كانت تقيم في الجمعية، وتراجع كل ما حدث منذ ليلة زفافها. لم تكن غاضبة فقط، بل كانت تريد أن تبدأ حياتها وهي مطمئنة أن كرامتها عادت كاملة.
أما مراد، فلم يحاول الضغط عليها أو ملاحقتها.
كل ما فعله أنه أوفى بما وعد.
وصلها شيك بقيمة الذهب كاملة حسب سعره الحالي، ومعه تقرير رسمي يوضح طريقة التقييم، ورسالة قصيرة بخط يده
ده حقك، مش هدية ولا تعويض. سامحيني على ظلمي ليكي، سواء قبلتي اعتذاري أو لأ.
ابتسمت نغم ابتسامة خفيفة.
وقالت لنفسها
أول مرة حد يرجعلي حقي من غير ما يطلب مني أسكت.
في المقابل، اعترفت والدة مراد بكل ما فعلته أمام أفراد العائلة.
لم يكن الاعتراف سهلًا، لكنه أنهى سنوات من الكذب.
اعتذرت لوالد نغم، وأقرت أنها كانت السبب في انهيار الزواج قبل أن يبدأ.
كان الاعتذار مؤلمًا، لكنه أعاد لنغم وأسرتها سمعتهم أمام أهل البلد.
وعندما وصلت الحقيقة إلى القرية، عرف الجميع أن نغم لم تهرب، ولم تخن أحدًا، وإنما تعرضت لظلم كبير.
وقف والدها أمامها لأول مرة منذ شهور، وعيناه تمتلئان بالدموع.
قال
سامحيني يا بنتي... أنا صدقت الناس، وما سمعتش منك.
ارتمت نغم في حضنه وهي تبكي.
أنا كنت محتاجة تسمعني بس.
بعد أسبوعين، ذهبت نغم إلى الشركة بإرادتها.
دخلت مكتب مراد، ووضعت عقد العمل أمامه بعدما وقّعت عليه.
ابتسم في هدوء.
أهلاً بيكي.
قالت بحزم
أنا جاية أشتغل، مش علشان أي حاجة تانية.
هز رأسه باحترام.
وده اللي أنا منتظره.
ومنذ ذلك اليوم، كانت العلاقة بينهما علاقة مدير وموظفة، يسودها الاحترام والالتزام.
لم يحاول مراد أن يفرض عليها مشاعر أو يطلب منها فرصة جديدة، لأنه أدرك أن الثقة لا تُفرض، بل تُكتسب مع الوقت.
وبعد شهور، وبعد أن انتهت الإجراءات القانونية، جلسا معًا للمرة الأولى بعيدًا عن ضغوط الماضي.
قال مراد
لو كنتِ شايفة إن الانفصال هو اللي يريحك، هوقّع أوراق الطلاق النهارده قبل بكرة.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
إحنا عمرنا ما خدنا فرصة نتعرف على بعض. اللي وقف بينا كان الكذب.
سكتت لحظة، ثم أكملت
مش هقرر دلوقتي. لكن المرة دي، القرار هيكون بإرادتي... مش بإرادة حد تاني.
ابتسم مراد لأول مرة منذ شهور.
وده حقك.
مرت سنة كاملة.
خلالها، لم يحاول مراد أن يشتري رضاها بالهدايا، بل أثبت بأفعاله أنه تغير، وكان يعاملها باحترام داخل الشركة
وخارجها.
ومع الأيام، عاد الحوار بينهما، ثم الثقة، ثم المودة.
وفي ذكرى يوم كتب الكتاب، قررا أن يبدآ حياتهما من جديد، لكن هذه المرة باختيارهما، بعد أن زالت كل الأكاذيب.
أقيم حفل عائلي بسيط حضره الأهل والأصدقاء.
وقف والد نغم وهو يبتسم ويقول
النهارده بس أقدر أقول إن بنتي اتجوزت وهي رافعة راسها.
ابتسمت نغم، ونظرت إلى مراد.
فقال لها بهدوء
المرة دي... ولا حد هيقدر يفرق بينا بكذبة.
أمسكت يده وهي ترد
لأن الحقيقة، حتى لو اتأخرت... عمرها ما بتضيع.
تمت.

تم نسخ الرابط